الخطبة الأولى:

الْحَمْد لِلَّه رَبّ الْعَالَمِين، مَنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِين بِأَن بَعَث فِيهِم رَسُولاً مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاتِه وَيُزَكِّيهِم وَيُعلِّمهم الْكِتَاب وَالْحِكْمَة وَإِنّ كَاْنُوا مَن قبلُ لَفِي ضلالٍ مُبِين.

وَأَشْهِد أن لا إلَه إلَّا اللَّه وَحَدَّه لا شَرِيك لَه العليُّ الْعَظِيم، وَأَشْهِد أنَّ مُحَمْداً عَبْدَه وَرَسُوله الصَّادِق الْوَعْد الْأَمِين؛ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامِه عَلَيْه وَعَلَى آلِه وَصَحِبَه أَجْمَعِين.

أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون عِبَاد اللَّه: اتَّقُوا اللَّه -تَعَالَى -، وَرَاقَبُوه -سُبْحَانَه – فِي السِّرّ وَالْعَلَن، وَالشَّهَادَة وَالْغُيَّب، مُرَاقَبَة مَن يَعْلَم أنَّ ربَّه يَسْمَعُه وَيَرَاه.

عِبَاد اللَّه: إنَّ أَعْظَم القُرَب وأجلّ الطَّاعَات مَحَبَّة النَّبِيّ الْكَرِيم -ﷺ- محبةً مقدَّمةً عَلَى مَحَبَّة النَّفْس وَالْوَالِد وَالْوَلَد وَالنَّاس أَجْمَعِين ، رَوَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم فِي صَحِيحَيْهِمَا عَن أَنَس بن مَالِك -t- أن النَّبِيّ -ﷺ- قَال : “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ”.

كَيْف لاَ – عِبَاد اللَّه –  وَهْو سيِّد وَلَد آدَم،  وَإِمَام الْوَرَى، وَقُدْوَة الْعَالَمِين، المَبْعُوثُ رَحْمَة لِلْعَالَمِين؛ ليهديَ النَّاس إِلَى صِرَاط اللَّه الْمُسْتَقِيم، وَدِينَه الْقَوِيم، وَقَد بلَّغ الرِّسَالَة، وأدَّى الْأَمَانَة، وَنَصَح الْأُمَّة، وَجَاهَد فِي اللَّه حَقّ جِهَادِه حَتَّى أَتَاه الْيَقِين.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون: وَلَمًّا كَان لكلِّ دَعْوَى لا بُد مَن بُرْهَان يَدُلّ عَلَى صَدَّقَهَا فَإِن مَحَبَّة النَّبِيّ -ﷺ- لا بُد لِكُلّ مَن ادَّعاها لِنَفْسِه أن يحقِّق الْعَلَامَات وَالْبَرَاهِين الدَّالَّة عَلَى صَدَق الْمَحَبَّة وَثُبُوتُهَا وتحقُّقها.

وَأَعْظِم ذَلِكُم -عِبَاد اللَّه – اتِّبَاع هَدْيَه، وَلُزُوم نَهْجِه، وَالتَّمَسُّك بِسُنَّتِه صَلَوَات اللَّه وَسَلَامِه عَلَيْه، كَمَا قَال اللَّه -تَبَارَك وَتُعَالَى -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ آل عِمْرَان :31؛ فَهَذِه الْآيَة -مَعَاشِر الْمُؤْمِنِين – حاكمةٌ عَلَى كَلّ مَن ادَّعى مَحَبَّة النَّبِيّ -عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام – دُوْن عملٍ بِهَدْيِه، أَو تَمَسَّك بِسُنَّتِه، أَو لُزُوم لنهجه، بِأَنّ دَعْوَاه كَاذِبَة حَتَّى يتِّبعه -عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام – فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال وَالْأَحْوَال.

رَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمِه الْأَوْسَط عَن أَبِي قُرَادٍ السُّلَمِيّ -t- قَال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ – ﷺ- فَدَعَا بِطهُورٍ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ ثَمَّ تَوَضَّأَ، فَتَتَبَّعْنَاهُ فَحَسَوْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: “مَا حَمَلَكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُمْ؟” قُلْنَا:  حُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: “فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ يُحِبَّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ فَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ، وَاصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَحْسِنُوا جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكُمْ”؛ فبيَّن -u- أن مَحَبَّتِه – ﷺ- عملٌ واتِّباع واهتداءٌ وَاقْتِدَاء بِهَدْيِه الْقَوِيم ونهجه الْمُبَارَك عَلَيْه صَلَوَات اللَّه وَسَلَامِه.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون: وَمَنّ عَلَائِم الْمَحَبَّة الْإِكْثَار مَن ذِكره – ﷺ-، فإنَّ اللَّه أَعْلَى شَأْنِه ، وَرَفْع مَقَامَه ، وَرَفْع ذَكَرَه ، فَلا يُذكر -سُبْحَانَه وَتُعَالَى – إلَّا ويُذكر مَعَه -u-، ولاسيما فِي أَشْرَف الْمَقَامَات وَأَرْفَعِهَا كالأذان وَالْإِقَامَة وَالتَّشَهُّد وَنَحْو ذَلِك.

وَالْإِكْثَار مَن ذَكَر النَّبِيّ -u- يَكُون بِذِكْر مَنَاقِبِه الْعَظِيمَة، وَشَمَائِلِه الْمُبَارَكَة، وَأَخْلَاقِه الشَّرِيفَة، وَآدَابِه الْفَاضِلَة، وَسِيرَتِه العَطِرة، وَسُنَّتِه الْمُبَارَكَة، صَلَوَات اللَّه وَسَلَامِه عَلَيْه؛ عنايةً بِهَا، ومدارسةً لَهَا، وحرصاً عَلَى الِاقْتِدَاء بِه ﷺ، مَع الْإِكْثَار مَن الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْه صَلَوَات اللَّه وَسَلَامِه عَلَيْه فِي كَلّ مَرَّة يُذكر فِيهَا – ﷺ-.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُون: وَمَن عَلَائِم الْمَحَبَّة وَدَلَائِلَهَا مَحَبَّة رُؤْيَتِه -ﷺ-، ومودَّة ذَلِك، وَالرَّغْبَة الشَّدِيدَة فِيهَا، رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحِه مَن حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة -t- أنَّ النَّبِيّ – ﷺ- قَال : “مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ“.

وَهَذِه الْمَحَبَّة -عِبَاد اللَّه – لِرُؤْيَتِه – ﷺ- تُثمر فِي الْعَبْد المحِب عزماً صادقاً، وعنايةً أَكِيدَة بِاتِّبَاع النَّبِيّ -عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام -، وَلُزُوم نَهْجِه – ﷺ-، واتِّباعه بِإِحْسَان؛ مِمَّا يُوَرَّث فَاعِل ذَلِك مُرَافَقَتُه -عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام- وَرُؤْيَتُه فِي الْجِنَان.

عِبَاد اللَّه: وَمِنْ عَلَامَات الْمَحَبَّة: الْحَذَر مَن الْغُلُوّ فِيْه – ﷺ-؛ فَإِنَّه نَهَى عَن ذَلِك، وحذَّر مِنْه أَشَدّ التَّحْذِير، وَالْأَحَادِيث فِي ذلكم كَثِيرَة، رَوَى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكِه عَن يَحْيَى بن سعيدٍ قَال : “كُنَّا عِنْدَ عَلِيِّ بُنِ الْحُسَيْنِ، فَجَاءَ قَوْمٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ أَحِبُّونَا حُبَّ الْإِسْلَامِ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – ﷺ -: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَرْفَعُونِي فَوْقَ قدْرِي، فَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي عَبْدًا قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيًّا”، وليُتأمل قَولَه: “أَحِبُّونَا حُبَّ الْإِسْلَامِ”، فَإِنَّه -مَعَاشِر الْمُؤْمِنِين – هُو الْحَبّ النَّافِع لِصَاحِبِه، أَمَّا حُبّ الْغُلَاة الْمُبْطِلَة فَإِنَّه حبٌّ يَضُرّ ولا يَنْفَع، ويُقصي ولا يُدْنِي، ويُبعِدُ ولا يُقرِّب.

فلنحذر مَن الْغُلُوّ بِكَافَّة صُوَرِه وَجَمِيع أَشْكَالِه، وَلْنَحرص عَلَى الِاتِّبَاع لِهَدْي نَبِيِّنَا الْكَرِيم -عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام -، وَالْمُلَازَمَة لِسُنَّتِه، وَالْبُعْد عَن الْبِدَع وَالْأَهْوَاء.

أَعَاذَنَا اللَّه أَجْمَعِين مَن الْبِدَع المطغية، وَالْأَهْوَاء الْمُرْدِيَة، وَأَصْلِح لَنَا شَأْنِنَا كُلّه،

وَأَعَاذَنَا مَن شُرُور أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَات أَعْمَالِنَا، وَشَرّ كلِّ دَابَّة هُو آخُذ بِنَاصِيَتِهَا،

إنَّه -تَبَارَك وَتَعَالَى – سَمِيْعٌ قريبٌ مُجِيب .

 

الخطبة الثانية:

الْحَمْد لِلَّه حَمْداً كَثِيْراً طَيَبَاً مباركاً فِيْه كَمَا يحبُّ ربُّنا وَيُرْضَى، وَأَشْهِد أنَّ لا إلَه إلَّا اللَّه وَحَدَّه لا شَرِيك لَه،

وَأَشْهِد أنَّ مُحَمْداً عَبْدَه وَرَسُوله؛ صَلَّى اللَّه وسلَّم عَلَيْه وَعَلَى آلِه وَصَحِبَه أَجْمَعِين.

أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون عِبَاد اللَّه: اتَّقُوا اللَّه -تَعَالَى -، وَرَاقَبُوه -سُبْحَانَه – مُرَاقَبَة مَن يعلمُ أنَّ ربَّه يَسَمَعُه وَيَرَاه.

عِبَاد اللَّه: وَالْمَحَبَّة تاجٌ عَلَى رؤوس أَهْل الْإِيمَان، وشرفٌ عَظِيم ووسام، وفخرٌ لِمَن وَفْقِه اللَّه -تَبَارَك وَتُعَالَى – بِذَلِك الْإِنْعَام، لَكِن هَيْهَات -عِبَاد اللَّه- أنْ تَكُون الْمَحَبَّة بِدْعَاً ومحدثاتٍ وطقوساً مَا أَنْزَل اللَّه بِهَا مَن سُلْطَان.

لَقَد شرَّف اللَّه الصَّحَابَة الْكِرَام بِالْمَحَبَّة لِلنَّبِيّ -ﷺ- بِأبَهى حُلَلِها وَأَجْمَل صُوَرها، وَلَمّ يُرَ عَلَى واحدٍ مِنْهُم شيءٌ مَن تِلْك الْأَحْوَال الْفَاسِدَة، وَالْأَعْمَال الْخَاطِئَة، الَّتِي إِنَّمَا نَشَأَت ووُجدت بَعْد قرونٍ مَن قَرَن الصَّحَابَة رَضِي اللَّه عَنْهُم وَأَرْضَاهُم ؛ فَلَنَحَذَر -عِبَاد اللَّه – مَن جَمِيع الْبِدَع، وَإِنّ كَانَت قَد أَرَاد بِهَا أَصْحَابِهَا إظْهَار مَحَبَّة النَّبِيّ -عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام -.

إنَّ إظْهَار الْمَحَبَّة قصدٌ حسَن، وَمُرَاد طيِّب، وَلَكِن لا يَكُون إلَّا بِفِعْل مَا جَاء عَنْه وَصِح عَنْه -صَلَوَات اللَّه وَسَلَامِه عَلَيْه -، لأَنّ كَلّ عملٍ لَيْس عَلَى هَدْي النَّبِيّ الْكَرِيم -صَلَوَات اللَّه وَسَلَامِه عَلَيْه – وَلَا عَلَى نَهْجِه الْقَوِيم مَرْدُود عَلَى صَاحِبِه ، وَإِنّ فِعْلِه بِزَعْم إظْهَار مَحَبَّة النَّبِيّ الْكَرِيم -عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام –

وَمِن ذَلِكُم – مَعَاشِر الْمُؤْمِنِين – الِاحْتِفَال بِلَيْلَة مَوْلِده -عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام -، أَو بِلَيْلَة الْإِسْرَاء وَالْمِعْرَاج، أَو غَيَّر ذَلِك مَن الْمَوَاسِم الَّتِي اتَّخَذَهَا بَعْض النَّاس عِيدًا، وَجَعَلُوهَا مُحْتَفَلَاً، وَهْو أمرٌ لَم يَصْنَعُه الصَّحَابَة -رَضِي اللَّه عَنْهُم-، وَهْم أَصْدَق النَّاس مُحَبةً لِلرَّسُول الْكَرِيم -عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام-.

وَإنَّا لنَسْأَل اللَّه الْعَظِيم، بِأَسْمَائِه الْحُسْنَى، وَصِفَاتُه الْعُلَى، أنْ يَرْزُقَنَا أَجْمَعِين مَحَبَّة النَّبِيّ الْكَرِيم -عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام- مَحَبَّة صَادِقَة يَجْمَعُنَا اللَّه -سُبْحَانَه وَتُعَالَى- بِهَا بِنَبِيِّنَا الْكَرِيم -عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام – فِي جَنَّات النَّعِيم، فِي مَقْعَد صدقٍ عِنْد مليكٍ مُقْتَدِر، وَأَن يعيذَنا أَجْمَعِين مَن الْبِدَع الْمُحْدَثَات، وَالْأَهْوَاء المُطَغِيَاْت، وَالْفِتَن بِأَنْوَاعِهَا؛ إنَّه -تَبَارَك وَتُعَالَى – سَمِيع الدُّعَاء، وَهْو أَهْل الرَّجَاء، وَهْو حَسْبُنَا وَنَعَم الْوَكِيل.

وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم اللَّه – عَلَى مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه، كَمَا أَمَرَكُم اللَّه بِذَلِك فِي كِتَابه فَقَال :

﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا﴾.

فاللهم صلِّ وَسُلِّم عَلَى محمدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّد وَارْض اللَّهُمّ عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدِين الْأَئِمَّة المهديِّين،

وَارْض اللَّهُمّ عَن الصَّحَابَة أَجْمَعِين، وَعَنّ التَّابِعِين، ومَن تَبِعَهُم بِإِحْسَان إِلَى يُوم الدِّين، وعنَّا مَعَهُم بمنّك وَكَرَمِك وَإِحْسَانُك يَا أَكْرَم الْأَكْرَمِين.

اللَّهُمّ آتِ نُفُوسُنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْت خَيْر مَن زَكَّاهَا، أَنْت وليُّها وَمَوْلَاهَا.

اللَّهُمّ إنَّا نَسْأَلُك الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعِفَّة والغنى، اللَّهُمّ إنَّا نَسْأَلُك حبَّك، وحبَّ مَن يُحِبُّك، وحبَّ الْعَمَل الَّذِي يقرِّبنا إِلَى حبِّك.

اللَّهُمّ اغْفِر لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِلَمُسَلِمِين وَالْمُسْلِمَات، وَالمُؤمَنين وَالْمُؤْمِنَات، الْأَحْيَاء مِنْهُم وَالْأَمْوَات،

رَبَّنَا إنَّا ظَلَمْنَا أَنْفُسِنَا وَإِنّ لَم تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنّ مَن الْخَاسِرِين.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وُفِّي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنًّا عَذَاب النَّار.

وَآخِر دَعْوَانَا أنْ الْحَمْد لِلَّه رَبّ الْعَالَمِين.

Publication1سعادة الأمين العام وأعضاء في اتحاد علماء إفريقيا يشاركون في المؤتمر الدولي “التنوُّع والسِّلم المجتمعي – “الشَّراكة من أجل مستقبل واعد” المنعقد في أبوجا المزيد…

photo_2026-08-13_07-34-14

 يشارك سعادة الأمين العام لاتحاد علماء إفريقيا الدكتور سعيد محمد بابا سيلا وبعض الأعضاء في المؤتمر الدولي “التنوُّع والسِّلم المجتمعي – الشَّراكة من أجل مستقبل واعد” الذي افتتح أعماله هذا اليوم الثلاثاء 11 أغسطس 2026م  في العاصمة النيجيرية أبوجا، تحت رعاية وحضور فخامة رئيس جمهورية نيجيريا الاتحادية، السيد بولا أحمد تينوبو، وبتنظيم من رابطة العالم الإسلامي، بالتعاون مع جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة في نيجيريا، ويستمر إلى 12 أغسطس 2026م.

 ومن بين المشاركين في هذا المؤتمر التاريخي المهمِّ من أعضاء اتحاد علماء إفريقيا:

فضيلة الدكتور بشير علي عمر نائب رئيس اتحاد علماء إفريقيا عن منطقة غرب إفريقيا – نيجيريا

فضيلة الشيخ محمود مال بكري ، نائب رئيس اتحاد علماء إفريقيا لمنطقة وسط إفريقيا  – الكاميرون

فضيلة الدكتور بشير آدم محمد رئيس اللجنة المالية لاتحاد علماء إفريقيا – غانا

فضيلة الدكتور خضر عبد الباقي محمد رئيس لجنة الإعلام والعلاقات لاتحاد علماء إفريقيا – نيجيريا

فضيلة الدكتور إبراهيم جالو محمد عضو لجنة الشؤون التعليمية لاتحاد علماء إفريقيا – نيجيريا

فضيلة الدكتور قطب مصطفى سانو الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، عضو الشرف في اتحاد علماء إفريقيا  – غينيا كوناكري

فضيلة الدكتور أبوبكر دكوري عضو الشرف في اتحاد علماء إفريقيا – بوركينا فاسو.

 كما يشارك فيه دوليًّا،كلٌّ من صاحب السمو السلطان محمد سعد أبوبكر (سلطان سوكوتو، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في نيجيريا)، ومعالي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى (الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، رئيس هيئة علماء المسلمين)، وفضيلة الشيخ الدكتور عبد الله بلالو (الرئيس العام لجماعة إزالة البدعة وإقامة السنة – نيجيريا)، وفضيلة الشيخ أحمد المرابط الشنقيطي (المفتي العام للجمهورية الإسلامية الموريتانية)، وجمهرة من القيادات الدينية والعلمية والفكرية، والجهات ذات الاختصاص والاهتمام بالحوار الديني والحضاري في قارة أفريقيا.

 ويهدف هذا المؤتمر إلى معالجة التحديات الدينية والاجتماعية التي تواجهها القارة الإفريقية، وما يرافقها من ظهور بعض المظاهر السَّليية التي تمسُّ أمن المجتمعات، وتعزيز قيم التعايش السلمي وروح التسامح والقبول بالتنوع والتعدد، والحوار بين مختلف المكونات الدينية والإثنية.

والجلسة الرابعة كانت برئاسة الدكتور بشير محمد آدم رئيس اللجنة المالية لاتحاد علماء إفريقيا بمشاركة الأمين العام لاتحاد علماء إفريقيا الدكتور سعيد محمدبابا سيلا.

وكانت حول  دور المؤسسات الدينية والتعليمية في صناعة الوعي.

ودعواتنا أن تكون هذه المشاركات االقيّمة الرفيعة إسهاما ناجحا في معالجة هذا الموضوع المهمّ في القارة.

photo_2026-08-13_07-36-04a6be28d5-c894-4489-9644-ab2317f3c217

770884249_1558066731848849_7443520026156519222_n 4dd1c4cf-be37-4537-91e4-daf799d98394 (1)

الخطبة الأولى:

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ حقَّ التَّقْوَى كَمَا أَمَرَكُمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾آل عمران:102؛

إِخْوَةَ الْإسْلاَمِ: لم يَفتَرِضِ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ بَعدَ تَوحِيدِهِ وَالتَّصدِيقِ بِرُسُلِهِ فَرِيضَةً أَجَلَّ وَلا أَعظَمَ مِنَ الصَّلاةِ، أَوصَى بها أَنبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، وَوَصَفَ بِإِقَامَتِهَا الصَّالحِينَ مِن عِبَادِهِ، وَجَعَلَهَا أَوَّلَ فَرِيضَةٍ بَعدَ إِخلاصِ التَّوحِيدِ لَهُ وَالخُلُوصِ مِنَ الشِّركِ بِهِ، وَالفَارِقَةَ بَينَ مَن آمَنَ بِهِ وَمَن كَفَرَ، قَالَ -تَعَالى- عَن إِبرَاهِيمَ -عَلَيهِ السَّلامُ-: ﴿وَإِذْ بَوَّأنَا لإِبرَاهِيمَ مَكَانَ البَيتِ أَنْ لَا تُشرِكْ بي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾الحج 26،وهيَ منَ الميثاقِ الذي أُخذَ على الأممِ السابقةِ، وأُمرتْ هذهِ الأمةُ بالمحافظةِ عليها: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾البقرة: 238، وهيَ أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ؛ سُئِلَ النبيُّ ﷺ: أيُّ العملِ أحبُّ إلى اللهِ؟! قالَ: “الصلاةُ على وقتِهَا، ثم برُّ الوالدينِ”. متفقٌ عليهِ.

وخُصَّتْ منْ بينِ سائرِ العباداتِ بفرضيَتِها في السماءِ، فلمْ ينزلْ بهَا مَلَكٌ إلى الأرضِ، بل كلَّمَ اللهُ نبيَنَا محمدًا ﷺبفرضيَتِهَا منْ غيرِ واسطةٍ؛ قالَ -عليهِ الصلاةُ والسلامُ-: “ثمَّ ذَهَبَ بي إلى سدرةِ المنتهى، فأَوْحَى اللهُ إليَّ ما أوحَى، ففرضَ عليَّ خمسينَ صلاةً في كلِّ يومٍ وليلةٍ”. متفقٌ عليهِ.

عَظُمَتْ منزلتُها فَفُرِضَتْ خمسينَ صلاةً، ثمَّ خُفِّفَتْ إلى خمسٍ في العددِ وبَقِيَتْ خمسينَ في الثوابِ، خيرُ عونٍ على أمورِ الدنيا والدينِ؛ تُجَمِّلُ المرءَ بمكارمِ الأخلاقِ وتنهاهُ عنِ الْفحشاءِ والمنكراتِ، ماحيةٌ للخطايا مكفرةٌ للسيئاتِ، شَبَّهَهَا النبيُّ ﷺبالنهرِ الجاري المزيلِ للأدرانِ، تحفظُ العبدَ منَ الشرورِ ومهالكِ الرَّدَى، قالَ ﷺ: “مَنْ صلَّى الصبحَ فهوَ في ذمةِ اللهِ حتى يُمْسِي” رواهُ مسلمٌ.

وصفَهَا النبيُّ ﷺبأنَّهَا نورٌ: فقالَ: “والصلاةُ نورٌ”. رواهُ مسلمٌ.وهيَ منْ مُوجِبَاتِ دخولِ الجنةِ والرفعةِ فيهَا؛ سألَ ثوبانُ tالنبيَّ ﷺ: فقالَ: أخبرني بعملٍ أعملُهُ يدخلُنِي اللهُ به الجنةَ، أو قالَ: بأحبِّ الأعمالِ إلى اللهِ، قال: “عليكَ بكثرةِ السجودِ للهِ؛ فإنَّكَ لا تسجدُ للهِ سجدةً إلا رفعَكَ اللهُ بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً” رواه مسلم.

كانت قرةَ عينِ النبيِّ ﷺوجعلَهَا آخرَ وصيَّتِهِ في حياتِهِ لأمتِهِ؛ قالَ أنسٌ : كانَ عامةُ وصيةِ النبيِّ ﷺحينَ حضرَهُ الموتُ: “الصلاةَ وما ملكتْ أيمانُكُمْ”. متفقٌ عليهِ.

فضائِلُهَا جمةٌ، ومنافعُهَا متعددةٌ: قالَ عنهَا -عليهِ الصلاةُ والسلامُ-: “لو يعلمونَ مَا فيهِمَا لأَتَوْهُمَا ولو حَبْوًا”؛ أيْ زحفًا على الأيدِي والرُّكَبِ”. متفقٌ عليهِ.

وشُهُودُهَا أَمَارَةٌ على الإيمانِ، قالَ -جلَّ شأنُهُ-: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ﴾التوبة: 18، وكانَ الصَّحَابةُ يُؤَدُّونَها جماعةً -ولو معَ المشقةِ- قالَ ابنُ مسعودٍ t: لقدْ رأيتُ الرجلَ يُؤْتَى بِهِ يُهادَى بينَ الرجلينِ حتَّى يُقَامَ في الصفِ.

أقول ما سمعتم، وَاسْتَغْفِرُ اللهَ لِي، وَلَكُمْ، وَلِسَائِرِ المُسْلِمينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

  الخطبة الثانية:

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهِ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ.

أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ وَتَزَوَّدُوا مِنَ النَّوافِلِوَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا يُحبِبْكُمُ اللهُ، ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾الحديد:28.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: دِيننا يَعْتَنِي بِجَانِبِ الْقِيَمِ الْجَمِيلَةِ والْآدَابِ السَّامِيَةِ النَّبِيلَةِ، وَمِنْ هَذِهِ الْقِيَمِ الْجَمِيلَةِ والْآدَابِ السَّامِيَةِ النَّبِيلَةِ احْتِرَامُ بُيُوتِ اللهِ وَتَوْقِيرُهَا؛ بِالتَّجَمُّلِ لَهَا بِلُبْسِ الْمَلاَبِسِ النَّظِيفَةِ، وَالتَّطَيُّبِ، وَاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوازِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾الأعراف: 31.قال ابن كثير: يُسْتَحَبُّ التَّجَمُّلُ عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَلَا سِيَّمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْعِيدِ، وَالطِّيبُ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ، وَالسِّوَاكُ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ ذَلِكَ”.

وقَالَ ﷺ: «إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثوْبَيْهِ، فَإنَّ اللهَ أَحَقُّ مَن تُزُيِّنَ لَهُ»  السلسلة الصحيحة.قال أبن عمر: (فَاَللَّهُ أَحَقُّ مَنْ يُتَجَمَّلُ لَهُ) مجموع الفتاوى 22.

فَكَمَا تَسْتَحِي مِنَ اَلنَّاسِ فَاَللَّهُ أَحَقُ أَنَّ يُسْتَحَىَ مِنْهُ، فَلَيْسَ مِنَ أَدَبِ الْإِسْلَامِ ارْتِدَاءُ مَلاَبِسِتَحْمِلُ عِبَارَاتٍ أَوْ صُوَرًا أَوْ أَشْكَالاً لَا تَلِيقُ لِبُيُوتِ اللهِ.

 وَمِنَ الْقِيَمِ الْجَمِيلَةِ والْآدَابِ السَّامِيَةِ النَّبِيلَةِ تِجَاهَ بُيُوتِ اللهِ:تَجَنُّبُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ، وَمِنْهَا: الثُّومُ وَالْبَصَلُ؛ فَإِنَّهُمَا أَذِيَّةٌ لِلْمُصَلِّي وَالْملاَئِكَةِ؛ قَالَ ﷺ:

«مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْـمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يتأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» رواه مسلم.

فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – وَاحْتَسِبُوا الأَجْرَ بِحُسْنِ الأَدَبِ فِي بُيُوتِ اللهِ؛ رِضًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمُرَاعَاةً لِمَشَاعِرِ إِخْوَانِكُمُ الْمُصَلِّينَ.

عِبَادَ اللهِ: اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْأَمِينِ، فَقَالَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيْلِ:

﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا﴾.

اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ قَضَوا بِالْحَقِّ وَبِهِ كَانُوا يَعْدِلُونَ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الْآلِ وَالصَّحَابةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَدِمْ الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ فِي بِلَادِنَا وَبِلَادِ الْـمُسْلِمِينَ، وَاصْرِفْ عَنَّا وَعَنْهُمْ كُلَّ شَرٍّ وَبَلَاءٍ، وَاكْفِنَا وَإِيَّاهُمْ سَائِرَ الْأَهْوَاءِ وَالْأَدْوَاءِ.

عباد الله:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾النحل: 90 – 91.

فَاذْكُرُوا اَللَّهَ اَلْعَظِيمَ اَلْجَلِيلَ يَذْكُرُكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلِذِكْرُ اَللَّهِ أَكْبَرُ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

286

وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ

قسم المشاريع

16/02/1448هـ  الموافق 31/07/2026م

الأمانة العامة

 

 

الموضوع:  “﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾”

الْحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ؛ هَدَانَا لِلْإِيمَانِ، وَعَلَّمَنَا الْقُرْآنَ، وَاخْتَارَنَا مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ عَزَّ جَارُهُ، وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، -سُبْحَانَهُ- وَبِحَمْدِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ -تَعَالَى- حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ، وَاسْتَقِيمُوا عَلَى أَمْرِهِ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ؛ فَإِنَّكُمْ مُلَاقُوهُ، وَعَلَى أَعْمَالِكُمْ مُحَاسَبُونَ؛ ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: 8-9].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: كُلُّ ذَاتٍ لَهَا اسْمٌ وَوَصْفٌ، وَكُلُّ حَيٍّ لَهُ إِرَادَةٌ وَفِعْلٌ، وَالْمَعْدُومُ هُوَ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ وَلَا وَصْفَ وَلَا إِرَادَةَ وَلَا فِعْلَ. وَرَبُّنَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَلَهُ مِنَ الْأَوْصَافِ مَا يَلِيقُ بِهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَأَفْعَالُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- دَائِرَةٌ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.

وَمِنَ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ -تَعَالَى- بِالدُّعَاءِ: التَّوَسُّلُ إِلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ -سُبْحَانَهُ-؛ كَقَوْلِ الدَّاعِي: اللَّهُمَّ يَا رَحِيمُ ارْحَمْنِي، وَيَا غَنِيُّ أَغْنِنِي، وَيَا حَفِيظُ احْفَظْنِي. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تُشْتَقُّ أَوْصَافُهُ؛ فَمِنِ اسْمِهِ الرَّحِيمِ وُصِفَ بِالرَّحْمَةِ، وَمِنِ اسْمِهِ الْغَنِيِّ وُصِفَ بِالْغِنَى، وَمِنِ اسْمِهِ الْقَدِيرِ وُصِفَ بِالْقُدْرَةِ.

 

وَفِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ذِكْرٌ كَثِيرٌ لِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ -سُبْحَانَهُ-، وَبَيَانُ أَنَّ أَسْمَاءَهُ -سُبْحَانَهُ- حُسْنَى؛ كَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾  [الْإِسْرَاءِ: 110]،  وَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: 8]، وَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الْحَشْرِ: 24].

وَمِنْ أَعْظَمِ الضَّلَالِ، وَأَشَدِّ الِانْحِرَافِ؛ الْإِلْحَادُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَالْمُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ مُتَوَعَّدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: 180].

وَمِنَ الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ -تَعَالَى-: إِنْكَارُ شَيْءٍ ثَابِتٍ مِنْهَا؛ كَمَا أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ؛ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الْفُرْقَانِ: 60]، مَعَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ هَذَا الِاسْمَ لِلَّهِ -تَعَالَى- كَمَا حَكَى اللَّهُ -تَعَالَى- عَنْهُمْ: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: 20]، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مَرْيَمَ: 88]، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غُلَاةُ الْمُبْتَدِعَةِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ فَأَنْكَرُوا أَسْمَاءَ اللَّهِ -تَعَالَى-.

 

وَمِنَ الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ -تَعَالَى-: إِنْكَارُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَسْمَاؤُهُ -سُبْحَانَهُ- مِنْ صِفَاتِهِ؛ كَمَا دَلَّ اسْمُهُ الْحَيُّ عَلَى كَمَالِ حَيَاتِهِ، وَاسْمُهُ الْعَلِيمُ عَلَى عِلْمِهِ -سُبْحَانَهُ- بِكُلِّ شَيْءٍ، وَاسْمُهُ السَّمِيعُ عَلَى سَمْعِهِ كُلَّ صَوْتٍ، وَالْمُبْتَدِعَةُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: سَمِيعٌ بِلَا سَمْعٍ، وَبَصِيرٌ بِلَا بَصَرٍ، -تَعَالَى- اللَّهُ عَنْ إِفْكِهِمْ وَضَلَالِهِمْ.

وَمِنَ الْمُبْتَدِعَةِ الضُّلَّالِ مَنْ يَتَأَوَّلُ صِفَاتِ اللَّهِ -تَعَالَى-؛ كَتَأْوِيلِ الْيَدِ بِالْقُدْرَةِ أَوِ النِّعْمَةِ فِي قَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الْمَائِدَةِ: 64]، وَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، أَوْ تَأْوِيلِ الْمَجِيءِ بِمَجِيءِ أَمْرِهِ فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الْفَجْرِ: 22]، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلَاتِهِمُ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يُرِيدُونَ بِهَا نَفْيَ صِفَاتِ الْجَبَّارِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.

 

وَمِنَ الْمُبْتَدِعَةِ الضُّلَّالِ مَنْ يُفَوِّضُ مَعَانِيَ صِفَاتِ اللَّهِ -تَعَالَى-؛ فَيَقُولُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ -سُبْحَانَهُ- بِهَا، فَإِذَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الْحَجِّ: 75]، فَوَّضَ مَعْنَاهَا لِلَّهِ -تَعَالَى-؛ فَجَعَلَ آيَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَصِفَاتِهِ غَامِضَةً لَا تُعْلَمُ؛ لِيَفِرَّ بِذَلِكَ مِنْ إِثْبَاتِ صِفَاتِ الرَّبِّ -سُبْحَانَهُ-، وَهَذَا مِنَ الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَصِفَاتِهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ -تَعَالَى- مِنَ الضَّلَالِ.

 

وَمِنَ الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ -تَعَالَى-: أَنْ يَجْعَلَ أَسْمَاءَ اللَّهِ -تَعَالَى- دَالَّةً عَلَى صِفَاتٍ تُمَاثِلُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ؛ كَمَنْ يَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ -تَعَالَى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الْحَجِّ: 75]، فَيَقُولُ: لَهُ سَمْعٌ كَسَمْعِي، وَبَصَرٌ كَبَصَرِي، وَاللَّهُ -تَعَالَى- نَفَى أَنْ يُمَاثِلَهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: 11]. وَالَّذِينَ تَأَوَّلُوا صِفَاتَ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَحَرَّفُوا مَعَانِيَهَا؛ وَقَعُوا فِي التَّمْثِيلِ قَبْلَ التَّحْرِيفِ وَالتَّعْطِيلِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا زَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ صِفَاتِ اللَّهِ -تَعَالَى- يُؤَدِّي إِلَى تَشْبِيهِهِ بِخَلْقِهِ عَطَّلُوهُ -سُبْحَانَهُ- عَنْ صِفَاتِهِ، وَحَرَّفُوا مَعَانِيَ آيَاتِهِ، وَضَلُّوا وَأَضَلُّوا مَنْ تَبِعَهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ. قَالَ الْإِمَامُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: “مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَنْكَرَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَيْسَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا رَسُولُهُ تَشْبِيهًا”.

 

وَمِنَ الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ -تَعَالَى-: أَنْ تُسَمَّى بِهَا الْمَعْبُودَاتُ مِنْ دُونِ اللَّهِ -تَعَالَى-؛ كَمَا فَعَلَ الْمُشْرِكُونَ حِينَ اشْتَقُّوا اللَّاتَ مِنَ الْإِلَهِ، وَاشْتَقُّوا الْعُزَّى مِنَ الْعَزِيزِ، وَاشْتَقُّوا مَنَاةَ مِنَ الْمَنَّانِ؛ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النَّجْمِ: 19-23].

 

نَعُوذُ بِاللَّهِ -تَعَالَى- مِنَ الضَّلَالِ، وَنَسْأَلُهُ الثَّبَاتَ عَلَى الْحَقِّ إِلَى الْمَمَاتِ.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ…

 

 

  

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 131-132].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: أَمَرَ اللَّهُ -تَعَالَى- بِتَرْكِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الْأَعْرَافِ: 180]؛ “أَيِ: اتْرُكُوا الَّذِينَ يَمِيلُونَ عَنِ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ بِجَعْلِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ -تَعَالَى-، أَوْ نَفْيِهَا عَنْهُ، أَوْ تَحْرِيفِ مَعْنَاهَا، أَوْ تَشْبِيهِ غَيْرِهِ بِهَا”. وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْكَ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِمْ، وَمُفَارَقَةَ دُرُوسِهِمْ وَإِذَاعَاتِهِمْ وَقَنَوَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يُلَبِّسُونَ عَلَى النَّاسِ دِينَهُمْ، وَيُفْسِدُونَ عَقَائِدَهُمْ فِي اللَّهِ -تَعَالَى-، وَيُصَوِّرُونَ لَهُمْ رَبًّا هُوَ إِلَى الْعَدَمِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْوُجُودِ؛ فَيَنْفُونَ عَنْهُ صِفَاتِهِ الْعُلَى، وَيُحَرِّفُونَ مَعَانِيَ نُصُوصِهَا؛ فَيَقُولُونَ: اللَّهُ بِلَا مَكَانٍ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، فَيَنْفُونَ عُلُوَّ اللَّهِ -تَعَالَى- عَلَى خَلْقِهِ، وَاسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ.

 

وَيَنْفُونَ صِفَةَ الْكَلَامِ عَنِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- يَقُولُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: 164]، وَيَقُولُونَ: خَلَقَ كَلَامَهُ فِي شَجَرَةِ وَادِي الطُّورِ فَتَكَلَّمَتِ الشَّجَرَةُ؛ فَهَلِ الشَّجَرَةُ هِيَ الَّتِي قَالَتْ لِمُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 13-14]، -تَعَالَى- اللَّهُ عَنْ إِفْكِهِمْ.

إِنَّهُمْ يَنْشَطُونَ فِي الْقَنَوَاتِ الْفَضَائِيَّةِ، وَفِي الْمَوَاقِعِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ لِنَشْرِ ضَلَالِهِمْ بِشُبُهَاتٍ تَنْطَلِي عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعَوَامِّ، زَاعِمِينَ تَنْزِيهَ اللَّهِ -تَعَالَى- عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ -سُبْحَانَهُ-، وَهُمْ يُجَرِّدُونَهُ مِنْ صِفَاتِهِ، وَيُحَرِّفُونَ كَلَامَهُ، وَيُضِلُّونَ عِبَادَهُ؛ لِأَجْلِ مُوَافَقَةِ فَلْسَفَاتِ أَرِسْطُو وَمَنْ تَبِعَهُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَزَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللَّهَ -تَعَالَى- بِعُقُولِهِمْ لَا بِوَحْيِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-، فَإِذَا عَارَضَ الْوَحْيُ مَا اسْتَقَرَّ فِي عُقُولِهِمْ مِنَ الْفَلْسَفَةِ وَعِلْمِ الْكَلَامِ حَرَّفُوا نُصُوصَ الْوَحْيِ لِتُوَافِقَ عُقُولَهُمُ الضَّالَّةَ، وَهَذَا فِكْرٌ خَبِيثٌ نَشَأَ فِي الْأُمَّةِ بَعْدَ تَرْجَمَةِ كُتُبِ الْيُونَانِ، وَرَدَّهُ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: “حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ، وَيُقَالَ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَخَذَ فِي الْكَلَامِ”، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: “أَجْمَعَ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْآثَارِ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْصَارِ أَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ أَهْلُ بِدَعٍ وَزَيْغٍ”.

أَسْأَلُ اللهَ -جَلَّ وَعَلاَ- أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْنَا دِينَنَا وَأَمْنَنَا وَاجْتِمَاعَ كَلِمَتِنَا، وَوَحْدَةَ صَفِّنَا، وَعُلَمَاءَنَا، وَوُلاَةَ أَمْرِنَا، وَأَنْ يَحْفَظَ شَبَابَنَا وَفَتَيَاتِنَا، وَأَنْ يَهْدِيَهُمْ إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنا لِمَا وَفَّقتَ إِلَيهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ لَنَا أَوْقَاتَنَا وَبَارِكْ لَنَا فِيهَا وَأَعِنَّا عَلَى اسْتِغْلالِهَا، اَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ،

اللهُمَّ أعطنا ولا تحرمنا اللهُمَّ أكرمنا ولا تُهنا اللهُمَّ أَعِنَّا وَلا تُعِنْ عَليْنَا اللهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْنَا، اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَمَوْتَ الشُّهَدَاءِ، وَالحَشْرَ مَعَ الأَتْقِيَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الأَنْبِيَاءِ.

اللَّهُمَّ إِنَا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْغَلَاَءِ وَالرِّبَا والزِّنا، وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَسُوءِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ اغفرْ لنا ولآبائِنا وأمهاتِنا، وأحيائِنا وأمواتِنا، اللهُمَّ تبْ علينا وارحمنا إنك أنت التوَّابُ الرحيم.

اللَّهُمَّ أَعَزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ وَدَمِّرْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ فِي نَفْسِهِ وَرُدَّ كَيْدَهُ إِلَى نَحْرِهِ، وَاجْعَلُهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ،

 الَّلهُمَّ اِحْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنَ الفِتَنِ، وَالمِحَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي دُورِنَا، وَأَصْلِحَ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاِجْعَلْ وَلَايَتَناَ فِي مَنْ خَافَكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالْحَمْدِ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ.

WhatsApp Image 2026-07-23 at 05.47.53مشاركة أمين عام اتحاد علماء إفريقيا وأعضاء من دولة المقر في فعاليات الحفل الختامي للمسابقة الوطنية لحفظ القرآن الكريم في مالي لعام 1448هـ / 2026م
شارك الدكتور سعيد محمدبابا سيلا الأمين العام لاتحاد علماء إفريقيا وكثير من الأعضاء في الحفل الختامي للمسابقة الوطنية لحفظ القرآن الكريم في مالي يوم السبت الماضي 11 صفر 1448هـ الموافق 25 يوليو 2026م في المركز الدولي للمؤتمرات ببماكو (CICB)
التي نظمتها وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية بالتعاون مع المزيد…

مشاركة أمين عام اتحاد علماء إفريقيا وأعضاء من دولة المقر في فعاليات الحفل الختامي للمسابقة الوطنية لحفظ القرآن الكريم في مالي لعام 1448هـ / 2026م

شارك الدكتور سعيد محمدبابا سيلا الأمين العام لاتحاد علماء إفريقيا وكثير من الأعضاء في الحفل الختامي للمسابقة الوطنية لحفظ القرآن الكريم في مالي يوم السبت الماضي 11 صفر 1448هـ الموافق 25 يوليو 2026م في المركز الدولي للمؤتمرات ببماكو (CICB)
التي نظمتها وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية بالتعاون مع المجلس الأعلى الإسلامي في مالي تحت رعاية وزارة الشؤون الدينة والعبادة والعادات في مالي

وقد جرت أعمال المسابقة ما بين 8 إلى 10 صفر 1448هـ الموافق 22 إلى 24 يوليو 2026م بمسجد الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ في بماكو حمد الله ACI 2000
تحت شعار: القرآن الكريم .. منهج حياة ونور هداية.

وقد شارك المتسابقون في الأجزاء المختلفة حسب اختيارهم بناء على التقسيمات التي وضعها المنظمون للمسابقة:
كامل القرآن الكريم 
عشرة أجزاء
خمسة أجزاء
جزءان .

ومن المشاركين إلى جانب الأمين العام من أعضاء الاتحاد:
الشيخ إبراهيم كونتاو مساعد الأمين العام في الشؤون المالية والمدير العام لمنظمة الفاروق في مالي
الدكتور محمد البشير سيلا مساعد الأمين العام للشؤون الإعلامية والعلاقات العامة
الدكتور إبراهيم جابي عضو لجنة الحوار والمساعي الحميدة
الدكتور عثمان صالح تراورى مقرر لجنة الإعلام والعلاقات
الدكتور محمد سنكري عضو لجنة التخطيط والمراقبة
الدكتور محمود كوما مقرر اللجنةالمحلية
الدكتور هود كوني نائب مقرر اللجنة المحلية
الدكتور إبراهيم كيبي عضو الاتحاد
وآخرون من الأعضاء

كما شارك في الحفل سفير المملكة العربية السعودية لدى جمھورية مالي وجماهير كثيرة من الأئمة والعلماء ومدراء مراكز تحفيظ القرآن الكريم ومدرسيھم، وكذلك المدارس العربية الإسلامية وجمع غفير من الأولياء والطلبة والطالبات وغيرھم. واختتمت الحفل بتوزيع شھادات تقدير وجوائز على المتفوقين. نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويجعل كلمته ھي العليا.

مع خالص الشكر والتقدير مكتب الأمانة العامة / قسم الإعلام والمعلوماتية
https://t.me/africanulama

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

285

بادِروا بالأَعْمالِ سَبْعًا

قسم المشاريع

09/02/1448هـ  الموافق 24/07/2026م

الأمانة العامة

 

 

الموضوع:  “بادِروا بالأَعْمالِ سَبْعًا”

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

﴿يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلنَّاسُ ‌ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].

 

أَمَّا بَعْدُ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بادِرُوا بِالْأَعْمالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ، فَشَرٌّ غائِبٌ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةُ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» [رواهُ الترمذي وَقالَ: حديثٌ حسنٌ، ومجموع فتاوى ابن باز 336/16، إسناده حسن].

‎ قَوْلُهُ ﷺ: «بادِرُوا بِالْأَعْمالِ سَبْعًا»: الْمُبادَرَةُ هِيَ المسابَقَةُ وَالمسارَعَةُ فِي الْأَعْمالِ؛ أَيْ: سارِعُوا وَسابِقُوا فِي الْأَعْمالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ يَشْغَلَكُمْ شاغِلٌ، وَيَحُولُ حائِلٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَمَلِ الصَّالِحاتِ.

‎فَنَبِيُّنا ﷺ ما تَرَكَ مِنْ خَيْرٍ إِلَّا دَلَّنا عَلَيْهِ وَما تَرَكَ مِنْ شَرٍّ إِلَّا نَهانا عَنْهُ، وَفِي هَذا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ يُرْشِدُنا إِلَى عَدَمِ الرُّكُونِ وَالتَّسْوِيفِ وَالتَّأْجِيلِ، خاصَّةً فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، فَالْمُوَفَّقُ هُوَ الَّذِي يُبادِرُ وَيُسارِعُ وَيَجْتَهِدُ قَبْلَ أَنْ تَمْنَعَهُ الْمَوانِعُ.

‎وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَماءِ أَنَّ هَذا الْحَدِيثَ فِي سِياقِ التَّوْبِيخِ لِلْمُقَصِّرِينَ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَقْتَ عافِيَتِهِمْ وَفَراغِهِمْ مِنَ الشَّواغِلِ؛ أَيْ: إِنْ لَمْ تَعْبُدُوا رَبَّكُمْ فِي حالِ الْعافِيَةِ وَقِلَّةِ المشاغِلِ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهُ إِذَا كَثُرَتْ مَشاغِلُكُمْ وَضَعُفَتْ قُواكُمْ؟!

‎وَقَوْلُهُ ﷺ: «هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا»؛ أَيْ: إِنَّ الْفَقْرَ يُنْسِي صاحِبَهُ الطَّاعَةَ وَذِكْرَ اللهِ تَعالَى، لِانْشِغالِ الْفَقِيرِ بِطَلَبِ الْقُوتِ وَرِزْقِ الْعِيالِ، فَمِنْ طَبِيعَةِ الْإِنْسانِ أَنَّهُ إِذَا ابْتُلِيَ بِفَقْرٍ شَدِيدٍ، فَقَدْ يُنْسِيهِ هَذا الْفَقْرُ الْعَمَلَ لِلْآخِرَةِ.

‎وَقَوْلُهُ ﷺ: ‏«أَوْ غِنًى مُطْغِيًا»؛ قَدْ يَكُونُ الْغِنَى سَبَبًا لِلطُّغْيانِ وَالْفَسادِ، فَقَدْ يَسْتَغْنِي الْمَرْءُ بِغِناهُ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلا، فَيُقَصِّرُ فِي أَداءِ الْواجِباتِ، وَيَتَساهَلُ فِي المحَرَّماتِ، إِلَّا مَنْ عَصِمَهُ رَبُّ الْبَرِيَّاتِ، وَما ذاكَ إِلَّا لِسُهُولَةِ ما حَوْلَهُ مِنْ مَلَذَّاتِ الدُّنْيا وَشَهَواتِها؛ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6، 7].

‎وَقَوْلُهُ ﷺ: «أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا»؛ أَداءُ الْعِباداتِ؛ كَالصَّلاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالسَّفَرِ لِلْحَجِّ يَحْتاجُ إِلَى بَدَنٍ يَتَحَمَّلُ أَداءَها، أَمَّا المبْتَلَى بِالمرَضِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مانِعًا مِنْ أَدائِها، نَسْأَلُ اللهَ الْعافِيَةَ لَنا أَجْمَعِينَ، فَانْشِراحُ الصَّدْرِ بِعافِيَةِ الْأَبْدانِ باعِثٌ لِأَداءِ الْعِباداتِ.

‎وَقَوْلُهُ ﷺ: «أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا»؛ أَيْ: يُصِيبُهُ الْخَرَفُ وَالْهَذَيانُ وَخِفَّةٌ فِي الْعَقْلِ لِهِرَمِهِ وَشَيْخُوخَتِهِ، فَيَكْثُرُ خَطَؤُهُ، وَيَقِلُّ تَمْيِيزُهُ وَتَرْكِيزُهُ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: 54].

‎وَقَوْلُهُ ﷺ: «أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا»؛ أَيْ: الموْتُ السَّرِيعُ المفاجِئُ، الَّذِي يَأْتِي بَغْتَةً دُونَ سابِقِ إِنْذارٍ، فَيُجْهِزُ عَلَى حَياةِ الْإِنْسانِ؛ إِمَّا بِحادِثِ سَيْرٍ مُفاجِئٍ، أَوْ جَلْطَةٍ حادَّةٍ؛ نَسْأَلُ اللهَ لُطْفَهُ، فَكَمْ مِنْ إِنْسانٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ وَبَعْدَ ساعاتٍ رَجَعَ مَحْمُولًا عَلَى الْأَكْتافِ.

اغْتَنِمْ فِي الْفَـــــــــرَاغِ فَضْلَ رُكُـــــوعٍ # فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَــــغْتَةْ

كَمْ صَحِيحٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ # ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَةْ

 

فاحْذَرُوا –رَحِمَكُمُ اللهُ- مَوْتَ الْفَجْأَةِ فَقَدْ كَثُرَ فِي زَمانِنا هَذا، وَلَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

‎وَقَوْلُهُ ﷺ: «أَوِ الدَّجَّالَ»؛ أَيْ: خُرُوجُ الدَّجَّالِ، «فَشَرٌّ غائِبٌ يُنْتَظَرُ»، فَفِتْنَةُ الدَّجَّالِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، حَذَّرَ مِنْها نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ أُمَّتَهُ، وَالْأَنْبِياءُ السَّابِقُونَ كُلُّهُمْ حَذَّرُوا أُمَمَهُمْ مِنْها؛ لِحَدِيثِ أَبِي أُمامَةَ الْباهِلِيِّ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالِ: «يا أَيُّها النَّاسُ، إِنَّها لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُنْذُ ذَرَأَ اللهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لم يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ، وَأَنا آخِرُ الْأَنْبِياءِ، وَأَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ، وَهُوَ خارِجٌ فِيكُمْ لا مَحالَةَ، فَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَأَنا حَجِيجٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنْ يَخْرُجْ مِنْ بَعْدِي، فَكُلٌّ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ…» أخرجه أبو داود بسند صحيح. وَلِعِظَمِ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ أَمَرَنا النَّبِيُّ ﷺ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنْهُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، فَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيا وَالْمَماتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المسِيحِ الدَّجَّالِ» رواه مسلم.

‎وَقَوْلُهُ ﷺ: «أَوِ السَّاعَةُ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ»؛ أَيِ: الْقِيامَةُ أَشَدُّ الدَّواهِي وَأَقْطَعُها وَأَصْعَبُها، «وَأَمَرُّ»؛ أَيْ: أَكْثَرُ مَرارَةً مِنْ جَمِيعِ ما يُكابِدُهُ الْإِنْسانُ فِي الدُّنْيا مِنَ الشَّدائِدِ لِمَنْ غَفَلَ عَنْ أَمْرِها، وَلَمْ يَعُدَّ لَها عُدَّتَها بِالطَّاعاتِ وَالْعِباداتِ وَالْقُرُباتِ قَبْلَ حُلُولِها وَقُدُومِها؛ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: 46].

‎وَوَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالَى يَوْمَ الْقِيامَةِ بِوَصْفٍ عَظِيمٍ، فَقالَ اللهُ تَعالَى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 2].

وَالْمُرَادُ -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَعُوقُ عَنِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَتَحُولُ بَيْنَ الْإِنْسانِ وَبَيْنَها، وَمَتَى حِيلَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْعَمَلِ لَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا الْحَسْرَةُ وَالْأَسَفُ، وَيَتَمَنَّى الرُّجُوعَ إِلَى سابِقِ صِحَّتِهِ وَفَراغِهِ، فَلَا تَنْفَعُهُ الْأُمْنِيَّاتُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَة وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤ – ٥٥].

نَسْأَلُ اللهَ تَعالَى لُطْفَهُ وَرَحْمَتَهُ وَعَفْوَهُ وَجَنَّتَهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ ما ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ، بارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِما فِيهِ مِنَ الْآياتِ وَالْعِظاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالمينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى الرَّسُولِ الْكَرِيمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الَّذِي عَلَّمَ أُمَّتَهُ كُلَّ خَيْرٍ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ كُلِّ شَرٍّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ -أَيُّها المؤْمِنُونَ- وَاعْلَمُوا أَنَّ التَّقْوَى هِيَ زَادُكُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيا لِلدَّارِ الْآخِرَةِ، فَاحْرِصُوا عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبادَةِ، وَاخْتِمُوا أَعْمالَكُمْ بِالصَّالِحاتِ لِتَفُوزُوا يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ y  قَالَ: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ، فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

 

إِنَّــــــــــا لَنَفْــــــــــــــرَحُ بِالْأَيَّـــــــــــامِ نَقْــــطَعُــهَا # وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الْأَجَلِ

فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ مُجْتَهِدًا # فَإِنَّمَا الرِّبْـــحُ وَالْخُسْرَانُ فِي الْعَمَلِ

ثم اِعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ.

عِبَادَ اللهِ: اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْأَمِينِ، فَقَالَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيْلِ:

﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا﴾.

اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ قَضَوا بِالْحَقِّ وَبِهِ كَانُوا يَعْدِلُونَ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الْآلِ وَالصَّحَابةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: 90 – 91].

فَاذْكُرُوا اَللَّهَ اَلْعَظِيمَ اَلْجَلِيلَ يَذْكُرُكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلِذِكْرُ اَللَّهِ أَكْبَرُ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

 

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

284

التَّوحيد وأهميته في حياة المسلم

قسم المشاريع

03/02/1448هـ  الموافق 17/07/2026م

الأمانة العامة

 

 

الموضوع:  “التَّوحيد وأهميته في حياة المسلم”

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.

 أَمَّا بَعْدُ:

تَفرَّدَ الله بالوحَدَانِيةِ ونَزَّه نَفسَهُ -سبحانه- عَنِ الشَّرِيكِ والمَثيلِ والنَّظيَر، وأمَرَ عِباَدَه أنْ يَعْبُدُوهْ وحَدَهُ ونوَّع لَهُمْ العِبَادَاتْ، وجَعَلَ إفِرادَهُ بالعِبَادةِ أَصَلَ الَديَن وأسَاسُه وأوَّلَ أركَانَه، فخَلقَهُم لِغَايَةٍ عَظِيمَةٍ وَحِكْمَةٍ سَامِيَةٍ؛ أَلَا وَهِيَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يُفْرِدُوهُ بِالْعِبَادَةِ كَمَا أَفْرَدُوهُ بِالخَلْقِ وَالإِيجَادِ، فَلَا يَكْفِي أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ: أَنَّهُ لَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ إِلَّا اللهُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، فَالدُّعَاءُ وَالتَّوَكُّلُ وَالذَّبْحُ وَالنَّذْرُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَكُلُّ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ، وَلَا مَثِيلَ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ الذاريات:56 -58.

 

وَتَوْحِيدُ اللهِ هُوَ أَوْجَبُ الْوَاجِبَاتِ وَأَهَمُّ الْمُهِمَّاتِ، فَهُوَ حَقُّ اللهِ الْأَعْظَمُ عَلَى عِبَادِهِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ t قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللّهِ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ. قَالَ: فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟« قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا« رواه الشيخان.

وَالتَّوْحِيدُ هُوَ وَصِيَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْـعُودٍ t: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ، فَلْيَقْرَأْ: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْـًٔا﴾ الأنعام: 151.  

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ عَقِيدَةَ التَّوْحِيدِ هِيَ أَسَاسُ الْإِسْلَامِ وركُنُ الدِّينِ، وَهِيَ رَساَلةُ الرُّسُلَ، وَما أُنْزَلَ  من الْكُتُبَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، وَلَقَدْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمُ الدُّعَاةُ الْمُصْلِحُونَ مِنْ عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَكَانُوا يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَيُبَيِّنُونَهُ لِلنَّاسِ، وَيُوَضِّحُونَهُ، وَيَدَرِّسُونَ النَّاسَ هَذَا التَّوْحِيدَ؛ لِأَهَمِّيَّتِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا”، فَجَعَلَ الشَّهَادَتَيْنِ هُمَا الرُّكْنَ الْأَوَّلَ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَأَعْظَمُ مَا يُخِلُّ بِالْعَقِيدَةِ الشِّرْكُ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍt  قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ«، فَقُلْتُ: “يَانَبِيَّ اللهِ، آمَّنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟” قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبِعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ شَاءَ«. رواه الترمذي وهو حسن.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِذَا عَلِمْنَا أَهَمِّيَّةَ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ، وَضَرُورَةَ الثَّبَاتِ عَلَيْهِ مِنْ أَدِلَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَكَيْفَ يُحَقِّقُ الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ؟ إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ؛ تَكْرَارَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وِهِيَ قَوْلُنَا: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَذْكَارِ، وَإِذَا كَرَّرَهَا الْمُؤْمِنُ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ مَائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ، حَتَّى يَعْتَادَ عَلَيْهَا اللِّسَانُ، فَإِنَّ لَهَا أَثَرًا إِيْمَانِيًّا كَبِيرًا عَلَى الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَمَنِ اعْتَادَ عَلَى هَذَا الذِّكْرِ فَإِنَّهُ حَرِيٌّ بِهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ آخِرَ كَلَامِهِ مِنَ الدُّنْيَا، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا جَمِيعًا تِلْكَ الْخَاتِمَةَ الْحَسَنَةَ، فَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) دَخَلَ الْجَنَّةَ« رواه أبو داود وحسنه اﻷلباني.

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ لَكَ، وَقِنَا شُرُورَ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا وَشَرَّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ أَعْمَالَنَا وَأَعْمَارَنَا.

أَقُولُ قَوْلِيْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِيْ وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الـمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَسْعَدَ بِالتَّوْفِيقِ مَنْ وَحَّدَهُ وَأَطَاعَهُ وَاتَّقَاهُ، وَقَضَى بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ عَلَى مَنْ أَشْرَكَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَعَصَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى مَا اسْتَطَعْتُمْ، فِي السِّرِّ وَالْعَلَن، وَاخَشْوهُ فِي الرِّضَى وَالغَضَب، وَأَدُّوا حَقَّ اللهِ عَلَيْكُمْ يُؤْتِكُمْ مَا وَعَدَكُمْ.

 

عباد الله: مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ؛ طَلَبُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى أَيْدِي الْعُلَمَاءِ الْمَعْرُوفِينَ الثِّقَاةِ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْعِلْمِ الرَّاسِخِ وَالْوَرَعِ الصّادِقِ وَالْعَمَلِ الْمُطَابِقِ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنْ أَجَلِّ عُلُومِ الشِّرِيعَةِ عِلْمُ الِاعْتِقَادِ وَالتَّوْحِيدِ، وَمَعْرِفَتُهُ بِأَنْوَاعِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَنَوَاقِضِهِ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ الْعِنَايَةُ بِهَا.

وَمِنْ أَسْبَابِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهِ اللُّجُوءُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بِالدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالُ إِلَيْهِ بِأَنْ يَرْزُقَنَا الْهِدَايَةَ وَيُثَبِّتَنَا عَلَيْهَا، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ« رواه الترمذي وابن ماجة.

إِخْوَةَ الْإِسْلام: التَّوْحِيدُ فَضْلُهُ عَظِيمٌ، وَأَجْرُهُ كَبِيرٌ؛ وهُوَ سَبِيلُ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ الجَحِيمِ، وَالقَائِدُ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ؛ فعَنْ جَابِرٍ t  قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فالتَّوْحِيدِ مُكَفِّرٌ لِلذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا؛ واعَلمَوا أن الله لَا يَقْبَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَكَانَ صَوَابًا عَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ، قَالَ ﷺ : “مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ”، “مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ”، أَيْ: مَرْدُودٌ عَلَيْهِ لَا يَقْبَلُهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَاللهُ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، وَصَوَابًا عَلَى سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ خَالِيًا مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ.

فَاللَّهَ اللهَ -عِبَادَ اللهِ- بِالاِهْتِمَامِ بِالتَّوْحِيدِ وَتَعَلُّمِهِ، وَمُوَالَاةِ أَهْلِهِ وَجُنْدِهِ، جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْهُمْ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ بِكَ وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

عِبَادَ اللَّهِ: صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّحْمَةِ الْـمُهْدَاةِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَدْ أَمَرَنَا بِذَلِكَ رَبُّنَا، فَقَالَ جَلَّ وعَلَا:

﴿إِنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: 56.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلَامَ وَالمسْلِمينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمشْرِكِيْنَ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّيْنِ، وَأَصْلِحْ أَحْوَالَنَا وَأَحْوَالَ المسْلِمينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

عِبَادَ اللهِ:  ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النحل: 90.

فَاذْكُرُوا اللهَ العَلِيَّ الجَلِيْلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ عَلَى آلَائِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ.

 

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

283

بَعْض الدُّرُوس وَالعِبَر مَن هِجْرَة سَيِّد الْبَشَر

قسم المشاريع

24/01/1448هـ  الموافق: 10/07/2026م

الأمانة العامة

 

الموضوع:  “بَعْض الدُّرُوس وَالعِبَر مَن هِجْرَة سَيِّد الْبَشَر”

حَمْدًا لَك اللَّهُمّ، أَنْت المَلِكُ القدوسُ السلامُ، تُجري اللياليَ والأيامَ، وتُجدِّد الشهورَ وَالْأَعْوَام، أَحْمَد رَبِّي تَعَالَى وأشكُره عَلَى مَا هَدَانَا للإسلامِ، وَأَشْهِد أن لا إلَه إلَّا اللَّه وَحَدَّه لا شَرِيك لَه، وَأَشْهَد أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُ اللَّه وَرَسُوله سيدُ الْأَنَام، وَبَدر التَّمَام، وَمِسْك الْخِتَام، صَلَّى اللَّه وَسُلِّم وبارك عَلَيْه، وَعَلَى آلِه البررةِ الْكِرَام، وَصَحبِه الأئمةِ الْأَعْلَام، والتابعين وَمَن تَبِعَهُم بإحسانٍ مَا تعاقَب النُّور وَالظَّلَام.      

 أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقوا اللهَ عِبَاد اللَّه، فَمَن اتَّقى اللهَ وَقَاهُ وحَفِظهُ ورَعَاهُ، وأَكرَمَ مَنزِلَهُ ومَثواهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فِي بِدَايَةِ كُلِّ عَامٍ هِجرِيٍّ جَدِيدٍ، يَتَذَكَّرُ المُسلِمُ أَوَّلَ يَومٍ وَمَا أَدرَاكُم مَا أَوَّلُ يَومٍ؟! إِنَّهُ اليَومُ المُبَارَكُ الَّذِي وَطِئَت فِيهِ قَدَمُ المُصطَفَى ﷺ أَرضَ طَيبَةَ مُهَاجِرًا، حَيثُ بَدَأَ بِذَلِكَ اليَومِ العَظِيمِ تَأرِيخٌ عَرِيقٌ، هُوَ لِلمُسلِمِينَ لَيسَ مُجَرَّدَ أَيَّامٍ وَشُهُورٍ وَسَنَوَاتٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلامَةٌ لَهُم بَينَ النَّاسِ فَارِقَةٌ، وَشَامَةٌ فِي جَبِينِ الزَّمَانِ وَاضِحَةٌ، وَحَضَارَةٌ عَرِيقَةٌ مُمتَدَّةٌ، تَمَيَّزَت بِهَا أُمَّةُ الإِسلامِ عَن سَائِرِ أُمَمِ الأَرضِ الأُخرَى، الَّتي كَانَت وَمَا زَالَت تُؤَرِّخُ لأَنفُسِهَا بِأَحدَاثٍ مَرَّت بِهَا، أَو بِعَظِيمٍ مِن عُظَمَائِهَا المُؤَثِّرِينَ فِي أَحدَاثِهَا.

 

أَمَّا التَّأرِيخُ الهِجرِيُّ الإِسلامِيُّ فَهُوَ حُكمُ اللهِ الكَونيُّ مُنذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ، وَجَعَلَ عِدَّةَ الشُّهُورِ اثنَي عَشَرَ شَهرًا، قَالَ -جَلَّ وَعَلا-: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثنَا عَشَرَ شَهرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ التوبة 36.

 

لَقَد خُلِقَتِ الأَهِلَّةُ وَحُدِّدَت بِهَا الأَشهُرُ القَمَرِيَّةُ؛ لِتَكُونَ مَعَالِمَ يُوَقِّتُ النَّاسُ بِهَا عِبَادَاتِهِم بِدِقَّةٍ، فَيَعرِفُونَ شَهرَ صَومِهِم، وَيُحَدِّدُونَ مَوسِمَ زَكَاتِهِم وَحَجِّهِم، وَيَضبِطُونَ عِدَدَ نِسَائِهِم، وَيُقَدِّرُونَ مُدَدَ الحَملِ وَالرَّضَاعِ، وَيُسَيِّرُونَ أُمُورَ مَعَاشِهِمُ الأُخرَى مِنَ الدُّيُونِ وَالقُرُوضِ وَغَيرِهَا كَمَا يَنبَغِي. قَالَ -تَعَالى-: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمْهُ﴾ وَقَالَ ﷺ “صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفطِرُوا لِرُؤيَتِهِ” وَقَالَ سُبحَانَهُ-: ﴿الحَجُّ أَشهُرٌ مَعلُومَاتٌ﴾.

وَفي اختِصَاصِهِ -تَعَالى- أُمَّةَ الإِسلامِ بِالتَّوقِيتِ بِالأَهِلَّةِ وَأَشهُرِهَا دُونَ الشَّمسِ وَأَشهُرِهَا؛ إِرَادَةٌ لِليُسرِ بِهِم، حَيثُ شَرَعَ لَهُمُ التَّوقِيتَ بِأَشهُرٍ لا تُكَلِّفُهُم مَعرِفَتُهَا فِي الغَالِبِ كَبِيرَ عَنَاءٍ وَلا طَوِيلَ حِسَابٍ، وَلا يَحتَاجُونَ فِي تَحدِيدِ بَدئِهَا وَانتِهَائِهَا إِلى استِخدَامِ مَرَاصِدَ مُعَقَّدَةٍ أَو مَنَاظِيرَ مُتَقَدِّمَةٍ، وَلَكِنَّهُم يَعرِفُونَهَا بِرُؤيَةِ الهِلالِ فَحَسبُ، وَذَلِكَ لا يَخفَى فِي الغَالِبِ عَلَى أَحدٍ فَحَمْداً لَك رَبَّنَا عَلَى نِعْمَة الإسَلْام دِين السُهُولة واليُسر وَالْوُضُوح .

  

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد أَجمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى التَّأرِيخِ بِهِجرَةِ النَّبيِّ -ﷺ وَعَلَى ابتِدَاءِ السَّنَةِ الهِجرِيَّةِ بِشَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ؛ لأَنَّهُ يَعقُبُ الحَجَّ وَيَأتي بَعدَهُ، وَالحَقُّ أَنَّهُ وَلِعِظَمِ أَمرِ الهِجرَةِ وَأَهمِيَّتِهَا، وَعَظِيمِ مَا فَرَّقَ اللهُ بِهَا بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَلانتِقَالِ الإِسلامِ بِهَا مِن عَهدِ الضَّعفِ إِلى عَهدِ القُوَّةِ، فَقَد جَاءَتِ الإِشَارَةُ فِي القُرآنِ إِلى ابتِدَاءِ التَّأرِيخِ الإِسلامِيِّ بِأَوَّلِ يَومٍ، وَهُوَ يَومُ الهِجرَةِ، فِي قَولِهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ التوبة 108.

إِنَّ التَّأرِيخَ الهِجرِيَّ يُمَثِّلُ لِلمُسلِمِينَ ثَرَاءً ثَقَافِيًّا كَبِيرًا، وَذَاكِرَةً عَظِيمَةً سُجِّلَت فِيهَا كُلُّ حَرَكَةٍ فِي الإِسلامِ مُنذُ أَنِ انطَلَقَت رِسَالَتُهُ الخَالِدَةُ وَتَحَرَّكَ بِهِ المُسلِمُونَ فِي مَسِيرَتِهِمُ العُظمَى، فِي مَعَارِكِهِم وَغَزَوَاتِهِم، وَفُتُوحَاتِهِم وَانتِصَارَاتِهِم، وَدُوَلِهِم وَأَيَّامِهِم، وَقُوَّادِهِم وَعُظَمَائِهِم، وَعُلَمَائِهِم وَعَبَاقِرَتِهِم، وَالمُسلِمُ بِالتَّأرِيخِ الهِجرِيِّ يَستَذكِرُ كُلَّ تَأرِيخِهِ وَلا يَنسَاهُ، وَيَتَمَثَّلُ الشَّخصِيَّةَ الإِسلامِيَّةَ العَظِيمَةَ، وَيَظَلُّ مُستَذكِرًا مَسؤُولِيَّتَهُ عَن صُنعِ تَأرِيخِهِ فِي المُستَقبَلِ، وَلا يَنقَطِعُ عَن مُعتَقَدَاتِهِ وَحَضَارَتِهِ وَمَصَادِرِ عِزَّتِهِ وَقُوَّتِهِ.

 

عِبَاد اللَّه: إنَّ فِي حَدَث الْهِجْرَة الْعَظِيم مَن الْآيَات البيِّنات وَالْآثَار النيِّرات وَالدُّرُوس والعِبَر الْبَالِغَات فَمَن ذَلِك: لَقَد أكَّدت دُرُوس الْهِجْرَة النبويَّة أنَّ عزَّة الأمَّة تَكَمَّن فِي تَحْقِيق كَلِمَة التَّوحيد، وَتَوْحِيد الْكَلِمَة عَلَيْهَا وَهْي الرَّابطة الَّتِي تَتَضَاءَل أَمَامَهَا الانتماءات القوميَّة والتمايزات القَبَلِيَّة والعلاقات الحزبيَّة، وَاسْتِحْقَاق الأمَّة لِلتَبْجِيْل وَالتَّكريم مدينٌ بِوَلَائِهَا لِعَقِيدَتِهَا وَارْتِبَاطَهَا بِمَبَادِئِهَا، وأنَّ أيَّ تفريطٍ فِي أَمْر الْعَقِيدَة أَو تقصيرٍ فِي أخوَّة الدِّين مَآلُه ضَعُف الْأَفْرَاد وتفكُّك الْمُجْتَمِع وَهَزِيمَة الأمَّة، وإنَّ المتأمِّل فِي هزائم الْأُمَم وانتكاسات الشُّعوب عَبَّر التَّارِيخ – يَجِد أنَّ مَرَدَّ ذَلِك إِلَى التَّفْرِيط فِي أَمْر الْعَقِيدَة والتَّساهل فِي جَانِب الثَّوابت المعنويَّة مَهْمَا تقدَّمت الْوَسَائِل الماديَّة، وقوَّة الْإِيمَان تَفْعَل الْأَعَاجِيب، وَتَجْعَل الْمُؤْمِن صادقًا فِي الثِّقة بِاَللَّه وَالِاطْمِئْنَان إلَيْه وَالِاتِّكَال عَلَيْه، لا سيَّما فِي الشَّدائد.

يَنْظُر أَبُو بَكْر الصدِّيق رضيَ اللَّه عَنْه إِلَى مَوَاضِع أَقْدَام الْمُشْرِكِين حَوْل الْغَار فَيَقُول: وَقَد خَاف عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ أن يَصِلُه الْمُشْرِكُون: يَا رَسُول اللَّه، لَو نَظَر أَحَدُهُم إِلَى مَوْضِع قدميه لأبصَرَنَا، فَيُجِيبُه جَوَاب الْوَاثِق بِنَصْر اللَّه: ((يَا أَبَا بَكْر، مَا ظنُّك بِاثْنَيْن اللَّه ثَالِثُهُمَا ؟!)) اللَّه أَكْبَر، مَا هَذِه الثِّقَة الْعَظِيمَة بِاَللَّه وما أَعْظَم لَطَف اللَّه بِعِبَادِه وَنَصْرُه لِأَوْلِيَائِه، وُفِي هَذَا درسٌ بليغٌ لِلْمُسْلِمِين: أَنَّه مَهْمَا احْلَوْلَكَتِ الظُّلمات فَوَعَد اللَّه آتٍ لا مَحَالَة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ سورة محمد 7.

أَقُول مَا سَمِعْتُم وَأَسْتَغْفِر اللَّه لِي وَلِكَم وللمسلمين…

 

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ للهِ وَالصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَى رَسُول اللَّه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.  أَمَّا بَعْدُ:

عِبَاد اللَّه: وَفِي مَوْقِف أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر رضيَ اللَّه عَنْهَا، ورضيَ اللَّه عَن آل أَبِي بَكْر وَأَرْضَاهُم مَا يجلِّي دورَ الْمَرْأَة الْمُسْلِمَة فِي خِدْمَتِهَا لِدِينِهَا وَدَعْوَتِهَا ولوطنها؛ فَأَيْن هَذَا مِمَّن يَزْعُم أنَّ تمسُّك الْمَرْأَة بثوابتها وقِيَمها، واعتزازها بحجابها وعفافِها وَحِشْمَتِهَا – تقييدٌ لحريَّتها وفقدٌ لشخصيَّتها، وَبَئِس مَا زَعَمُوا ؟!

 أَمَّا بَعْدُ:

عِبَاد اللَّه: نتعلَّم مِن الْهِجْرَة أنَّ الشَّبَاب إِذَا نشؤوا مُنْذ الصِّغَر عَلَى تَحْمِل المسؤولية، كانوا أجِلاَّء أَقْوِيَاء، وَهَذَا هُو عَلَيّ بن أَبِي طَالِب – رَضِي اللَّه عَنْه – يَنْشَأ فِي مَدْرَسَة النُّبُوَّة فتًى مَن فِتيَان الإسلام لا يَخَاف إلَّا اللَّه، ولا يَهاب أحدًا سِوَاه، يَقُوْل لَه النَّبِيّ ﷺ لَيْلَة الْهِجْرَة : ((نَمْ عَلَى فِرَاشِي؛ فَإِنَّه لنْ يخلصَ إلَيْك شيءٌ تَكْرهه مِنْهُم))، فقَبِل عليٌّ التَّضْحِيَة فداءً لِرَسُول اللَّه ﷺ بِلَا خَوْف ولا تَردُّد.

عِبَاد اللَّه: عَلَّمتْنا الْهِجْرَة حبَّ الْوَطَن، فَهَا هُو رَسُول اللَّه ﷺ يَخْرُج مَن مَكَّة فِي سَبِيل اللَّه متأثِّرًا لِمُفَارَقَة وَطَنَه، فيلتفتُ إِلَيْهَا ويُخاطبها خطابَ المحبِّ لَهَا، وَيَقُول: ((وَاَللَّه، إنَّك لأحبُّ أَرْض اللَّه إليَّ، وإنَّك لأحبُّ أَرْض اللَّه إِلَى اللَّه، ولولا أنَّ أهلَك أَخْرَجُونِي مِنْك مَا خرجتُ)).

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُون: وَمِن مَعَانِي الْهِجْرَة: هِجْرَة الْمَعَاصِي وما يُبَاعِد عَن اللَّه، قَال تَعَالَى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، وَقَال ﷺ ((الْمُسلم مَن سَلِم الْمُسْلِمُون مَن لِسَانِه ويده، وَالْمُهَاجِر مَن هَجَر مَا نَهى اللَّه عَنْه)) وَهِجْرَة الْقُلُوب إِلَى اللَّه تَعَالَى كَمَا قَال ﷺ ((فمَنْ كَانَت هِجْرَتِه إِلَى اللَّه وَرَسُوله، فهجرتُه إِلَى اللَّه وَرَسُوله، وَمَن كَانَت هِجْرَتِه لِدُنيا يُصِيبُهَا أَو امْرَأَة يتزوَّجها فَهِجْرَتُه إِلَى مَا هَاجَر إلَيْه)).

 

وأخيراً عِبَاد اللَّه هَا نَحن فِي أَوَاخِرِ شَهْر اللَّه الْمُحَرَّم، وَبَقِيَت بِضَعَة أَيَّامٍ مِنْهُ شُرع لَنَا عَدَد مَن الأَحْكَام وَالسُّنَن الْمُتَعَلِّقَة فِي هَذَا الشَّهْر، فَمِنْهَا: اسْتِحْبَاب صِيَام شَهْر مَحْرَم، وَهو أَفْضَل الصِّيَام بَعْد صِيَام رَمَضَان، كَمَا قَال النَّبِيّ ﷺ “أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، صِيَامُ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ”.

 

 

اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وِأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ..        

اللهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَعَلى حُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الأُمُوْرِ كُلِّهَا، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الآخِرَةِ،

اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لَنا، وَتَرْحَمَنْا، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنَا غَيْرَ مَفْتُونينَ،

اللهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالـمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِرْكَ والـمُشْرِكِيْنَ، وَاِحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ، وَاِجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنَّاً وَسَائِرَ بِلَادِ الـمُسْلِمِيِنَ،

اللهُمَّ آمِنَّا فِي دُورِنَا، وَأَصْلِحَ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاِجْعَلْ وَلَايَتَناَ فِي مَنْ خَافَكَ وَاِتَّبَعَ رِضَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.