مشروع خطب الجمعة في إفريقيا |
||||
رقم |
عنوان الخطبة |
معد الخطبة |
التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة |
المراجعة والنشر |
276 |
خطبة عيد الأضحى 1447 هــ |
قسم المشاريع |
10/12/1447هـ الموافق 27/05/2026م |
الأمانة العامة |
الموضوع:” خطبة عيد الأضحى 1447هــ “
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي سَهَّلَ لَنا الْعِبَادَةَ وَيَسَّر، وَجَعَلَ لَنا عِيدًا يَعُودُ فِي كُلِّ عَامٍ وَيَتَكَرَّرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ، مَا لاَحَ هِلاَلٌ وَأَنْوَر.
أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ، فَإِنَّ الـمُتَّقِينَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ الَّذِينَ ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62]
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ: أَنَّكُمْ فِي يَوْمٍ عَظِيمٍ مِنْ أَيَّامِ اللهِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، تَتْلُوهُ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، يَحْرُمُ فِيهَا الصِّيَامُ، لِغَيْرِ الْحَاجِّ الَّذِي لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ هِيَ الْحادِي عَشَرَ وَالثَّانِي عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ذِيْ الحِجَّةِ، فِيها نُسُكٌ لِلْحاجِّ بِرَمْيِ الجَمَراتِ الثَّلاثِ، وَذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالمبِيتُ بِمِنَى، وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِها آياتٌ وَأَحادِيثُ، مِنْها: قَوْلُ اللهِ عز وجل ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:203]. قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَقالَ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
فَنَحْنُ فِي أَيَّامِ عِيدٍ وَنَحْرٍ، وَشُكْرٍ وَذِكْرٍ، وَبِذَلِكَ تَتِمُّ النِّعْمَةُ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَالْمِنَّةُ، فَلْنُكْثِرْ مِنَ الذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ المبارَكَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ: التَّكْبِيرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَعَقِبَ الصَّلَواتِ، وَمِنَ الذِّكْرِ التَّسْمِيَةُ وَالتَّكْبِيرُ عِنْدَ ذَبْحِ النُسُكِ، فَإِنَّ وَقْتَ ذَبْحِ الْهَدْيِ وَالْأَضاحِي يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَمِنْها ذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَمِنْها الذِّكْرُ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ رَمْيِ الْجِمارِ، وَهَذا خاصّ بِالْحاجِّ، وَمِنْها: ذِكْرُ اللهِ تَعالَى المطْلَقُ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثارُ مِنْهُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: إِنَّها أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ عز وجل إِشارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي أَيَّامِ الْأَعْيادِ إنِمَّا يُسْتَعانُ بِهِ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعالَى وَطاعَتِهِ، فَمِنْ تَمامِ شُكْرِ النِّعْمَةِ أَنْ يُسْتَعانَ بِها عَلَى الطَّاعاتِ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنا لِفِعْلِ الصَّالِحاتِ، وَثَبِّتْنا عِنْدَ المماتِ، وَارْحَمْنا بِرَحْمَتِكَ يا جَزِيلَ الْعَطايا وَالْهِباتِ.
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوْبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيْمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ وَاعْلَمُوا أَنَّ يَوْمَكُمْ هَذا يَوْمٌ جَلِيلٌ، وَعَيدٌ فَضِيلٌ؛ وَجُزْءٌ مِنْ دِينِنا، وَشَعِيرَةٌ مِنْ شَعائِرِهِ، قَدِ انْفَرَدَ وَتَمَيَّزَ بِذَلِكَ عَنْ سائِرِ الْأُمَمِ؛ فَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمانِ يَلْعَبُونَ فِيهِما، فَقَالَ: «ما هَذانِ الْيَوْمانِ؟» قالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِما فِي الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ ﷺ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِما خَيْرًا مِنْهُما: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ» [رواه أبو داود والنسائي].
وَعِيدُنا هَذا وَمَا يُذْبَحُ فِيهِ مِنَ الْأَضاحِي هُوَ ذِكْرَى أَبِينا إِبْراهِيمَ، إِذْ هَمَّ أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ إِسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ فَفَدَاهُ اللهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ وصحابته أجمعين اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ.
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائِبَ الدُّنْيَا.
اللَّهُمَّ آمِنْ خَوْفَنَا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِ نِعَمِكَ الْجَزِيلَةِ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَطَاعَتِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمسْلِماتِ وَالمؤْمِنينَ وَالمؤْمِناتِ، الْأَحْياءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْواتِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسلامَ وَالمسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمشرِكِينَ، وَانصُرْ عِبَادَكَ الْـمُوحِّدِينَ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ زَوالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَميعِ سَخَطِكَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ
مشروع خطب الجمعة في إفريقيا |
||||
رقم |
عنوان الخطبة |
معد الخطبة |
التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة |
المراجعة والنشر |
275 |
خطبة عيد الأضحى 1447 هــ |
قسم المشاريع |
10/12/1447هـ الموافق 27/05/2026م |
الأمانة العامة |
الموضوع:” خطبة عيد الأضحى 1447هــ “
إِنَّ الْحَـمَـــدَ للهِ نَـحْـمَــدُهُ ونَسْـتَعِـيـنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَاحِبُ اللِّوَاءِ وَالْكَوْثَر، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ، مَا لاَحَ هِلاَلٌ وَأَنْوَرَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ، فَإِنَّ الـمُتَّقِينَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ، وَأَكرَمُ الخَلْقِ عَلَى اللهِ، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: 13.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.
عِبادَ اللهِ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي يَسَّرَ لَنا الْعِبَادَةَ، وَبَلَّغَنا هَذَا الْيَوْمَ الْعَظِيمَ، الَّذِي رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ، وَأَعْلَى ذِكْرَهَ، وَسَمَّاهُ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، وَجَعَلَهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَهُ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِ الْعَامِ وَأَعْظَمِهَا، فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَقَفَ نَبِيُّنَا ﷺ دَاعِيًا مُلَبِّيًا، وَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ u فِي صَعِيدِ عَرَفَاتٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، آيَةٌ عَظِيمَةٌ نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدٍ، تُقَرِّرُ كَمَالَ هَذَا الدِّينِ، فوَقَفَ ﷺ يُرْسِي مَعَالِمَ الدِّينِ، وَيُحَدِّدُ هُوِيَّةَ الْأُمَّةِ، وَمُمَيِّزَاتِهَا وَخَصَائِصَهَا عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَكَانَ مِمَّا قَرَّرَهُ: حُرْمَةُ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، قَالَ ﷺ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» وَوَثَّقَ ﷺ رِبَاطَ الْأُخُوَّةِ فِي الدِّينِ فَقَالَ: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مَالُ أَخِيهِ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»، وَقَالَ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي أَرْضِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ»، وَأَبْطَلَ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا كِبْرَ، وَلَا بَطَرَ، وَلَا أَشَرَ، وَلَا وَأْدَ لِلْبَنَاتِ (دَفْنُهُنَّ أَحْيَاءً)، وَلَا فَضْلَ لِقَبِيلَةِ كَذَا عَلَى قَبِيلَةِ كَذَا، وَلَا أَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ إِلَّا بِالتَّقْوَى وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَقَالَ: «أَلَا وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ» [رواه مسلم: 1218]، إِنَّهَا مَوَاثِيقُ نَعْتَزُّ وَنَفْتَخِرُ بِهَا، سَبَقَتِ الْمَوَاثِيقَ الْعَالَمِيَّةَ، فَلَا سَعَادَةَ وَلَا تَوْفِيقَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ تَعالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21].
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.
عِبادَ اللهِ: إنَّكُمْ فِي يَوْمٍ عَظِيمٍ مِنْ أَيَّامِ اللهِ، تَتْلُوهُ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، يَحْرُمُ فِيهَا الصِّيَامُ، لِغَيْرِ الْحَاجِّ الَّذِي لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ هِيَ الْحادِي عَشَرَ وَالثَّانِي عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ذِيْ الحِجَّةِ، فِيها يَرْمِي الْحاجُّ الْجَمَراتِ الثَّلاثِ، وَيَبِيتُ بِمِنَى، قالَ تَعالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:203]. أَكْثَرُ الْعُلَماءِ عَلَى أَنَّها أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَاخْتارَهُ، فَلْنُكْثِرْ مِنَ الذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ المبارَكَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ: التَّكْبِيرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَعَقِبَ الصَّلَواتِ، وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ المبارَكَةِ ذَبْحُ الْهَدْيِ وَالْأَضاحِي وَيَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثارُ مِنَ الذِّكْرِ، قالَ تَعالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:200]. وَالْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي أَيَّامِ الْأَعْيادِ إنِمَّا يُسْتَعانُ بِهِ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعالَى وَطاعَتِهِ، وَذَلِكَ مِنْ تَمامِ شُكْرِ النِّعْمَةِ:
إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا فَإِنَّ المعاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ
وَداوِمْ عَلَيْها بِشُكْرِ الْإِلَهِ فَشُكْرُ الْإِلَهِ يُزِيلُ النِّقَـمْ
إِخْوَةَ الْإسْلاَم: يَوْمُنا يَوْمٌ جَلِيلٌ، وَشَعِيرَةٌ مِنْ شَعائِرِ دِينِنا، تَمَيَّزْنا بِهِ عَنْ سائِرِ الْأُمَمِ؛ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمانِ يَلْعَبُونَ فِيهِما، فَقَالَ: «ما هَذانِ الْيَوْمانِ؟» قالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِما فِي الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ ﷺ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِما خَيْرًا مِنْهُما: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ» [رواه أبو داود والنسائي]، في الْعِيدِ تَتَأَكَّدُ مَعَانِي الْأُخُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ؛ نجتمع عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَتَوْحِيدِهِ، وَصَلَاةِ الْعِيدِ، وَتَبَادُلِ التَّهَانِي، قالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:10].
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوْبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيْمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوْا اللهَ أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ بِطَلَبِ مَرْضَاتِهِ، وَالبُعْدِ عَنْ مُحَرَّمَاتِهِ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنَا فِي هَذَا الْعِيدِ السَّعِيدِ الْأُسْرَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ، وَالْبُيُوتَ الْآمِنَةَ الْمُطْمَئِنَّةَ، وَهَذَا يَكْمُنُ فِي وَعْيِ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ بِدَوْرِهَا الْعَظِيمِ، وَنَصِيحَتُنَا لِلْأَخَوَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالزَّوْجَاتِ أَنْ يَتَّقِينَ اللهَ فِي بُيُوتِهِنَّ وَأَزْوَاجِهِنَّ؛ فَالطَّاعَةُ بِالْمَعْرُوفِ وَقَرَارُ الْبُيُوتِ هُمَا حِصْنُ الْأُسْرَةِ الْحَصِينُ.
أَيَّتُهَا الْأُخْتُ الْمُبَارَكَةُ: لَا تَنْخَدِعِي بِأَفْكَارٍ مُضَلِّلَةٍ، وَدَعَوَاتٍ وَافِدَةٍ، زَهَّدَتْ فِي الرَّوَابِطِ الْأُسْرِيَّةِ حَتَّى ارْتَفَعَتْ نِسَبُ الطَّلَاقِ، وَحَذَارِ مِنَ النِّدِّيَّةِ وَالْعِنَادِ مَعَ الرَّجُلِ؛ فَإِنَّ الْعِنَادَ مَا تَوَلَّدَ إِلَّا مِنْ نِدِّيَّةٍ جَافَّةٍ تُفْسِدُ الْوُدَّ وَتُبَدِّدُ السَّكِينَةَ، لَقَدْ جَعَلَ اللهُ ﷻ لِلرِّجَالِ الْقَوَامَةَ؛ تَفْضِيلًا رَتَّبَتْهُ حِكْمَةُ الْخَالِقِ فِي الْخِلْقَةِ، وَتَكْلِيفًا مَالِيًّا فِي النَّفَقَةِ وَالرِّعَايَةِ، فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]. فَالرَّجُلُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَوَامَةِ يَحْمِي وَيَرْعَى، وَالْمَرْأَةُ سَكَنٌ يَأْوِي إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّ بِهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. فَاصْبِرِي أَيَّتُهَا الزَّوْجَةُ وَصَابِرِي، وَاعْلَمِي أَنَّ طَاعَةَ زَوْجِكِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ هِيَ بَوَّابَتُكِ الْوَاسِعَةُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَعُنْوَانُ فَوْزِكِ فِي الْآخِرَةِ؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ].
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]،
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ وصحابته أجمعين اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ.
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائِبَ الدُّنْيَا.
اللَّهُمَّ آمِنْ خَوْفَنَا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِ نِعَمِكَ الْجَزِيلَةِ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَطَاعَتِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمسْلِماتِ وَالمؤْمِنينَ وَالمؤْمِناتِ، الْأَحْياءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْواتِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسلامَ وَالمسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمشرِكِينَ، وَانصُرْ عِبَادَكَ الْـمُوحِّدِينَ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ زَوالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَميعِ سَخَطِكَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم | عنوان الخطبة | معد الخطبة | التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 274 | فَضْل عَرَفَة وَبَعْض أَحْكَام الْأُضْحِيَّة وَيَوْم الْعِيد | قسم المشاريع | 05/12/1447هـ الموافق 22/05/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع:” فَضْل عَرَفَة وَبَعْض أَحْكَام الْأُضْحِيَّة وَيَوْم الْعِيد”
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَهِ الْبَرِيَّات، مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِمَوَاسِمِ الْخَيْرَات، لِيَغْفِرَ لَهُمُ الذُّنُوبَ وَالزَّلَّات، وَيُجْزِلَ لَهُمْ عَظِيمَ الأَجْرِ وَالْهِبَات، أَشْكُرُهُ تَعَالَى وَقَدْ خَصَّ بِالْفَضِيلَةِ أَيَّامَاً مَعْدُودَات، فَالْمُوَفَّقُ مَنِ اغْتَنَمَهَا بِالطَّاعَات، وَالْمَغْبُونُ مَنْ فَرَّطَ فِيهَا وَسَوَّفَ وَتَرَدَّدَ حَتَّى ضَاعَتْ عَلَيْهِ الأَوْقَات، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، عَلَّمَ الأُمَّةَ مَا يَنفْعُهَا وَوَجَّهَهَا لِصَحِيحِ الْعِبَادَات، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِين، وَعَنِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَهِيَ وَصِيَّةُ اللهِ لِلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّه﴾.
أَمَّا بَعْدُ:
عِبادَ اللهِ: مَا زِلْنَا فِي أيامِ عَشرِ ذِي الْحُجَّة وَهْي الَّتِي سمَّاها اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابه (الأيامَ الْمَعْلُومَات)، كَمَا فسَّرها ابنُ عباسٍ رَضِي اللَّه عَنْهُمَا فلنكثر فِيهَا مَن الأعمالِ الصالحةِ فَهِي خيرُ أيامِ الدُّنْيَا وموسمُها خيرُ الْمَوَاسِم والمُوفقُ مَن يُوَفِّق فِيهَا للعملِ الصَّالِح ، فَإِن أَي عَمَل صَالِح فِيهَا أَحَبّ إِلَى اللَّه مَن أَي عَمَل فِي غَيْرِهَا وخيرٌ وَأَزْكَى، فَلَّنَجْتَهَد فِي جَمِيع الْأَعْمَال الصَّالِحَة ولنُرِي ربَنا مَا يُرضيه عنَّا وَيَكُون مُثَقِّلاً لِمَواْزِيْنَنا يُوم الْعَرْض عَلَيْه جَلّ وَعُلَا.
إخوة الإسلام: وَمَنّ أعظمِ أيامِ الْعَشْر بَل مِن أَفضَلِ أَيامِ السَّنةِ يُوم عَرَفَة ، أَكمَلَ اللهُ فيهِ المِلَّةَ، وأَتمَّ بهِ النِّعمَةَ.
ولأَجلِ أَن نَستفِيدَ مِن هَذا اليَومِ المُبَاركِ مَطْلُوب مِنَّا أنْ نَتَفَرَّغ لِلعِبَاْدةِ فِي هَذَا اليومِ، ونَترُكَ المشَاغِلِ والأعمالِ وَنُأجِلَهَا، وَهَنِيْئاً لِمَن صَام هَذَا اليومِ؛ فقدْ بيَّنَ ﷺ مَا يتَرتَّبُ عَلَى صِيامهِ مِنَ الفضلِ العَظِيمِ؛ فَقَال : “صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ” (رواهُ مُسلمٌ).. ويَبدأُ فِيْه التَّكبِيرُ المُقيَّدُ لغَيرِ الحَاجِّ عَقِبَ صَلاةِ الفَجرِ إِلَى آخِرِ أيَّامِ التَّشرِيقِ، وَأَمَّا التَّكْبِير المطلَق فَلا يَزالُ مِن أَولِّ الشَّهرِ مُستمِرًّا.
وللدُّعَاءِ يَومَ عَرفةَ مَزِيَّةٌ علَى غَيرِهِ، فإنَّ النبيَّ -ﷺ- قالَ: “خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ” (رواهُ التِّرمِذيُّ). ولْيَحرِصِ المُسلِمُ عَلَى الدُّعاءِ فِي هذَا اليومِ العَظِيمِ اغتنامًا لفِضلِهِ ورَجاءً للإجابةِ والقَبُولِ، وأنْ يَدعوَ لنفسِهِ ووالِدَيْهِ وأَهلِهِ وللإِسلامِ والمسلِمِينَ.
عبادَ اللهِ: إنَّ تَقرِيبَ القَرِابِينِ وذَبحَ الأَضَاحِي للهِ -عزَّ وجَلَّ- عِبادَةٌ عَظِيمَة، وكانَ ﷺ يُدَاوِمُ علَى فِعلِ الأُضحِيةِ عشرَ سِنينَ مُنذُ أنْ قَدِمَ المدينةَ…وهذِهِ العِبادةُ تَأتِي شُكرًا للهِ عَلَى النِّعْمَة ، وإحياءً لسُنَّةِ إبراهيمَ الخليلِ، وتذكيرًا للمُسلمِ بصَبرِ إبراهيمَ وإسماعيلَ، وإيثَارِهِمَا طَاعةَ اللهِ ومحبَّتِهِ عَلَى محبَّةِ الوالدِ والوَلدِ، كمَا وتَأتِي تَوسِعةً عَلَى النَّفسِ وأَهلِ البيتِ، ونَفعًا للفَقِيرِ، وأَجرًا لِمَنْ تَصدَّقَ بهَا.
أَيُّهَا المؤمنونَ: الأُضحِيةُ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ عندَ جُمهُورِ أهلِ العِلمِ، بَل قَال بَعْض أَهْل الْعِلْم بِوُجُوبِهَا عَلَى الْقَادِر مِمَّا يُبَيِّن أهميتها.
عِبادَ اللهِ: لا يَنبغِي أَبدًا للقَادرِ أَنْ يُفَوِّتَ هذِه الفُرصَةَ الثَّمِينةَ، وكانَ رَسولُ اللهِ -ﷺ- يَكرَهُ للأَغنِياءِ أَنْ يُهْمِلُوا هذِهِ السُّنَّةَ، إِلَى دَرجَةِ أنَّه قَالَ: “مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ، وَلَمْ يُضَحِّ، فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا”. وعلَى المُسلِمِ أنْ يَعتَنِيَ باختِيارِ الأُضحِيَةِ، وكلَّمَا كانتِ الأضحيةُ أَكْمَلَ فِي ذَاتِهَا وصِفَاتِهَا وأحسنَ مَنظَرًا وأغْلَى ثَمنًا فهِي أَحَبُّ إِلَى اللهِ وأعظمُ لأجرِ صَاحِبِهَا، قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ: “والأجرُ فِي الأُضحيةِ عَلَى قَدْرِ القِيمَةِ مُطْلقًا”.
ولقدْ كانَ المسلمونَ فِي عَهدِ رسولِ اللهِ -ﷺ- يُغَالُونَ فِي الهَدْيِ والأضَاحِي، ويختارونَ السَّمِينَ الحَسَنَ، قالَ أَبو أُمَامَةَ بنُ سَهْلٍ رَضِي اللهُ عَنهُ : “كُنَّا نُسَمِّنُ الأُضْحِيةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ”؛ وتَسمِينُ الذَّبِيحَةِ مِن تَعظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ، كَمَا قالَ ذَلِك ابنُ عبَّاسٍ -رَضِي اللهُ عَنهُمَا-، فِي قَوَّلَه تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
عبادَ اللهِ: بيَّنَ سُبحانه الحكمةَ مِن ذَبحِ الأضَاحِي والهَدايَا بقولِهِ: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قَال الشَّيخُ السَّعدِيُّ -رحمهُ اللهُ-: “ليسَ المقصودُ مِنْهَا ذَبْحَهَا فَقَطُ. ولا يَنالُ اللهَ مِن لُحُومِهَا ولا دِمائِهَا شَيءٌ؛ لِكونِهِ الغَنيَّ الحميدَ، وإنَّما يَنالُهُ الإخلاصُ فيهَا، والاحتِسَابُ، والنِّيَّةُ الصَّالِحةُ، ولهَذا قالَ: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾، فَفِي هَذَا حَثٌّ وتَرغِيبٌ عَلَى الإِخلاصِ فِي النَّحْرِ، وأنْ يكُونَ القَصدُ وَجهَ اللهِ وحْدَهُ، لا فَخرًا ولا رِياءً، ولا سُمعَةً، ولا مُجرَّدَ عَادةٍ، وهكَذا سَائِرُ العِباداتِ إنْ لَم يَقتَرِنْ بِهَا الإِخلاصُ وتَقوى اللهِ، كانتْ كالقُشُورِ الَّذِي لا لُبَّ فيهِ، والجَسَدِ الَّذِي لا رُوحَ فيهِ”.
وإِلى الذِينَ عَجَزوا عَن شِرَاءِ الأُضحيةِ وَمَنّ حَال بَيْنَهُم وَبَيَّنَهَا ضِيق ذَات الْيَد يُقَال لَه أَبْشِر بِالْخَيْر يَا عَبْد اللَّه فَإِن النِّيَّة الصَّادِقَة تَبْلُغ مَكَان الْعَمَل وَيُقَال لَهُم: هَنِيئًا لكُمُ البُشْرى؛ فقَدْ ضَحَّى عنكُم رَسُولُ اللهِ -ﷺ-فإنَّه -ﷺ- لَمَّا قَضَى خُطبَتَه ونَزَلَ مِن مِنْبَرِه أُتِيَ بِكَبْشٍ فذَبَحَهُ بيدِهِ، وقالَ: “بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي”
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحَدَّه وَالصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَى رَسُول اللَّه وَآلُه وَصَحِبَه.
أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا المؤمنونَ: وآخِرُ هذِه العَشْرِ الفَاضلَةِ، هوَ أَعظمُ الأيَّامِ عِندَ اللهِ، كمَا صحَّ عنهُ -ﷺ- أَنَّه قَالَ: “إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَوْمُ النَّحْرِ” (رَوَاه وأبو دَاودَ وصحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ).
والفَرَحُ فِيهِ مِنْ مَحَاسِنِ هذَا الدِّينِ وشَرَائِعِهِ؛ فعَنْ أَنسٍ -رِضيَ اللهُ عَنهُ- قالَ: قَدِمَ ﷺ ولأهلِ المَدِينةِ يَومَانِ يَلعَبُونَ فِيهمَا فِي الجَاهِليةِ، فقالَ: “قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَلَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ يَوْمَيْنِ خَيْرًا مِنْهُمَا، يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ”
ومِن أَعظَمِ شَعائِرِ الإِسلامِ فِي هَذَا اليومِ، أَداءُ صَلاةِ العِيدِ وقَد صَلاَّهَا النبيُّ -ﷺ- ودَاوَمَ علَى فِعلِهَا هُو وأَصحَابُهُ والمسلمونَ بَل ذَهَب بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّهَا وَاجِبَة فِي حَقّ الرِّجَال، وَيَسُنّ الجُلُوسُ لِسمَاعِ خُطبَةِ العِيدِ، وعَدمُ الانِشغالِ عَنها بشيءٍ كالتهنِئةِ أَو رَسائِلِ الهَاتِفِ الجَوَّالِ أَو غَيرِ ذَلكَ.
تَقبَّلَ اللهُ مِن الجَميعِ صَالحَ العَملِ وأعَانَ ويَسَّرَ الفَوزَ بهذِه الأيامِ المبَاركَةِ.
وصلوا وسلموا رحمكم الله على الهادي النذير والسراج المنير…
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إَلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ عَنَّا مَعَهُمْ بِـمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائِبَ الدُّنْيَا.
اللَّهُمَّ آمِنْ خَوْفَنَا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِ نِعَمِكَ الْجَزِيلَةِ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَطَاعَتِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمسْلِماتِ وَالمؤْمِنينَ وَالمؤْمِناتِ، الْأَحْياءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْواتِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسلامَ وَالمسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمشرِكِينَ، وَانصُرْ عِبَادَكَ الْـمُوحِّدِينَ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ زَوالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَميعِ سَخَطِكَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم | عنوان الخطبة | معد الخطبة | التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 273 | عشر ذي الحجة والأضحية |
قسم المشاريع |
28/11/1445هـ الموافق 15/05/2025م | الأمانة العامة |
الموضوع:” عشر ذي الحجة والأضحية ”
إن الْحَمْد لِلَّه، نَحْمَدُه وَنَسْتَعِينُه وَنَسْتَغْفِرُه، ونعوذ بِاَللَّه مَن شُرُور أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَات أَعْمَالِنَا، مَن يَهْدِه اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، ومَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَه، وَأَشْهِد أن لا إلَه إلَّا اللَّه، وَأَشْهِد أن محمدًا عَبْدَه وَرَسُوله، صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَعَلَى آلِه وأصحابِه، وَمَنّ سَار عَلَى نَهْجِه، وَاقْتَفَى أَثَرُه إِلَى يُوم الدّيْن، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقوا اللهَ -عِبادَ اللهِ- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عِمْرَان : 102].
مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ: كُلُّنا يُرِيدُ أَنْ يتَعبَّدَ للهِ فِي هَذِه الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، كلُّنا تَطْمَحُ نفْسُهُ أنْ يَنالَ فِيها الْخَيْرَ والْأَجْرَ الجَزِيلَ، وَمَنْ مِنَّا لَا يُريدُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ المشْكِلةَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ هُوَ اسْتِحْضَارُهُ لِعَدَدٍ مِنَ الطَّاعاتِ لَا يقْوَى علَيْها، فيَظُنُّ أنَّه خارِجَ المنَافَسَةِ، ويَأْسَى عَلَى نفْسِهِ أنَّه لَم يُوفَّقْ لِلْخَيْرِ، وَهَذا مِنْ أَكْبَرِ مَداخِلِ الشَّيْطانِ.
إِنَّ مفهُومَ الْعِبادَةِ مفْهُومٌ واسِعٌ، وَمَن الَّذِي خصَّصها بِالصَّوْمِ أوِ التَّبْكِيرِ إِلَى الصَّلَواتِ أوْ غَيْرِها مِنَ الْفَضائِلِ؟! ألَيْس الرَّسُولُ ﷺ يقولُ -كَما عِنْدَ الْبُخارِيِّ فِي صَحِيحِه مِنْ حَدِيث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ»، فهُو يقولُ: «مَا الْعمَلُ» اسمُ جنسٍ، معرَّفٌ بِاللَّام ، يدُلُّ عَلى الْعُمُومِ، أيْ: عُموم العمَلِ الصَّالِحِ.
بَلْ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ: «مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ فِى عَشْرِ الأَضْحَى»، أيْنَ أعْمَالُ الْقُلوبِ الَّتي هِي أصْلُ الْإِيمانِ، كَما يقُولُ ابْنُ تيْمِيةَ رَحِمَه اللَّه.
هَل زَاوَلْتَ إِحسَانَ الظَّنِّ فِي هَذِه الأيَّامِ الْعَشْرِ؟ هَل أزَلْتَ الحِقْدَ والضَّغِينَةَ؟
هَلْ تسامَحْتَ مَع الآخَرِينَ؟ مَا فَائِدَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي نُزَاوِلُها فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، وَقُلُوبُنا تَحْمِلُ الحِقْدَ وَالْكِبْرَ وَالغُرُورَ والتَّعالِيَ؟
وَيُذكِّرُنا هَذا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُريْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
أيْنَ مَقامَاتُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ؟ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ تعْظُمُ الأُجُورُ فِي بِرِّهِما والْإِحسانِ إلَيْهِما أكْثَرَ مِن أيِّ عمَلٍ، وحِينَما أقُولُ: (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ)، فَإِنِّي لَا أريدُ فَقَط الْوَالِدَيْن الْكَبِيرَيْنِ الهَرِمَيْنِ كَما يَظُنُّ بَعْضُ الشَّبابِ، فَإِنَّ هَذَيْنِ يَدْخُلَانِ بِبَدِيهَةِ الخَاطِرِ؛ وَلهَذَا كَثِيرٌ مِنَ الأبْناءِ لا يَسْتَحْضِرُ بِرَّهُ لِوَالِدَيْهِ إِذَا كَانَ وَالِدَاهُ لَم يبْلُغَا الْكِبَرَ، بَلْ هُمَا دَاخِلَانِ، وَلِكنَّ نمَطَ الْبِرِّ ونَوْعَهُ يخْتَلِفُ بِاختِلَافِ السِّنِّ.
فَإِنَّ مِن مَظاهِرِ بِرِّهِما إِذَا كَانَا غَيْرَ كَبيرَيْنِ احْتِرَامَهُما، والتَّسَامُحَ عِنْدَ منْعِهما لِشَيْءٍ لِشِدَّةِ خَوْفِهما، وإِظْهَارَ مودَّتِهما، وتقَبَّلَ نَصائِحِهِما، ومُشَارَكَتَهُما فِي بعْضِ شُؤُونِهما.
أَيْنَ الصَّدقَةُ والْإِحْسَانُ بِما قَلَّ أَوْ كَثُرَ؟ وخَاصَّةً عَلى الْأَهْلِ والْأَقَارِبِ وَالمحْتَاجِينَ؛ فَإِنَّ الصَّدَقةَ مِن أفْضَلِ الْأَعْمالِ، وَمَنْ مِنَّا لَا يَستَطِيعُ أنْ يتَصَدَّقَ بِأَقَلِّ الْقَلِيلِ، قَال -سُبْحَانَه وَتُعَالَى -: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [الْبَقَرَة : 261]، فَأَنْتَ إِذا أنْفَقْتَ دِرْهمًا، فَإِنَّ جَزاءَهُ سبْعُمائِةِ دِرْهَمٍ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، واللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، فَهُوَ الْقَائِلُ: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [الْبَقَرَة : 245]، فهُوَ يُضاعِفُهُ لَهُ إِلى سبْعِمَائِةٍ، بَلْ إِلَى أكْثَرَ -كَما جَاء- إِلى أضْعَافٍ كثِيرَةٍ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ.
وقَدْ ورَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ t قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ -وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ- إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِى كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».
بَلْ قَالَ الْإِمَامُ أحْمَدُ -رَحِمَه اللَّه – لِرَجُلٍ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ يُرِيدُ أنْ يَغْزُوَ غَزْوَ التَّطَوُّعِ، فَقالَ لَهُ: «أَقِمْ عَلى وَلَدِكَ، وَتَعَاهَدْهُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ»، ولَمْ يُرَخِّصْ لَهُ.
بَلْ إِنَّ بعْضَ أهْلِ الْعِلْمِ يَرى أنَّ الصَّدَقَةَ أفْضَلُ مِن حَجِّ التَّطَوُّعِ، قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: «الصَّدَقَةُ أفْضَلُ مِنَ الحَجِّ وَالجِهَادِ التَّطَوُّعِيِّ»، وقَالَ بعْضُ فُقَهاءِ الحنَابِلَةِ: «وَصِيَّتُهُ بِالصَّدقَةِ أفْضَلُ مِنْ وَصِيَّتِهِ بِالحَجِّ». وعَنِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ «بِأنَّ الصَّدقَةَ عَلى المحْتَاجِ أفْضَلُ مِن حَجِّ التَّطَوُّعِ».
ومِنْ ذَلِك صَوْمُ يَوْمِ عَرفَةَ لِغَيْرِ الحَاجِّ، مَع أنَّنا نَرَى -وَللهِ الْحَمْدُ- إِقْبَالًا عَظِيمًا مِنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ عَلى صِيَامِ هَذا الْيَوْمِ، وَكَيْفَ لَا يُصامُ وَقَدْ ثَبتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّه «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ»، وَهَذا فَضْلٌ مِنَ اللهِ وَكَرَمٌ، وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
وهُنَاكَ مِنَ الطَّاعَاتِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي يُحِبُّها اللهُ، يَسْتَطِيعُ الجَمِيعُ أَنْ يُزاوِلَها؛ مُسْتَشْعِرًا أَنَّه يتَعَبَّدُ للهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، وَيجْتَهِدُ فِي الطَّاعَةِ مِنْ رَحْمَةِ الْأَبْنَاءِ، وَالتَّيْسِيرِ عَلى الْأَهْلِ، وَالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ لِلنَّاسِ، وَأنْ يَقُولَ لَهُما حُسْنًا وحَسَنًا، وكَفِّ الْأَذَى، وَالْأَمْرِ بِالمعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المنْكَرِ.
أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عِمْرَان : 133].
أقولُ مَا سَمِعْتُم، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي وَلِكَم ولسائِرِ الْمُسْلِمِين مَن كَلّ ذنبٍ وخطيئةٍ، فَاسْتَغْفِرُوه، وَتُوبُوا إلَيْه، إنَّه هُو الْغَفُور الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَه عَلى توفِيقِهِ وامتنَانِهِ، وأشْهَدُ أنَّ لَا إِله إلَّا اللهُ تَعظيمًا لشانِهِ، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عبْدُه ورسُولُه الدَّاعِي إِلى جنَّتِه ورِضْوانِهِ،
صَلَّى اللهُ علَيْه وعَلى آلِه وأصحابِه وأعوانهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ: وَإِنَّ مِن أعْظَمِ الْأَعْمالِ فِي هَذِه الْعَشْرِ الْأُضْحِيَةَ فِي يَوْمِ الْعِيدِ: فقَدْ «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ»، كَما فِي الصَّحِيحَيْنِ.
بَلْ إِنَّ بَعْضَ أهْلِ الْعِلْمِ ذَهب إِلى وُجُوبِها عَلى كُلَّ قَادِرٍ، فَلا تَحْرِمْ نفسَك هَذا الْفَضْلَ الْعَظِيمَ، فَيُشْرَعُ أنْ يُضَحِّيَ عَن نَفْسِهِ، وعَنْ أهْلِ بَيْتِهِ، يَذْبَحُهَا طَيِّبَةً بِها نفْسُه؛ مُتقرِّبًا بِها إِلى اللهِ، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَنْعَام : 162].
واعْلَمُوا أنَّه لَا يُضَحَّى إِلا بِالثَّنِيِّ مِن الْإِبِلِ، وَهُو مَا تَمَّ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَالثَّنِيِّ مِن الْبَقَرِ، وَهُوَ مَا تَمَّ لَه سَنَتانِ، وَالثَّنِيِّ مِن المعزِ، وَهُو مَا تَمَّ لَهُ سنَةٌ، والجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُو مَا تَمَّ لَهُ نِصْفُ سَنَةٍ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ.
فَعَلَيْكُمْ -أيُّها الْبَاعَةُ- أنْ تَتَّقُوا اللهَ فِي أسْنَانِ مَا تَجْلِبُونَ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ السِّنَّ، وَإِنَّما يَكِلُ الْأَمْرَ إِلى ذِمَمِكُمْ، فَإِنْ كُنْتَ لَا تعْلَمُ فَاسْأَلْ أهْلَ الخِبْرَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا تَعْرِضْ شَيْئًا لَمْ يَبْلُغِ السِّنَّ المجْزِئَ.
وَمِنْ أخْطَاءِ بعْضِ النَّاسِ أنَّ أيَّ عَيْبٍ فِي الْأُضْحِيَةِ يَظُنُّه لَا يُجْزِئُ ذَبْحُها، وَهذا فَهْمٌ غيْرُ صَحِيحٍ؛ فَالْعُيوبُ الَّتي لَا تُجْزِئُ مَعها الْأُضْحِيَةُ ذَكَرَها النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ مِن حَدِيث عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزَ، قَالَ: قُلْتُ لِلْبَراءِ بْنِ عَازِبٍ -رَضِي اللَّه عَنْه -: حَدِّثْنِي عَمَّا كَرِهَ أَوْ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْأَضَاحِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَكَذَا بِيَدِهِ -وَيَدِي أقْصَرُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «أَرْبَعٌ لَا يُجْزِينَ فِي الْأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، والْعَرْجَاءُ البَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تُنَقَّى»، قَال : قُلْت : فَإِنِّي أَكْرَهُ أنْ يَكُونَ نَقْصٌ فِي الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ، قَالَ: فَما كَرِهْتَ فَدَعْهُ، وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلى غَيْرِكَ. فذَكَر أرْبَعةَ عُيُوبٍ فَقطْ: العَرَجُ الْبَيِّنُ: وَهُو الَّذِي يمْنَعُ مِن مُسَايَرَةِ الصَّحِيحاتِ.
وَالْعَوَرُ الْبَيِّنُ: بِأَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ عَوْرَاءَ بَارِزَةً أَو هَابِطَةً. وَالمرَضُ الْبَيِّنُ: هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَيْهَا، وَمِنْه الجَرَبُ وَالهُزَالُ الَّذِي أذْهَبَ مُخَّها.
وعَلَيْهِ فتُجْزِئُ الْأُضْحِيَةُ مقْطُوعَة الْأُذُنِ، وَلَكِنْ مَع الْكَراهَةِ؛ لحَدِيثِ عَليٍّ t، قالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَيْنِ، ولا نُضَحِّي بِعَوْرَاءَ، ولا مُقَابَلَةٍ، وَلا مُدابَرَةٍ، وَلا خَرْقَاءَ، ولا شَرْقَاءَ»، وَهَذِه الأَوْصافُ طُرُقٌ لِشَقِّ الْأُذُنِ عِنْدَ النَّاسِ.
وَكَذِلكَ تُجْزِئُ الُأْضِحَيَةُ إِذا كانَتْ مَكْسُورَةَ الْقَرْنِ، وَكَذِلك الَّتِي سقَطَتْ أسْنَانُها؛ إِلَّا أنْ تَكُونَ كَبِيرَةً لَا مُخَّ فِيها، وكَذَلِكَ مقْطُوعَةُ الذَّنَبِ، وأمْثَالُها تُجْزِئُ مَع الْكَراهَةِ.
أمَّا مَا قُطِعَتْ إِلْيَتُهُ مِن الضَّأْنِ فَإِنَّه لَا يُجْزِئُ؛ لأَنَّ الْإِلْيَةَ لَها قِيمَةٌ، إِلَّا إِنْ كانَتْ مِنْ نَوْعٍ لَا إِلْيَةَ لَهُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، فَلا بَأْسَ بِهِ.
والْبَعْضُ مِنَ النَّاسِ يتَحَرَّجُ مِنَ الْكَبْشِ الْخَصِيِّ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ، فقَدْ جَاءَ عنْدَ أحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ وغيرِه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضحَّى بكَبْشَيْنِ مَوْجُوأَيْنِ، أيْ خَصِيِّيَنْ، والإْجِمْاعُ منعَقِدٌ عَلى إِجْزَائِهِ، بَلْ إِنَّ تَمَيُّزِ الخَصِيِّ مِن حيثُ أنَّه أطْيَبُ لحْمًا فِي الْغَالِبِ فَهُوَ أفْضَلُ.
واعْلَمُوا أنَّ الْأُضْحِيَةَ أفْضَلُ مِن الصَّدَقَةِ بِثَمَنِها؛ لأنَّها شَعِيرَةٌ مِن شَعَائِرِ اللهِ.
أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ أَحْوَالَنَا وَأَنْ يُسَدِّدَ مَسْعَانَا، وَأَنْ يَهْدِيَ قُلُوبَنَا، وَأَنْ يَغْفِرَ ذُنُوبَنَا وَيَسْتُرَ عُيُوبَنَا، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا التِي فِيهَا مَعَاشُنَا وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا التِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا طَيِّبًا وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، اللَّهُمَّ إِنَّا نعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ وَمِنْ قُلُوبٍ لَا تَخْشَعُ وَمِنْ نَفُوسٍ لَا تَشْبَعُ، اللَّهُمَّ أعطنا ولا تحرمنا اللَّهُمَّ أكرمنا ولا تُهنا اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلا تُعِنْ عَليْنَا
اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَمَوْتَ الشُّهَدَاءِ، وَالحَشْرَ مَعَ الأَتْقِيَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الأَنْبِيَاءِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والْمُسْلمينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، اللهم انصرْ أُمَّةَ محمدٍ وأَخرجْهم من الظلماتِ إلى النورِ، اللهم احفظ المسلمينَ في كلِ مكانٍ يا ربَّ العالمينَ.
اللَّهُمَّ احْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ، اَللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَأْنَ المسْلِمِينَ، وَوَلِّ عَلَيْهِمْ خِيَارَهُمْ وَاكْفِهِمْ شَرَّ شِرَارِهِمْ
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي دُورِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ جَنِّبْ بِلادَنَا الْفِتَنَ وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالْحَمْدِ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم | عنوان الخطبة | معد الخطبة | التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 272 | كيف تؤدي مناسك الحج والعمرة | الدكتور عثمان صالح تروري – عضو الاتحاد | 21/11/1445هـ الموافق 08/05/2025م | الأمانة العامة |
الموضوع:” كيف تؤدي مناسك الحج والعمرة ”
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أفضل من حج واعتمر وأمر أمته بأخذ مناسكهم عنه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه أمهات المؤمنين وأصحابه ما لبى ملب بحج بيت ربه.
أَمَّا بَعْدُ:
فيا عباد الله: أُوصِيكم ونفسِي بخَير الوصايَا، ألا فاتَّقُوا الله -عزَّ وجل -؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾) آل عمران: 102)
أيها المسلمون: إن الله يختارُ ما يشاءُ من الأشخاصِ والأمكِنة، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾.
وإن من أجلَى ذلك الاختِيار – عباد الله -: اصطِفاءَه – سبحانه – طَيبةَ الطيِّبة المدينةَ النبويَّة المُنوَّرة؛ لتكون مُهاجَرَ رسولِه – ﷺ-، هي بعد مكَّة خيرُ البِقاع، وأشرَفُ الأماكِن. ومُستنبَتُ الشجرةِ الوارِفةِ، دولةُ الإسلام الأولى، فيها تمَّت قواعِدُ الدين، وعلى أرضِها الطيِّبة طُبِّقَت أحكامُ الإسلام وشُؤونُه.
مُنطلَقُ القيادة والسيادة والريادة للعالَم الإسلاميِّ، على ضوء منهجِ الوسطيَّة والاعتِدال، ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾) البقرة: 143 ( بعيدًا عن التطرُّف والغلُوِّ والإرهاب، والطائفيَّة والإرعاب؛ تحقيقًا للاعتِصام بالكتابِ والسنَّة.
معاشِر المُسلمين: إنها المدينةُ طَيبةُ الطيِّبة، أرضُ الهِجرة، وموطِنُ السنَّة، من زارَها قُربةً واحتِسابًا، وحُبًّا لتلك المرابِعِ لُبابًا، أثابَه البارِي أجرًى وثوابًا. و هي مأرِزَ الإيمان: أخرجَ الشيخان من حديثِ أبي هُريرة – t- قال: قال رسولُ الله – ﷺ) -: إن الإيمانَ ليأرِزُ إلى المدينةِ كما تأرِزُ الحيَّةُ إلى جُحرِها(.
إخوة الإيمان: ومن فضائلِها فقال – سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ﴾ ) الحشر: 9(
يقولُ الإمامُ مالِكٌ – رحمه الله – في سِياقِ ذِكرِه فضائِلَ المدينة على غيرِها من الآفاقِ: “إن المدينة تُبوِّئَت بالإيمانِ والهِجرةِ”.
ومن فضائِلِها – رحمكم الله -: أن اللهَ أمرَ نبيَّه – ﷺ – بالهِجرة إليها؛ فعن أبي مُوسَى – t- أراهُ عن النبيِّ – ﷺ- قال: (رأيتُ في المنامِ أنِّي أُهاجِرُ من مكَّة إلى أرضٍ بها نَخلٌ، ذهَبَ وهَلِي إلى أنها اليمامَةُ أو هَجَر، فإذا هي المدينةُ يثْرِب) متفق عليه.
وإن من أجلِّ فضائِلِ المدينة: أنه قد بُنِيَ فيها المسجِدُ النبويُّ الذي أُسِّس على التقوَى، قال تعالى : ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ ) التوبة: 108)
خرَّج مُسلمٌ في “صحيحه” من حديث أبي سعيدٍ الخُدريِّ – t- قال: دخَلتُ على رسولِ اللهِ – ﷺ – في بيتِ بعضِ نسائِه، فقلتُ: يا رسولَ الله! أيُّ المسجِدَين الذي أُسِّسَ على التقوَى؟ قال: فأخَذَ كفًّا من حَصبَاءَ فضرَبَ به الأرضَ، ثم قال: «هو مسجِدُكم هذا، هو مسجِدُكم هذا لمسجدِ المدينة(.
ومن مناقِبِ هذا المسجِدِ المُبارَك: أنه أحدُ المساجِدِ الثلاثة التي لا يجوزُ شَدُّ الرِّحالِ إلا إليها؛ فعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ – t- قال: سمعتُ رسولَ الله – ﷺ – يقول: (لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجِد: مسجِد الحرام، ومسجِدِي هذا، ومسجِد الأقصَى) متفق عليه
ومن فضائِلِه أيضًا: أن الصلاةَ فيه مُضاعفَةُ الجزاءِ فرضًا ونَفلًا – في أصحِّ قولَي العُلماء -؛ فعن أبي هُريرةَ – t-، أن النبيَّ – ﷺ – قال: صَلاةٌ في مسجِدِي هذا أفضلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سِوَاه إلا المسجِد الحرام (متفق عليه
فيه بُقعةٌ هي رَوضةٌ من رِياضِ الجنَّة؛ فعن أبي هُريرة – t- قال: قال رسولُ الله – ﷺ -: (ما بَين بَيتِي ومِنبَرِي رَوضةٌ من رِياضِ الجنَّة، ومِنبَرِي على حَوضِي) . رزقنا الله وإياكم زيارة مسجده ﷺ.
معاشِر المُسلمين: لقد جعلَ الله هذه المدينةَ المُنِيفَة حرَمًا آمنًا، لا يُهرقُ فيها دم، ولا يُحمَلُ فيها سِلاحٌ لقِتالٍ.
خرَّج مُسلمٌ في “صحيحه” من حديث سَهلِ بن حُنَيفٍ – t- قال: أهوَى رسولُ الله – ﷺ – بيدِه إلى المدينة فقال: «(إنها حرَمٌ آمِنٌ).
فالمدينةُ حرامٌ ما بين لابَتَيْها وحرَّتَيها، وجبَلَيْها ومأزِمَيْها؛ فعن عليٍّ – t- قال: قال رسولُ الله – ﷺ – (المدينةُ حرَمٌ ما بَين عَيْرٍ إلى ثَورٍ( متفق عليه.
لا يُنفَّرُ صَيدُها، ولا يُؤخَذُ طَيرُها، ولا يَعضَدُ شَوكُها، ولا يُقطَعُ عِضاهُها، ولا يُختَلَى خَلاها، ولا يُقطَعُ منها شَجرة إلا أن يُعلِفَ الرَّجُلُ بعِيرَه، ولا تُلتَقَطُ لُقطتُها إلا لمُنشِد.
ولا يَكِيدُ أهلَ المدينةِ أحَدٌ أو يُريدُهم بسُوءٍ أو شرٍّ إلا انْمَاعَ كما ينْمَاعُ المِلْحُ في الماءِ.
بارَكَ الله لي ولكم في الوحيَين، ونفعَني وإياكم أستغفِرُ اللهَ لي ولكم ولجميعِ المُسلمين والمسلمات من كلِّ الذنوبِ، فاستغفِرُوه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي فرض حج بيته الحرام، والصلاة والسلام على رسوله خير الأنام
أيها المؤمنون: فإذا أتم الحاج المعتمر عمرته، وانتظر الحج فإن أعمال حجه يبدأ من اليوم الثامن إلى اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، والأعمال المشروعة في هذه الأيام هي كالتالي:
* أعمال اليوم الثامن:
- الإحرام للحج في المنزل قائلا: لبيك حجا.
- الخروج إلى منى وقت الضحى، وفي الغالب يبدأ الحجاج الخروج من الليل لأجل الزحمة.
- وإذا وصل منى صلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء قصرا بلا جمع، والفجر.
* أعمال اليوم التاسع ( يوم عرفة ) :
- الخروج إلى عرفة وقت الضحى.
- الوقوف فيه من الزوال وصلاة الظهر والعصر فيه جمعا وقصرا، وعرفات كلها موقف.
- الإكثار من الدعاء والذكر فيه بعد الصلاة إلى الغروب، وليكثر من قول: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، لما رواه مالك عن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r: (قَالَ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ) ويستقبل القبلة عند الدعاء .
وقد ورد فضل يوم عرفة في أحاديث كثيرة منها ما روي عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ t قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ) مسلم .
- مغادرة عرفة عند الغروب إلى المزدلفة وصلاة المغرب والعشاء فيها والمبيت بها.
* أعمال اليوم العاشر ( يوم العيد ) :
- صلاة الفجر بالمزدلفة، والإكثار من ذكر الله بعد الصلاة بالمشعر الحرام.
- مغادرة المزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس.
- التقاط سبع حصيات على الطريق إلى منى.
- رمي جمرة العقبة بالحصيات السبع ويكبر مع كل حصاة.
- ذبح الهدي.
- حلق الرأس أو قصره والحلق أفضل.
- طواف الإفاضة بالكعبة، وهو مثل الأول إلا أنه لا يكشف الكتف، ولا يسرع في الأشواط الثالثة الأولى.
- يصلى ركعتين بعد الطواف، ثم يسعى بين الصفا والمروة كما فعل في العمرة.
- ولا بأس من تقديم هذه الأعمال بعضها على بعض، فمن أدى ثلاثة منها تحلل تحللا أصغر فيباح له كل المحظورات إلا النساء، ومن أداها كلها فقد تحلل تحللا أكبر ويباح له كل المحظورات حتى النساء.
- العودة إلى منى للإقامة.
* أعمال اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر:
- الإقامة في منى والإكثار من ذكر الله تعالى أثناءها.
- رمي الجمرات بعد الزوال من كل يوم، وصفة رمي الجمرات كالآتي:
× يبدأ بالجمرة الدنيا فيرميها بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة، وإذا رماها تنحى يمينا ووقف مستقبلا القبلة، ودعا طويلا.
× ينتقل إلى الجمرة الوسطى ويرميها بسبع حصيات مثل الأولى، ثم يتنحى يمينا مستقبلا القبلة ويدعو طويلا.
× ثم ينتقل إلى جمرة العقبة (الأخيرة) ويرميها بسبع حصيات كالسابقة، ولا يدعو بعده.
فإذا اكتمل له يومان أو ثلاثة نزل مكة، وقد انتهى له حجه، وإذا تقرر سفره طاف البيت طواف وداع، لما روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:
(أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ) البخاري وليس من المشروع الخروج من المسجد على الظهر.
فهكذا يؤدى الحج والعمرة، والله تعالى نسأل أن يوفقنا جميعا لحسن أدائهما، وأن يتقبله منا بقبول حسن، وأن يرفع به درجاتنا في الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالين وحسن أولئك رفيقا، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
نائب رئيس اتحاد علماء إفريقيا لمنطقة غرب إفريقيا يشارك في مؤتمر السلام في إفريقيا بلندن
شارك نائب رئيس اتحاد علماء إفريقيا لمنطقة غرب إفريقيا ورئيس المجلس الأعلى للشريعة في نيجيريا الدكتور بشير علي عمر في مؤتمر السلام النيجيرية في لندن من 27 إلى 30 أبريل 2026م (Nigerian Peace Summit)، وهي مبادرة دولية رفيعة المستوى امتدت على مدى ثلاثة أيام لبحث مسارات تعزيز السلم المزيد…
نائب رئيس اتحاد علماء إفريقيا لمنطقة غرب إفريقيا يشارك في مؤتمر السلام في إفريقيا بلندن
شارك نائب رئيس اتحاد علماء إفريقيا لمنطقة غرب إفريقيا ورئيس المجلس الأعلى للشريعة في نيجيريا الدكتور بشير علي عمر في مؤتمر السلام النيجيرية في لندن من 27 إلى 30 أبريل 2026م (Nigerian Peace Summit)، وهي مبادرة دولية رفيعة المستوى امتدت على مدى ثلاثة أيام لبحث مسارات تعزيز السلم الأهلي في نيجيريا وذلك في إطار الجهود الدولية لتعزيز الاستقرار في القارة الإفريقية.
ويأتي هذا المؤتمر في لندن إثر اتهامات من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية باضطهاد المسيحين في نيجيريا، بل والقيام بقصف جوي في إطار تلك الاتهامات .
ولصد الطريق أمام هذا المسار الخطير تداعت القيادات الدينية في نيجيريا وخارجها إلى هذا المؤتمر .
وإليكم بعض اللقطات من الفعالية مع خالص الشكر والتقدير وتحيات مكتب الأمانة العامة قسم الإعلام والمعلوماتية
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 271 | فضل المدينة النبوية وآداب زيارتها | د. عثمان صالح تروري ـــ عضو الاتحاد في مالي | 14/11/1447هـ الموافق 31/04/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: “فضل المدينة النبوية وآداب زيارتها”
إن الحمد لله؛ نحمدُك ربي ونستعينُك ونستغفرُك ونتوبُ إليك، ونُثنِي عليك الخيرَ كلَّه.
فلله حمدٌ لا انقِضاءَ لعهدِه *** على عَدِّ ما أسدَى وقد قصُرَ الشُّكرُ
أحمدُه تعالى على نعمِه الغِزار، وأشكرُه على فضلِه المِدرار، سُبحانه هو ذو المَنِّ والاقتِدار، المُتفرِّدُ بالخلقِ والاختِيار، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيزُ الغفَّار، سُبحانه هو اللهُ الواحدُ القهَّار، وأشهدُ أن نبيَّنا وسيِّدَنا مُحمدًا عبدُ الله ورسولُه المُصطفى المُختار، خيرُ من درَجَ على ثرَى طَيبةَ دِيار الأنصار، ومُهاجَر الصحابةِ الأخيار، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله الأطهار، وصحبِه الأبرار، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما تعاقَبَ الليلُ والنهار.
أَمَّا بَعْدُ:
فيا عباد الله: أُوصِيكم ونفسِي بخَير الوصايَا، ألا فاتَّقُوا الله – عزَّ وجل -؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾) آل عمران: 102)
أيها المسلمون: إن الله يختارُ ما يشاءُ من الأشخاصِ والأمكِنة، ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾.
وإن من أجلَى ذلك الاختِيار – عباد الله -: اصطِفاءَه – سبحانه – طَيبةَ الطيِّبة المدينةَ النبويَّة المُنوَّرة؛ لتكون مُهاجَرَ رسولِه – صلى الله عليه وسلم -، هي بعد مكَّة خيرُ البِقاع، وأشرَفُ الأماكِن. ومُستنبَتُ الشجرةِ الوارِفةِ، دولةُ الإسلام الأولى، فيها تمَّت قواعِدُ الدين، وعلى أرضِها الطيِّبة طُبِّقَت أحكامُ الإسلام وشُؤونُه.
مُنطلَقُ القيادة والسيادة والريادة للعالَم الإسلاميِّ، على ضوء منهجِ الوسطيَّة والاعتِدال، ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾) البقرة: 143 ( بعيدًا عن التطرُّف والغلُوِّ والإرهاب، والطائفيَّة والإرعاب؛ تحقيقًا للاعتِصام بالكتابِ والسنَّة.
معاشِر المُسلمين: إنها المدينةُ طَيبةُ الطيِّبة، أرضُ الهِجرة، وموطِنُ السنَّة، من زارَها قُربةً واحتِسابًا، وحُبًّا لتلك المرابِعِ لُبابًا، أثابَه البارِي أجرًى وثوابًا. و هي مأرِزَ الإيمان: أخرجَ الشيخان من حديثِ أبي هُريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – ﷺ) -: إن الإيمانَ ليأرِزُ إلى المدينةِ كما تأرِزُ الحيَّةُ إلى جُحرِها(.
إخوة الإيمان: ومن فضائلِها فقال – سبحانه ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ﴾ ) الحشر: 9(
يقولُ الإمامُ مالِكٌ – رحمه الله – في سِياقِ ذِكرِه فضائِلَ المدينة على غيرِها من الآفاقِ: “إن المدينة تُبوِّئَت بالإيمانِ والهِجرةِ”.
ومن فضائِلِها – رحمكم الله -: أن اللهَ أمرَ نبيَّه – ﷺ – بالهِجرة إليها؛ فعن أبي مُوسَى – t- أراهُ عن النبيِّ – ﷺ- قال: (رأيتُ في المنامِ أنِّي أُهاجِرُ من مكَّة إلى أرضٍ بها نَخلٌ، ذهَبَ وهَلِي إلى أنها اليمامَةُ أو هَجَر، فإذا هي المدينةُ يثْرِب) متفق عليه.
وإن من أجلِّ فضائِلِ المدينة: أنه قد بُنِيَ فيها المسجِدُ النبويُّ الذي أُسِّس على التقوَى، قال تعالى : ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ ) التوبة: 108)
خرَّج مُسلمٌ في “صحيحه” من حديث أبي سعيدٍ الخُدريِّ – t- قال: دخَلتُ على رسولِ اللهِ – ﷺ – في بيتِ بعضِ نسائِه، فقلتُ: يا رسولَ الله! أيُّ المسجِدَين الذي أُسِّسَ على التقوَى؟ قال: فأخَذَ كفًّا من حَصبَاءَ فضرَبَ به الأرضَ، ثم قال: «هو مسجِدُكم هذا، هو مسجِدُكم هذا لمسجدِ المدينة(.
ومن مناقِبِ هذا المسجِدِ المُبارَك: أنه أحدُ المساجِدِ الثلاثة التي لا يجوزُ شَدُّ الرِّحالِ إلا إليها؛ فعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ – رضي الله عنه – قال: سمعتُ رسولَ الله – ﷺ – يقول: (لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجِد: مسجِد الحرام، ومسجِدِي هذا، ومسجِد الأقصَى) متفق عليه
ومن فضائِلِه أيضًا: أن الصلاةَ فيه مُضاعفَةُ الجزاءِ فرضًا ونَفلًا – في أصحِّ قولَي العُلماء -؛ فعن أبي هُريرةَ – t-، أن النبيَّ – ﷺ – قال: صَلاةٌ في مسجِدِي هذا أفضلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سِوَاه إلا المسجِد الحرام (متفق عليه
فيه بُقعةٌ هي رَوضةٌ من رِياضِ الجنَّة؛ فعن أبي هُريرة – t- قال: قال رسولُ الله – ﷺ -: (ما بَين بَيتِي ومِنبَرِي رَوضةٌ من رِياضِ الجنَّة، ومِنبَرِي على حَوضِي) . رزقنا الله وإياكم زيارة مسجده ﷺ.
معاشِر المُسلمين: لقد جعلَ الله هذه المدينةَ المُنِيفَة حرَمًا آمنًا، لا يُهرقُ فيها دم، ولا يُحمَلُ فيها سِلاحٌ لقِتالٍ.
خرَّج مُسلمٌ في “صحيحه” من حديث سَهلِ بن حُنَيفٍ – رضي الله عنه – قال: أهوَى رسولُ الله – ﷺ – بيدِه إلى المدينة فقال: «(إنها حرَمٌ آمِنٌ).
فالمدينةُ حرامٌ ما بين لابَتَيْها وحرَّتَيها، وجبَلَيْها ومأزِمَيْها؛ فعن عليٍّ – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – ﷺ – (المدينةُ حرَمٌ ما بَين عَيْرٍ إلى ثَورٍ( متفق عليه.
لا يُنفَّرُ صَيدُها، ولا يُؤخَذُ طَيرُها، ولا يَعضَدُ شَوكُها، ولا يُقطَعُ عِضاهُها، ولا يُختَلَى خَلاها، ولا يُقطَعُ منها شَجرة إلا أن يُعلِفَ الرَّجُلُ بعِيرَه، ولا تُلتَقَطُ لُقطتُها إلا لمُنشِد.
ولا يَكِيدُ أهلَ المدينةِ أحَدٌ أو يُريدُهم بسُوءٍ أو شرٍّ إلا انْمَاعَ كما ينْمَاعُ المِلْحُ في الماءِ.
بارَكَ الله لي ولكم في الوحيَين، ونفعَني وإياكم أستغفِرُ اللهَ لي ولكم ولجميعِ المُسلمين والمسلمات من كلِّ الذنوبِ، فاستغفِرُوه ، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله ذي الطَّولِ نِعَمًا وامتِنانًا، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أفاضَ علينا من جَزيلِ آلائِه أمنًا وإيمانًا،
وأشهدُ أن نبيَّنا وسيِّدَنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، صلَّى الله وبارَك عليه، وعلى آلِهِ وصحبِه والتابِعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أَمَّا بعدُ:
فيا أمة الإسلام: ومِن فضائِلِ المدينة: أنها حَبيبةُ المحبُوبِ – ﷺ – بأبي هو وأُمِّي – عليه الصلاة والسلام -، الذي كان يقولُ: «اللهم حبِّبْ إلينَا المدينةَ كحُبِّنا مكَّة أو أشدَّ) متفق عليه
أيها المُسلمون: وفي سُكنَاها من البَرَكة ما يُستحقَرُ دُونَها كلُّ رغَدٍ ورَخاءٍ. عن أبي هُريرة – t- ، دعَا لها النبيُّ – ﷺ – بالبَرَكة فقال: «اللهم اجعَل في المدينةِ ضِعفَي ما بمكَّة من البَرَكة، واجعَل البَرَكةَ برَكَتَين (متفق عليه
أيها المُسلمون: قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ آل عمران: 31(
ومُقتضَى طاعتِه ومحبَّتِه – ﷺ -: تعلُّمُ آداب زيارة مسجِدِه، وآداب السلامِ عليه وعلى صاحِبَيه – رِضوانُ الله عليهما -، وآداب الإقامةِ في مدينتِه النبويَّة المُنوَّرة، وتجريدُ المُتابعةِ له في أخلاقِه المُحمديَّة، وشمائِلِه المُصطفويَّة، وعدمُ التقدُّم عليه ورفعُ الصوتِ عندَه، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾) الحجرات: 2، 3).
إخوة الإسلام: إن الواجِبَ علينا جميعًا أن نرعَى الآدابَ الشرعيَّة تِجاهَ هذه المدينة الطاهِرة، وتِجاهَ هذا المسجد النبويِّ الشريفِ. ولكن، الله المُستعان! هل من الأدبِ أن يُمارِسَ العبدُ فيها ما يُخالِفُ العقيدةَ الصحيحةَ، والسنَّةَ القويمَةَ، أو يقترِفَ بدعةً أو مُخالفةً كادعائه ﷺ لقضاء الحجات وغيره.
وأن يتفرَّغَ زائِرُوها للزيارَة، ولا ينشغِلُوا عن العبادة والزيارة بالهواتِفِ المحمُولة، أو التصوير، أو نحوِه.
نسألُ الله تعالى بأسمائِه الحُسنى، وصِفاتِه العُلَى أن يرزُقَنا التأدُّبَ بآدابِ الإسلام، وأن يرزُقَنا اتِّباعَ سُنَّته صلى الله عليه وسلم .
فاتَّقُوا الله – عباد الله صلُّوا وسلِّمُوا – رحِمَكم الله – على الهادِي البشير، والسِّراجِ المُنير، كما أمرَكم بذلك المولَى اللطِيفُ الخَبيرُ، فقال الله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ ) الأحزاب: 56).
وقال – صلى الله عليه وسلم -: «مَن صلَّى علَيَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا)
اللهم صلِّ على مُحمدٍ وعلى آل مُحمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وبارِك على مُحمدٍ وعلى آل مُحمدٍ،
كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالَمين، إنك حميدٌ مجيد.
﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ (البقرة: 201)
سُبحانَ ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصِفُون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين



















































