| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 270 | صفة الحج خطوة بخطوة | د. عثمان صالح تروري ـــ عضو الاتحاد في مالي | 08/11/1447هـ الموافق 24/04/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: “صفة الحج خطوة بخطوة”
الحمدُ لله الذي جعلَ ﴿الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ المائدة 97.
جَعل أفئدةَ الناسِ تهوي إليه رجالاً ورُكبانًا، وعلى كلِ ضَامِر، أحمدُه – سبحانه – وأشكُرُه، وأتوبُ إليه وأستغفرُه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، شهادةً نرجُو بها الثباتَ على دِينِه، والنجاةَ يومَ أن نَلقاه، وأشهدُ أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه، وخليلُه وخِيرتُه من خلقِه، سَيِّدُ الأولينَ والآخرين، وقائدُ الغُرِّ المحجَّلين، فصلواتُ الله وسلامُه عليه، وعلى آلِهِ الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجِه أمهاتِ المؤمنين، ورضي الله عن الصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فاتَّقوا الله – عبادَ الله -، واعلَموا أن الأيامَ قُلَّب، والزمنَ يمُرُّ مَرَّ السَّحاب، ما مضَى منه فَات، والمُستقبلُ غَيْبٌ، وليس لنا إلا الساعةُ التي نحنُ فيها.
فالبدارَ البدارَ للهِ بالتقوَى، والاستِمساك بالعُروةِ الوُثقى، ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ طه 123.
أيها المُسلمون .. حجَّاج بيتِ الله الحرام: فإذا أتم الحاج المعتمر عمرته وانتظر الحج اغتنم فرصة انتظاره بالحفاظ على الصلاة في المسجد الحرام والإكثار من الطواف بالبيت، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ) رواه أحمد. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ) رواه ابن ماجه.
ثم ليعلم أن أعمال الحج تبدأ من اليوم الثامن إلى اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، والأعمال المشروعة في هذه الأيام هي كالتالي:
* أعمال اليوم الثامن:
- الإحرام للحج في المنزل قائلا: لبيك حجا.
- الخروج إلى منى وقت الضحى، وفي الغالب يبدأ الحجاج الخروج من الليل لأجل الزحمة.
- وإذا وصل منى صلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء قصرا بلا جمع، والفجر.
* أعمال اليوم التاسع (يوم عرفة):
- الخروج إلى عرفة وقت الضحى.
- الوقوف فيه من الزوال وصلاة الظهر والعصر فيه جمعا وقصرا، وعرفات كلها موقف.
- الإكثار من الدعاء والذكر فيه بعد الصلاة إلى الغروب، وليكثر من قول: لا إله الله وحده لا شريك له …..، لما رواه مالك عن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) ويستقبل القبلة عند الدعاء.
وقد ورد فضل يوم عرفة في أحاديث كثيرة منها ما روي عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ) مسلم .
- مغادرة عرفة عند الغروب إلى المزدلفة وصلاة المغرب والعشاء فيها والمبيت بها.
* أعمال اليوم العاشر (يوم العيد) :
- صلاة الفجر بالمزدلفة ، والإكثار من ذكر الله بعد الصلاة بالمشعر الحرام
- مغادرة المزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس
- التقاط سبع حصيات على الطريق إلى منى
- رمي جمرة العقبة بالحصيات السبع ويكبر مع كل حصاة
- ذبح الهدي.
- حلق الرأس أو قصره والحلق أفضل.
- طواف الإفاضة بالكعبة، وهو مثل الأول إلا أنه لا يكشف الكتف، ولا يسرع في الأشواط الثالثة الأولى.
- يصلى ركعتين بعد الطواف، ثم يسعى بين الصفا والمروة كما فعل في العمرة.
- ولا بأس من تقديم هذه الأعمال بعضها على بعض، فمن أدى ثلاثة منها تحلل تحللا أصغر فيباح له كل المحظورات إلا النساء، ومن أداها كلها فقد تحلل تحللا أكبر ويباح له كل المحظورات حتى النساء.
- العودة إلى منى للإقامة.
والغالب في حجاجنا أنه يشق عليهم الذهاب إلى مكة يوم النحر للطواف، لذا يؤخرون الطواف إلى ما بعد النزول من منى وهذا جائز.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ البقرة 203.
قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل لبعض الأزمان مزيدا من الفضل والحرمة، أحمده -سبحانه- على عميم الخير والنعمة، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، يشمل العباد في العفو والغفران والمنة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، المبعوث إلى خير أمة، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ذوي الحجا والحكمة.
أَمَّا بعدُ:
* أعمال اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر :
- الإقامة في منى والإكثار من ذكر الله تعالى أثناءها
- رمي الجمرات بعد الزوال من كل يوم، وصفة رمي الجمرات كالآتي:
× يبدأ بالجمرة الدنيا فيرميها بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة، وإذا رماها تنحى يمينا ووقف مستقبلا القبلة، ودعا طويلا
× ينتقل إلى الجمرة الوسطى ويرميها بسبع حصيات مثل الأولى، ثم يتنحى يمينا مستقبلا القبلة ويدعو طويلا
× ثم ينتقل إلى جمرة العقبة (الأخيرة) ويرميها بسبع حصيات كالسابقة، ولا يدعو بعده.
فإذا اكتمل له يومان أو ثلاثة نزل مكة، وقد انتهى له حجه، وإذا تقرر سفره طاف البيت طواف وداع، لما روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:
(أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ) البخاري، وليس من المشروع الخروج من المسجد على الظهر.
هذا وصلُّوا – رحمكم الله – على خيرِ البريَّة، وأزكى البشريَّة: محمد بن عبد الله صاحبِ الحوضِ والشفاعة؛ فقد أمرَكم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسِه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم – أيها المُؤمنون -، فقال – جل وعلا -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب 56.
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ صاحبِ الوجهِ الأنوَر، والجَبين الأزهَر، وارضَ اللهم عن خُلفائِه الأربعة: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابةِ نبيِّك محمدٍ ﷺ، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِك وجُودِك وكرمِك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشركَ والمشركين، اللهم انصُر دينَكَ وكتابَكَ وسُنَّةَ نبيِّك وعبادَكَ المؤمنين.
اللهم فرِّج همَّ المهمُومين من المُسلمين، ونفِّس كربَ المكرُوبِين، واقضِ الدَّيْنَ عن المَدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المُسلمين، وسلِّم الحُجَّاجَ والمُسافِرِين في برِّك وبحرِك وجوِّك يا أكرمَ الأكرمين، اللهم آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِح أئمَّتَنا وولاةَ أمورِنا، واجعَل ولايتَنا فيمن خافَك واتَّقَاك واتَّبعَ رِضاك يا رب العالمين.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 268 | تعظيم الأشهر الحرم | الشيخ أسامة خياط – خطيب مسجد الحرام | 29/10/1447هـ الموافق 17/04/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: “تعظيم الأشهر الحرم”
الحمد لله حمدَ مَنْ يرجو من الله النجاة وحُسْن العقبى، أحمده -سبحانه- على ترادُف نعمه التي لا تُحصى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له،
له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، النبي المجتبى والرسول المرتضى، صاحب الحوض والشفاعة العظمى
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أُولِي الريادة والزهادة والنهى.
أَمَّا بَعْدُ:
فاتقوا الله -عباد الله- وراقِبُوه وعظِّمُوه، وأنيبوا إليه وأطيعوه واحذروا أسباب سخطه، ولا تعصوه، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ البقرة 281
عباد الله: إن الله -تعالى- يختص بحكمته ورحمته ما شاء من الأزمنة والأمكنة بما شاء من العبادات والقربات التي يزدلف العباد القانتون المخبتون بها إليه، مبتغين بها الوسيلة في سَيْرِهم إلى ربهم، بحُسْن القدوم عليه، ويُمْن الوفود عليه، ولقد كان مما كتبه -عز اسمه- وافترضه على لسان خليله إبراهيم وولده إسماعيل -عليهما السلام-: تحريم أشهر من السنة وتعظيمها بتحريم القتال فيها، وتواتر ذلك التحريمُ حتى نقلته العرب بالتواتر القولي والعملي، وتلك هي الأشهر الأربعة التي أشار إليها -سبحانه- بقوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ التوبة 36.
وبينها رسول الهدى ﷺ بقوله في خطبة حجة الوداع: “إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ –تَعَالَى- السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ؛ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ” الشيخان، من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-.
وإنما كانت الأشهر الحرم على هذه الصفة ثلاثة سرد وواحد فرد كما قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: “لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، وحرم قبل شهر الحج شهر وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يُوقِعُونَ فيه الحجَّ، ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرَّم بعده شهرًا آخر؛ وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى نائي بلادهم آمنين، وحرم رجبًا في وسط الحَوْل؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه آمنا”. انتهى كلامه -رحمه الله-.
وأما استدارة الزمان فهي عودة حساب الشهور إلى ما كان عليه من أول نظام الخلق الذي كتبه الله وقدره، فوقع حجه ﷺ في تلك السنة في ذي الحجة الذي هو شهره الأصلي، ذلك أنهم -كما قال أهل العلم بالحديث؛ كالإمام الخطابي والحافظ ابن حجر وغيرهما- كانوا على أنحاء: منهم من يسمي المحرم صفرا، فيحل فيه القتال ويحرم القتال في صفر ويسميه المحرم.
ومنهم من كان يجعل سنة هكذا وسنة هكذا، ومنهم من يجعله سنتين هكذا وسنتين هكذا، ومنهم من يؤخر صفر إلى ربيع الأول وربيعا إلى ما يليه، وهكذا إلى أن يصير شوال ذا القعدة وذو القعدة ذا الحجة، ثم يعود العدد على الأصل فكانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل والتحريم والتقديم والتأخير لأسباب تعرض لهم، منها: استعجال الحرب فيستحلون الشهر الحرام ثم يحرمون بدله شهرا غيره، فتتحول في ذلك شهور السنة وتتبدل. انتهى.
وذلك هو النسيء الذي ذمه الله -تعالى- وبين أنه زيادة في الكفر؛ لأنه تشريع ما لم يأذن به الله مضاف إلى أصل كفرهم بالله والشرك به فقال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ التوبة 37، فتشريع الحلال والحرام والعبادة -يا عباد الله- هو حق لله وحده، فمن شرَّع من عند نفسه شرعًا فقد نازع الله -عز وجل- في حقه، وذلك شرك بربوبيته كما دل عليه قوله -سبحانه-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ الشورى 21
فيُضلون به سائر من يتبعهم من الكافرين، الذين يتبعونهم فيه ويتوهمون أنهم لم يخرجوا به عن ملة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-؛ حيث وطؤوا فيه عدة ما حرم الله من الشهور في ملته، وإن أحلوا ما حرمه الله وهو المقصود بالذات من شرعه لا مجرد العدل، وهذا كله من ظلم النفس في الشهر الحرام الذي نهى عنه ربنا بقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ التوبة 36
وظلم النفس -يا عباد الله- يشمل كل محظور يوبق المرء فيه نفسه، ويدخل فيه: هتك حرمة الشهر الحرام دخولا أوليًّا محقَّقًا، وهذا الظلم للنفس كما يكون بالشرك بالله -تعالى- وهو أعظم ظلم لها، كما قال تعالى على لسان لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمَانَ: 13]، فإنه يكون أيضا بالتبديل والتغيير في شرع الله، والتحليل والتحريم لمجرد الهوى والآراء الشخصية والاجتهادات والاستحسانات التي لا يسندها دليل صحيح من كتاب ربنا، أو سنة نبينا ﷺ.
ويكون ظلم النفس أيضا: باقتراف الآثام واجتراح السيئات في مختلف دروبها، فالذنب سوء وشؤم وظلم للنفس في كل زمان؛ لأنه اجتراء على العظيم المنتقم الجبار، المحسن إلى عباده من نعم الخاصة والعامة، المتحبب إليهم بالآلاء وهو الغني عنهم، لكنه في الشهر الحرام أشد سوءا، وأعظم جرما، وأفدح ظلما؛ لأنه جَامِعٌ بين الاجتراء والاستخفاف وبين امتهان وانتهاك حرمة ما حرمه الله وعظَّمه واصطفاه، فكما أن المعاصي تغلظ في البلد الحرام لقوله -عز اسمه-:
﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الحج 25، فكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام، ولهذا غلظت فيه الدية عند كثير من العلماء؛ كالإمام الشافعي -رحمه الله- وغيره.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: “إن الله اختص من الأشهر أربعة أشهر، جعلهن حراما وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيها أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم”، وقال قتادة -رحمه الله-: “إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء”. انتهى.
فاتقوا الله -عباد الله-، وعظِّمُوا ما عظَّم اللهُ، ومنها هذا الشهر الحرام الذي أظلكم، فعظِّمُوه بما شرَع اللهُ، وباتباع سنة الحبيب الهادي رسول الله ﷺ، وحذار من الابتداع حذار، حذار من الابتداع في دين الله ما لم يأذن به الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل لبعض الأزمان مزيدا من الفضل والحرمة، أحمده -سبحانه- على عميم الخير والنعمة، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، يشمل العباد في العفو والغفران والمنة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، المبعوث إلى خير أمة، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ذوي الحجا والحكمة.
أَمَّا بعدُ:
فيا عباد الله: حَرِيٌّ بمن رضي بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا أن يحجز نفسه عن الولوغ في الذنوب، وينأى بها عن مزالق الخطايا، ويكفها عن التلوث بأرجاس الإثم، وأن يترفع عن دواعي الهوى والنزوات والشطحات الموبقات المهلكات وتسويل الشيطان وتسويل النفس الأمارة بالسوء، وخطرات الشيطان وخطواته، وأن يذكر على الدوام أن الحياة أشواط ومنازل، تفنى فيها الأعمار وتنتهي الآجال، وتنقطع الأعمال، ولا يدري المرء متى يكون الفراق لها، وكم من الأشواط يقطع منها، وإلى أي مرحلة يقف به المسير.
فالسعيد مَنْ سَمَتْ نفسُه إلى طلب أرفع المراتب، وإلى ارتقاء أعلى الدرجات من رضوان الله ومحبته وغفرانه، فاتقوا الله -عباد الله- باستدراك ما فات، واغتنام ما بقي من الأزمنة الشريفة والأوقات الفاضلة المباركة، والتزام المسلك الراشد والنهج السديد في هذا الشهر الحرام وفي كل شهور العام بالإقبال على موائد الطاعة، ورياض القربات والاستمساك بما صح وثبت عن سيد الأنام ﷺ، وَأَعْرِضُوا عن كل مبتدَع لا أصل له، في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ.
فاتقوا الله -عباد الله- وعظِّموا ما عظَّمه الله باتباع رسول الله ﷺ واذكروا على الدوام أن الله -تعالى- قد أمركم بالصلاة والسلام على خير الأنام فقال في أصدق الحديث وأحسن الكلام:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزال 56.
وصلِّ اللهم وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبِه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 268 | الْحَجّ فَضَائِل وَتَنْبِيهَات | قسم المشاريع | 22/10/1447هـ الموافق 10/04/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: ” الْحَجّ فَضَائِل وَتَنْبِيهَات”
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ آل عمران: 102.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء: 1، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الأحزاب: 70-71.
أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادِ اللَّهِ: الْحَجُّ رِحْلَةٌ إِيمَانِيَّةٌ، وَتَرْبِيَةٌ رُوحِيَّةٌ، وَفِيه تَجْسِيدٌ عَمَلِي لِلْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ رَبِّ الْبَرِّيَّةِ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ السَّامِيَةِ، وَتَطْهِيرٌ لِلنَّفْسِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا وَالْاثَامِ، لِيَعُودَ الْمُسْلِمُ مِنْهَا بِنَفْسٍ سَوِيَّةٍ ،وَرُوْحٍ تَقِيَّةٍ نَقِيَّةٍ. وَالْحَجُّ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ، فَرَضَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، إذَا كَانَ مُسْتَطِيعًا، فِي بَدَنِهِ وَمَالِهِ، عَلَى أَدَاءِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَنَفَقَاتِه، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مِنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ آل عمران 79، وَلِكَيْ يَفُوزَ الْمُسْلِمُ بِالْحَجِّ الْمَبْرُورِ، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفَقَاتُه مِنْ مَالٍ حَلَالٍ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى طَيِّبٌ لَا يُقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ –ﷺ– (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يُقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا)، وَالْحَجّ رِحْلَةٌ تَهْفُو إلَيْهَا قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ، وَتَهِيمُ شَوْقًا إِلَيْهَا نُفُوسُ الْمُحِبِّينَ الْمُخْلِصِينَ، فَيَأْتُونَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ،لِيَجْسَدُوا مَعْنَى الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامِ مَعْدُودَاتٍ، مِنِّيبِينَ إلَيْهِ، خَاشِعِينَ لِعَظَمَتِهِ، تَارِكِينَ الدُّنْيَا بِكُلِّ مَا فِيهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، مُقْبِلِينَ عَلَى الْاخِرَةِ بِقُلُوبِهِمْ ،وَأَرْوَاحِهِمْ ،وَأَجْسَادِهِمْ، حَامِدَيْنَ اللَّهَ تَعَالَى، شَاكِرِين لأَنْعُمِهِ ، أَنْ وَفَّقَهُمْ لِأَدَاءِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ الْعَظِيمَة.
عِبَادَ اللَّهِ: وَالْحَجُّ فِيهِ مِنْ الدُّرُوسِ وَالْعِبَرِ الْكَثِيرُ وَالْكَثِيرُ؛ فَهُوَ يَغْرِسُ فِي نَفْسِ الْمُسْلَمِ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، وَعَظَائِمَ الْخِصَالِ، وَطَهَارَةَ الْقَلْبِ، وَالْمُسَارَعَةَ إلَى الْخَيْرَاتِ، وَالْكَفَّ عَنْ الْجِدَالِ الْعَقِيمِ الَّذِي لَا طَائِلَ مِنْ وَرَائِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجّ﴾ البقرة 19.
وَفِي الْحَجِّ تَعْظِيمٌ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ، وَاسْتِشْعَارٌ لِعَظَمَتِه فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) الحج 30، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ الحج 31، أَمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَيَّامِ اللَّهِ، وَهُوَ الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَاَلَّتِي بِدُونِهَا لَا يَصِحُّ الْحَجُّ، فَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ: (أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ – ﷺ– وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى « الْحَجُّ عَرَفَةَ) ، وَفِي هَذَا الْيَوْمِ تَنْزِلُ الرَّحَمَاتُ وَالْبَرَكَاتُ، وَتُقْبَلُ فِيهِ الطَّاعَاتُ وَالدَّعَوَاتُ، وَهُوَ يَوْمُ يُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ رِقَابَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – ﷺ– قَالَ: « مَا مِنْ يَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّ يُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مَنْ يَؤُمُّ عَرَفَةَ وَأَنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاء ».
عِبَادَ اللَّهِ: وَهُنَاكَ مَكَاسِبُ عَظِيمَةٌ يَعُودُ بِهَا الْحَاجُّ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْإِيمَانِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ؛ وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الْمَكَاسِبِ أَنَّ النَّبِيَّ – ﷺ– بَشَّرَهُ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ، يَقُولُ – ﷺ-: «وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» وَأَمَّا الْمَكْسَبُ الثَّانِي فَجَسَّدُه النَّبِيُّ – ﷺ– فِي قَوْلِهِ: «مِنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، أَيْ أنَّ الْحَاجَّ يَعُودُ مِنْ حَجَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمِنْ الْمَنَافِعِ الَّتِي يَجْنِيهَا الْحَاجُّ أَيْضًا الِالْتِقَاءُ بِهَذِه الْأَعْدَادِ الْغَفِيرَةِ مِنْ الْحَجِيجِ، عَلَى اخْتِلَافِ أَوْطَانِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَثَقَافَاتِهِمْ، وَعَادَاتِهِمْ وَتَقَالِيدِهِمْ، وَهُنَا يَسْتَشْعِرُ الْمُسْلِمُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ وَالْإِخْوَةِ، فَالْكُلُّ جَاءُوا بِلِبَاسٍ وَاحِدٍ، وَوَقَفُوا عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَهُدَفُهُم وَاحِدٌ، وَهُوَ الْفَوْزُ بِالْحَجِّ الْمَبْرُورِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ،
صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بعدُ:
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لاَ تُعَدُّ وَلاَ تُحْصَى.
عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنَ الْمَكَاسِبِ الْعَظِيمَةِ أَيْضًا لِهَذِهِ الرِّحْلَةِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ: شُعُورُ الْمُسْلِم بِالْإِعْتِزَازِ لَأَنْتِمَائَهِ لِدَيْنٍ الْإِسْلَام، فَحِينَمَا يَرَى هَذِهِ الْمَلَايِينَ، مِنَ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوَبٍ، لِيَجْتَمِعُوا فِي هَذَا الْمَكَانِ الْمُبَارَكِ عَلَى قَوْلِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْك، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، وَهَذَا الْمُظْهَرُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ نَجَدَهُ فِي غَيْرِ أُمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهُنَا يَحِقُّ لِكُلِّ حَاجٍّ أَنْ يَفْخَرَ بِانْتِمَائَهِ لِهَذَا الدَّينِ الْعَظِيمِ، وَلِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُبَارَكَةِ.
فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَفَّقَهُ اللَّهُ إلَى الْحَجِّ أَن يَسْعَى جَاهِدًا إلَى الِاسْتِفَادَةِ مِنَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْمُبَارَكَة، حَتَّى يُقْبَلَ حَجُّهُ، وَيَفُوزَ بِرِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنَ الْحَجِّ أَنَّ يُبَدَّل سُلُوكَهُ إِلَى الْأَحْسَنِ، وَأنْ تَسْتَقِيمَ حَالُهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَهَذِهِ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ.
الَّلهُمَّ اجْعَلْنَا مِمنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ، اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ،
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ اشْرَحْ صُدُورَنَا لِطَاعَتِكَ وَأَعِنَّا عَلَى أَنْفُسِنَا الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي دُورِنَا، وَأَصْلِحَ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاِجْعَلْ وَلَايَتَناَ فِي مَنْ خَافَكَ وَاِتَّبَعَ رِضَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْغَلَاَءِ وَالرِّبَا والزِّنا، وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَسُوءِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَاقْضِ الدَّينَ عَنِ الْمَدِينِينَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 267 | الترغيب في الحج والترهيب في تركه | قسم المشاريع | 15/10/1447هـ الموافق 03/04/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: “الترغيب في الحج والترهيب في تركه”
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَتَمَّ عَلَى عِبَادِهِ الْمِنَّةَ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَكَمَلَ لَهُمُ الْمِلَّةَ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي شَرَعَ لَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا يُقَرِّبُهُمْ لِلْجَنَّةِ…
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمُسْتَحِقُّ لِلثَّنَاءِ وَالْحَمْدِ إجْلالًا وَتَعْظِيمًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ إِلَى الْخَلْقِ بَشيرًا وَنَذِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ وائْتَمِرُوا بأَمْرِهِ، وبَادِرُوا بحَقِّهِ، وَلا تَتَهَاوَنُوا فتَهُونُوا عَليهِ: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ الحج 18.
عباد الله، قال الله سُبَحانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران: 97،
وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (بُنيَ الإِسلامُ على خمسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيتِ، وَصَومِ رَمَضَانِ).
وَعَن أبي هريرةَ – t- قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ – ﷺ – فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللهَ قَد فَرَضَ عَلَيكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا)، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَسَكَتَ حتى قالها ثَلاثًا، فقال رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: (لَو قُلتُ: نَعَم، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا استَطَعتُم)، ثم قال: (ذَرُوني مَا تَرَكتُكُم ).
إخوة الإسلام، متى استَطَاعَ المُسلِمُ وَتَوَفَّرَت فِيهِ شُرُوطُ وُجُوبِهِ وَجَبَ أَن يُعجِّلَ بِأَدَاءِ فَرِيضَةِ اللهِ فِيهِ، وَلم يَجُزْ لَهُ تَأخِيرُهُ وَلا التَّهَاوُنُ بِهِ، يقول الشيخُ ابنُ بَازٍ – رحمه اللهُ -: (مَن قَدَرَ عَلى الحَجِّ ولم يَحُجَّ الفَرِيضَةَ وَأَخَّرَهُ لِغَيرِ عُذرٍ فَقَد أَتَى مُنكَرًا عَظِيمًا وَمَعصِيَةً كَبِيرَةً، فَالوَاجِبُ عَلَيهِ التَّوبَةُ إِلى اللهِ مِن ذَلِكَ وَالبِدارُ بِالحَجِّ). ويقول النبي – ﷺ -: (تَعَجَّلُوا إِلى الحَجِّ – يَعني الفَرِيضَةَ -؛ فَإِنَّ أَحَدَكُم لا يَدرِي مَا يَعرِضُ لَهُ)، وَقَالَ – ﷺ -: (مَن أَرَادَ الحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ؛ فَإِنَّهُ قَد يَمرَضُ المَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعرِضُ الحَاجَةُ(.
فَلْيَحمَدِ اللهَ – عز وجل – مَن مُدَّ في عُمُرِهِ وَأُنسِئَ لَهُ في أَجلِهِ، فَهَا هُوَ مَوسِمُ الحَجِّ قَد أَشرَقَت شَمسُهُ، وَهَا هُمُ الحُجَّاجُ قَد بَدَؤُوا يَأتُونَ مِن أَقصَى الأَرضِ شَرقًا وَغَربًا، بَعضُهُم لَه سَنَوَاتٌ وَهُوَ يجمَعُ نفقة هذا الحج؛ يَقتَطِعُها مِن ماله؛ حتى جمع ما يُعِينُهُ على أَدَاءِ هَذِهِ الفَرِيضَةِ العَظِيمَةِ، وَالبعض مِنَّا في هَذِهِ البِلادِ قَد تَيَسَّرَت لَهُ الأَسبَابُ وَتَهَيَّأَت لَهُ السُّبُلُ، وَمَعَ هَذَا يُؤَخِّرُ وَيُؤَجِّلُ، قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ – t-: (لَقَد هَمَمْتُ أَن أَبعَثَ رِجَالاً إِلى هَذِهِ الأَمصَارِ، فَلْيَنظُرُوا كُلَّ مَن كَان لَهُ جِدَةٌ ولم يحُجَّ فَيَضرِبُوا عَلَيهِمُ الجِزيَةَ، ما هُم بِمُسلِمِينَ، مَا هُم بِمُسلِمِينَ(.
فيَا مَن لم تحُجُّوا وأنتم قادرون – اتقوا الله، وَبَادِرُوا إِلى أَدَاءِ هَذِهِ الفَرِيضَةِ العَظِيمَةِ وَأَسرِعُوا؛ فَإِنَّ هذه الطاعات ييسرها الله، وَلا يُقعِدَنَّكُمُ الشَّيطَانُ وَلا يَأخُذَنَّكُمُ التَّسوِيفُ، وَلا تُلهِيَنَّكُمُ الأَمَانِيُّ البَاطِلَةُ أَو تَخدَعَنَّكُمُ الحِيَلُ الكَاذِبَةُ، فَتُؤَخِّرُوا الحَجَّ كُلَّ عَامٍ إِلى الذي يَلِيهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُم لا يَعلَمُ أَينَ هُوَ العَامَ القَادِمَ أَفَوقَ التُّرَابِ أَم تحتَهُ؟! وَتَأَمَّلُوا في حَالِ الأَجدَادِ كَيفَ كَانُوا يحُجُّونَ، وَكَيفَ سَارُوا عَلَى أَقدَامِهِم وَامتَطَوا رَوَاحِلَهُم شُهُورًا وَلَيَاليَ وَأَيَّامًا لِيَصِلُوا إلى البَيتِ العَتِيقِ وَيَقضُوا تَفَثَهُم، وَنحنُ وَللهِ الحَمدُ في نِعمَةٍ لم يَسبِقْ لها مَثِيلٌ، لَكِن مِنَّا مَن يُلَبِّسُ عَلَيهِ الشَّيطَانُ وَيَفتَعِلُ لَهُ الأَعذَارَ.
فيَا مَن لم تحُجُّوا وأنتم قادرون – اتقوا الله، وَبَادِرُوا إِلى أَدَاءِ هَذِهِ الفَرِيضَةِ العَظِيمَةِ وَأَسرِعُوا؛ فَإِنَّ هذه الطاعات ييسرها الله، وَلا يُقعِدَنَّكُمُ الشَّيطَانُ وَلا يَأخُذَنَّكُمُ التَّسوِيفُ، وَلا تُلهِيَنَّكُمُ الأَمَانِيُّ البَاطِلَةُ أَو تَخدَعَنَّكُمُ الحِيَلُ الكَاذِبَةُ، فَتُؤَخِّرُوا الحَجَّ كُلَّ عَامٍ إِلى الذي يَلِيهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُم لا يَعلَمُ أَينَ هُوَ العَامَ القَادِمَ أَفَوقَ التُّرَابِ أَم تحتَهُ؟! وَتَأَمَّلُوا في حَالِ الأَجدَادِ كَيفَ كَانُوا يحُجُّونَ، وَكَيفَ سَارُوا عَلَى أَقدَامِهِم وَامتَطَوا رَوَاحِلَهُم شُهُورًا وَلَيَاليَ وَأَيَّامًا لِيَصِلُوا إلى البَيتِ العَتِيقِ وَيَقضُوا تَفَثَهُم، وَنحنُ وَللهِ الحَمدُ في نِعمَةٍ لم يَسبِقْ لها مَثِيلٌ، لَكِن مِنَّا مَن يُلَبِّسُ عَلَيهِ الشَّيطَانُ وَيَفتَعِلُ لَهُ الأَعذَارَ.
عباد الله، إِنَّ فَضلَ الحَجِّ عَظِيمٌ وَأجرُهُ كَبِيرٌ، وَهُوَ يجمَعُ بَينَ العِبَادَةِ البَدَنِيَّةِ وَالمَادِيَّةِ، وَالأَحَادِيثُ في فَضلِهِ وَعَظِيمِ أَجرِهِ وَأَثرِهِ كَثِيرَةٌ، قال – ﷺ -: (مَن حَجَّ هَذَا البَيتَ فَلَم يَرفُثْ ولم يَفسُقْ رَجَعَ كَيَومِ وَلَدَتهُ أُمُّهُ)، وَسُئِلَ – ﷺ -: أَيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ؟! قال: (إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ)، قِيلَ: ثم مَاذَا؟! قال: (جِهَادٌ في سَبِيلِ اللهِ)، قِيلَ: ثم مَاذَا؟! قال: ( حج مَبرُورٌ)، السنن الكبير للبيهقي . وقال – ﷺ -: (تَابِعُوا بَينَ الحَجِّ وَالعُمرَةِ، فَإِنهما يَنفِيَانِ الفَقرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَيسَ لِلحَجَّةِ المَبرُورَةِ ثَوَابٌ إِلاَّ الجَنَّةُ)، وقال – ﷺ -: (مَا مِن يَومٍ أَكثَرَ مِن أَن يُعتِقَ اللهُ فِيهِ عَبدًا مِنَ النَّارِ مِن يَومِ عَرَفَةِ). وَمَعَ هَذَا الأَجرِ العَظِيمِ وَالثَّوابِ الجَزِيلِ فَإِنَّ أَيَّامِ الحَجِّ قَلِيلَةٌ معدودة.
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيم: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ البقرة: 197.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم -.وأقول ما سمعتم، وأستغفر الله….
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ ربِّ الْعَالَمِين، والصلاةُ والسلامُ عَلَى الرسولِ الكريمِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الَّذِي علَّم أمتَه كلَّ خيرٍ، وَحَذَّرهم مَن كلِّ شرٍّ، صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَعَلَى آلِه وَصَحِبَه أَجْمَعِين.
أَمَّا بعدُ:
عباد الله، من عزم على الحج فإنه يجب عليه أن يتفقه في أحكام هذا الحج والطريقة الصحيحة لأداء هذا النسك العظيم، فقد قال – ﷺ -: (خذوا عني مناسككم) وعليه أن يتعلم من أهل العلم ويسألهم عما أشكل عليه، حتى يعبد الله على بصيرة.
أيُّهَا الإِخوَةُ الكرام، يسأل البعض عن الحج مع الديون، وربما يكون الفهم الخاطئ يؤخر البعض عن أداء هذه الفريضة، وللبيان فإنها لا تخلُو مِن أَن تَكُونَ دُيُونًا حَالَّةً أَو مُؤَجَّلَةً، فَإِن كَانَت مُؤَجَّلَةً فَلا إِشكَالَ، وَإِنْ كَانَت حَالَّةً وَقَدَرَ عَلَى دَفعِهَا وَعَلَى نَفَقَةِ الحَجِّ لَزِمَهُ أَنْ يحُجَّ، وَإِنْ اجتمع عَلَيهِ الحج والدَّين في وقت واحد وَلم يَستَطِعْهُما مَعًا فَلْيُقَدِّمْ الدَّين الذِي يُطَالَبُ بِهِ، وَلْيُؤَخِّرِ الحَجَّ إِلى أَن يَستَطِيعَهُ؛ وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى الإِنسَانِ دَينٌ طَوِيلُ الأَمَدِ، كالأقساط، وَهُوَ وَاثِقٌ مِن أَنَّهُ كُلَّمَا حَلَّ عَلَيهِ قِسطٌ أَوفَاهُ، فَإِنَّهُ في هَذِهِ الحَالِ إِذَا تَوَافَرَ عِندَهُ المَالُ وَقتَ الحَجِّ فَعليه أن يحج فريضته؛ ولا حرج عليه؛ لأن نفقة الحج لا تؤثر على سداد أقساط هذه الديون.
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، وَاحرِصُوا عَلَى فَرَائِضِهِ، وَتَقَرَّبُوا إِلَيهِ بها، فَإِنَّهَا أَحَبُّ ما يتقرب به العباد إليه سبحانه، وَتَزَوَّدُوا مِنَ النَّوافِلِ وَاستَكثِرُوا مِنهَا يُحبِبْكُمْ وَيُوَفِّقْكُم وَيَجعَلْ لَكُم نُورًا تَمشُونَ بِهِ وَيَغفِرْ لكم، قال -تعالى ذِكرُهُ- في الحَدِيثِ القُدسِيِّ: (وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِليَّ ممَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبتُهُ كُنتُ سمعَهُ الذِي يَسمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذِي يُبصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ التي يَبطِشُ بها، وَرِجلَهُ التي يَمشِي بها، وَإِنْ سَأَلَني لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ استَعَاذَني لأُعِيذَنَّهُ).
وأخيرا عِبَاد اللَّه: فَالْوَصِيَّة للجميعِ المبادرةُ بأداءِ هذهِ الفريضةِ العظيمةِ مَتَى تمكَّنوا مَن ذلكَ، فالأعمارُ قصيرةٌ، والآجالُ محدودةٌ، والذِّمةُ مشغولةٌ بالواجبِ حَتَّى أدائِه.
أسألُ اللهَ تَعَالَى أن يمنَّ عَلَيْنَا وعليكم بالحجِّ المبرورِ، والسعيِ المشكورِ، والذنبِ المغفورِ.
هَذا وصلُّوا وسلّموا عَلَى الحبيبِ الْمُصْطَفَى والنبيّ الْمُجْتَبَى محمدِ بنِ عبدِ اللهِ فَقَد أَمَرَكُم اللهُ بِذَلِك فَقَال جلَّ مَن قائلٍ عليمًا:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنِ اسْتَمَعَ الْقَوْلَ فَاتَّبَعَ أَحْسَنَهُ وَارْزُقْنَا الْعَمَلَ بِمَا يُرْضِيكَ، اللَّهُمَّ اشْرَحْ صُدُورَنَا لِلْهِدَايَةِ، وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِالطَّاعَةِ، وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا وَاعْفُ عَنْ سَيِّئَاتِنَا، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين، اَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ أَعْطِنَا وَلا تَحْرِمْنَا وَأَكْرِمْنَا ولا تُهِنَّا، اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلا تُعِنْ عَليْنَا، اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَمَوْتَ الشُّهَدَاءِ، وَالحَشْرَ مَعَ الأَتْقِيَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الأَنْبِيَاءِ.
اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِينَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، وَدَمِّرْ أَعَدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينَ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ وُلاةَ أُمُورِنَا وَأَصْلِحْ بِطَانَتَهُم وأَعْوَانَهَم يَا رَبَّ العَالـَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْغَلَاَءِ وَالرِّبَا والزِّنا، وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَسُوءِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِينَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نبيِّنَا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 266 | من ثمرات صيام التطوع | قسم المشاريع | 08/10/1447هـ الموافق 27/03/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: “من ثمرات صيام التطوع”
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشْهدُ أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له، وأشْهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه، وعلى آله وصحبِه والتابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً.
أَمَّا بَعْدُ:
فأوصيكم عبادَ اللهِ ونفسي بتقوى اللهِ جلَّ وعلا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران:102.
عباد الله: إن محبةَ اللهِ -جلَّ وعلا- وطاعته ودخولَ جنتهِ والتلذذَ برؤيتهِ هي المنزلةُ العظمى، والغايةُ الكُبرىَ التي يسعى إليها المؤمنونَ الصادقون، ويتنافسُ عليها المتنافسُون، وإليها تشخصُ عيونُ العاملين، ومن أجلها يتفانى المحبون، وبِرَوحِ نسيمها يتروَّح العابدون، فهي قوتُ القلوبِ، وغذاءُ الأرواحِ، وقرةُ العيونِ، وهي النورُ الذي من فقده غَرِقَ في بحارِ الظلماتِ، وهي الشفاءُ من أمراضِ الغفلةِ والشهواتِ والشبهاتِ، واللذةُ التي من لم يظفرْ بها فعيشتهُ كلُّها آلامٌ وهمومٌ، وهي روحُ الإيمانِ والأعمالِ، وهي الحياةُ السعيدةُ التي من حُرِمها فهو من جملةِ الأمواتِ.
ومن رحمةِ اللهِ -جل وعلا- بعبادهِ أن شرَع لهم من الأعمالِ ما يعينُهم بها على الوصولِ لتلك المحبةِ، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –ﷺ-: (نَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) رواه البخاري.
فمن أدَّى الفرائضَ، وأكثرَ من نوافلِ العباداتِ أحبَّه اللهُ، وقرَّبه إليه، ووفَّقه لطاعتِه، وأجابَ دعاءَه، وحفظه في حواسِه، وأعانَه على أمرِ دينِه ودنياهُ وآخرتِه.
عباد الله: لقد جعل اللهُ مع كلِّ فريضةٍ افترضَها على عبادِه نافلةً من جِنسِها لتكونَ جابرةً لما يحصلُ فيها من النقصِ والخللِ، وهذه من رحمةِ اللهِ بعباده لعلمهِ بضعفهِم، وما يعتريهِم من النقصِ، وإنَّ من أفضلِ نوافلِ العباداتِ وأحبِّها إلى الله عبادةَ الصيامِ، قال – ﷺ -: (مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) رواه البخاري ومسلم.
وصيامُ التطوُّعِ من أعظمِ شُعبِ الإيمانِ، وأجلِّ خصالِ التعبُّدِ، وقد تضافرتِ النصوصُ الشرعيةُ في الحثِّ عليه، ومدحِ أهلِه، ووَعَدَهم بالأجرِ العظيمِ والثوابِ الجزيلِ، قال الله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ الأحزاب:35.
وقال -جل وعلا- في كتابِه مذِّكراً عبادَه بما ينالُهم من العيشةِ الهنيةِ عند دخولهِم الجنةِ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة﴾ الحاقة:24، قال مجاهدُ -رحمه الله-: “نزلت هذه الآيةُ في الصائمين”.
وهذا الصيامُ ينقسمُ إلى: تطوُّعٍ مطلقٍ: وهو أن يتطوعَ المسلمُ بصيامِ أيِّ يومٍ أرادَ من أيامِ السنةِ، إلا ما ورد النهيُ عنه كيومي العيدين، وأيامِ التشريقِ، وصيامِ يومِ الجمعةِ لمن قصد صومَه وحده.
ومن صورِ التطوعِ المطلقِ صيامُ يومٍ وفطرُ يومٍ، قال – ﷺ -: “..أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا” رواه البخاري ومسلم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُون * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُون * وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون﴾ [المؤمنون:60ـ 62].
بارك اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيمِ أقولُ ما سمعتمْ فاستغفروا اللهَ يغفرْ لي ولكم إنه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
لحمدُ للهِ على فضلِه وإحسانِه، والشُّكرُ له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له تعظيماً لشأنِه، وأشهدُ أن محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه الداعي إلى جنتهِ ورضوانِه، صلى الله عليه وآله وصحبِه ومن سارَ على نهجِه إلى يومِ الدينِ وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فاتقوا الله -جل وعلا-، واعلموا أنَّ الدُّنيَا دارُ عملٍ، والآخرةَ دارُ جزاءٍ، فقدِّمُوا لأنفسِكُم ما ينفعكُم حتى تنالوا جزاءَكم عند ربٍّ كريمٍ رحيمٍ.
إخوة الإسلام: وثانيهما التطوُّع المقيدُ: وهو ينقسمُ إلى قسمين:
الأولُ: المقيّدُ بحالِ الشخصِ، كالشابِ الذي لم يستطعْ الزواجَ، كما في قوله – ﷺ-: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) رواه البخاري، ومسلم، فإنَّ هذا الصيامَ يتأكّدُ في حقهِ ما دام كان أعزباً.
وأما الثاني: فهو المقيدُ بوقتٍ معينٍ، ومن ذلك: صيامُ الاثنينِ والخميسِ، فعن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – ﷺ– كَانَ يَتَحَرَّى صِيَامَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس) رواه النسائيِ، وصححه الألباني.
وقد سئل – ﷺ- عن صيام يوم الاثنين ويوم الخميس فقال: (ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) رواه النسائي، وابن ماجه، وأحمد، وصححه الألباني.
ومن ذلك أيضاً: استحبابُ صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهرٍ: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْر) رواه البخاري، ومسلم.
والمستحبُ فيها صيامُ أيامِ البيضِ فعن أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه- قَال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ – ﷺ -: (إِذَا صُمْتَ شَيْئًا مِنْ الشَّهْرِ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) رواه النسائي، وابن ماجه، وأحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.
ومن ذلك أيضاً: صيامُ أيامٍ معينةٍ مخصوصةٍ، ومنها:
1- يومُ عاشوراء: وهو اليومُ العاشرُ من شهرِ محرمِ، فقد قال – ﷺ- (صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَه) (رواه مسلم). ويسن أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده لمخالفة اليهود.
2- يومُ عرفةَ: وهو اليومُ التاسعُ من ذي الحجة، وهو مستحبٌ لمنْ لم يكن واقفاً بعرفة، قال – ﷺ-: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ..) (رواه مسلم).
أما ما يسن صومه في بعض شهور العام، فمنها:
1- صيامُ ستةِ أيامٍ من شوال: قال – ﷺ-: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (رواه مسلم).
2- صيامُ أيامٍ من شهرِ اللهِ المحرمِ: لقوله – ﷺ-: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ..) (رواه مسلم).
3- صيامُ أغلبِ أيامِ شهرِ شعبان: لما ثبتَ عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: “.. مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ – ﷺ- اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إَِلا قَلِيلاً” (رواه البخاري ومسلم).
فاحرصوا باركَ اللهُ فيكُم على هذا الخيرِ العظيمِ، وما يترتبُ عليهِ من الأجرِ الجزيلِ، فما ينفعُ العبدَ عند لقاءِ ربه إلا ما قدمَّهُ من عملٍ صالحٍ ينفعُه يومَ العرضِ عليِه.
هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جلَّ من قائل عليماً:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ.
اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَالتَابِعِيْنَ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيدَتَنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً لَهُ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
الأمين العام والمدير التنفيذي وبعض الأعضاء في دولة المقر يشاركون في حفل تخرج الدفعة العشرين من حفاظ القرآن الكريم (دفعة المرحوم الشيخ محمد كمارا) وتوزيع جوائز المسابقة الرمضانية الرابعة والعشرين في حفظ القرآن الكريم برعاية السيد: بدر على دامبلي.
المكان : مسجد الشيخ حسن آل الشيخ بمنظمة الفاروق.
بفضل الله وتوفيقه تم حفل تكريم تخريج الدفعة العشرين من حفاظ القرآن الكريم المزيد…
الأمين العام والمدير التنفيذي وبعض الأعضاء في دولة المقر يشاركون في حفل تخرج الدفعة العشرين من حفاظ القرآن الكريم (دفعة المرحوم الشيخ محمد كمارا) وتوزيع جوائز المسابقة الرمضانية الرابعة والعشرين في حفظ القرآن الكريم برعاية السيد: بدر على دامبلي.
المكان : مسجد الشيخ حسن آل الشيخ بمنظمة الفاروق.
بفضل الله وتوفيقه تم حفل تكريم تخريج الدفعة العشرين من حفاظ القرآن الكريم (دفعة المرحوم الشيخ محمد كمارا) وتوزيع جوائز الفائزين للمسابقة الرمضانية الرابعة والعشرين في حفظ القرآن الكريم برعاية السيد: بدر على دامبلي وذلك يوم الأحد 26 رمضان 1447هـ الموافق ل 15 مارس 2026م بمسجد الشيخ حسن آل الشيخ بمنظمة الفاروق في باماكو/ مالي
وقد حضر كثير من الأئمة والدعاة والشخصيات في الدولة وعلى رأسهم:
َمعالي وزير الشؤون الدينية والعبادة والعادات في مالي الدكتور محمد عمر كوني ، وبإشراف وإعداد خادم القرآن الكريم الدكتور أبو صالح الإمام عثمان صالح تراوري عضو لجنة الاعلام والعلاقات العامة بمكتب إدارة الاتحاد، والشيخ موديبو منغاني عضو في كثير الجمعيات الإسلامية في مالي، والشيخ الأستاذ هود بكاري كوني عضو اتحاد علماء إفريقيا في دولة المقر، والأمين الإداري للمكتب التنسيقي لتجمع أهل السنة والجماعة في مالي والدكتور الإمام إبراهيم جابي عضو لجنة الاعلام والعلاقات العامة في مكتب إدارة اتحاد علماء إفريقيا والأمين العام لرابطة الدعاة في مالي، وكثير من الأئمة والدعاة والشخصيات البارزة وممثلي المنظمات والجمعيات الإسلامية في باماكو.
وإليكم بعض اللقطات من الفعالية مع خالص الشكر والتقدير وتحيات مكتب الأمانة العامة لاتحاد علماء إفريقيا قسم الإعلام والمعلوماتية
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 265 | أول جمعة من شهر شوال 1447هــ بعنوان مَا أَحْسَنَ الطَّاعَةَ | قسم المشاريع | 01/10/1447هـ الموافق 20/03/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: ” مَا أَحْسَنَ الطَّاعَةَ بَعْدَ الطَّاعَةِ ”
الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَوَّنَ الأَشْيَاءَ وَأَحْكَمَهَا خَلْقَاً، وَقَسَّمَ بِحِكْمَتِهِ الْعِبَادَ فَأَسْعَدَ وَأَشْقَى، وَجَعَلَ للسَّعَادَةِ أَسْبَابًا فَسَلَكَهَا مَنْ كَانَ أَتْقَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ مَالِكُ الرِّقَابِ كُلِّهَا رِقَّاً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرُسُولُهُ أَكْمَلُ الْبَشَرِ خُلُقًا وَخَلْقَاً،
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ النَّاصِرِينَ لِدِيْنِ اللهِ حَقًّا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران 102.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: مَا أَحْسَنَ الطَّاعَةَ بَعْدَ الطَّاعَةِ؛ لأَنَّ فِي ذَلِكَ رِضْوَانَ اللهِ تَعَالَى وَزِيَادَةَ، وَمَا أَجْمَلَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ السَّيِّئَاتِ، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ هود 114، وَمَا أقْبَحَ السَّيِّئَاتِ بَعْدَ الْحَسَنَاتِ؛ لأَنَّ فِي ذَلِكَ غَضَبَ اللهِ تَعَالَى وَإِبْطَالَ الْعَمَلِ وَالطَّاعَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ محمد 33.
وَهَا هُنَا مَثَلٌ عَظِيمٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ، يَجْدُرُ بِنَا التَّفَكُّرُ فِيهِ وَالتَّدَبُّرُ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ امْرَأَةَ أَبْرَمَتْ غَزْلَهَا خِلَالَ شَهْرٍ وَأَحْكَمَتْهُ وَأَتْقَنَتْهُ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِالنَّقْضِ بَعْدَ إبْرَامِهِ، وَالنَّكْثِ بَعْدَ قُوَّتِهِ وَإِحْكَامِهِ، فَتَعِبَتْ عَلَى غَزْلِهِ ثُمَّ تَعِبَتْ عَلَى نَقْضِهِ، وَلَمْ تَسْتَفِدْ شَيْئَاً سِوَى الْخَيْبَةِ وَالْعَنَاءِ، ذَاكَ هُوَ المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ اللهُ للعُقَلاءِ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثَاً﴾ النحل 92؛ فَحَالُ هَذِهِ الغَازِلَةِ النَّاقِضَةِ لِغَزْلِهَا كَحَالِ الْجَادِّ فِي الطَّاعَةِ ، ثُمَّ أَعْقَبَهَا بِالتَّفْرِيطِ وَالْإِضَاعَةِ.
فَدُاوِمُوا عَلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ فِي كُلِّ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ، فَرَبُّ رَمَضَانَ هُوَ رَبُّ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَهُوَ أَحَقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَيُوَحَّدَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ فَتَحَ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا يَهْدِيهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَفَّاهُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ امْرِىءٍ يُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ.
فَالْزَمُوا مَا هَدَاكُمُ اللهُ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَاحْذَرُوا الرُّجُوعَ إِلَى الْمُنْكِرَاتِ وَالْقَبَائِحِ، فَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ مُنْتَهَى مِنَ الْعِبَادَةِ دُونَ الْمَوْتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الحجر 99.
وَاحْذَرُوا حَبَائِلَ الهَوَى والشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَأْسُورَاً، وَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْكُمْ بِثَأْرِهِ فَيَجْعَلَ أَعْمَالَكُمْ هَبَاءً مَنْثُوْرَاً، فَاسْتَعِيْنُوا عَلَيْهِ بِرَبِّكُمْ، وَرَدُّوهُ خَائِبًا مَدْحُوْرَاً، وَدُوْمُوا عَلَى الطَّاعَةِ لِيَكُوْنَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوْرَاً.
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ الحشر 18-20.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ،
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ وكَفَى، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسِولِهِ المُصْطَفَى، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ عَلى نَهْجِهِ واقْتَفَى.
أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – حَقَّ التَّقْوَى.
أَيُّهَا المسْلِمُونَ: أَتْبِعُوا الْحَسَنَاتِ بِالْحَسَنَاتِ تَكُنْ عَلَاَمَةً عَلَى قَبُولِهَا، وَتَكْمِيلًا لَهَا، وَتَوْطِينَاً لِلنَّفْسِ عَلَيْهَا، وَأَتْبِعُوا السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ تَكُنْ كَفَّارَةً لَهَا، وَوِقَايَةً مِنْ خَطَرِهَا وَضَرَرِهَا.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ شَرَعَ لَكُمْ بَعْدَ رَمَضَانَ أَعْمَالاً صَالِحَةً تَكُنْ تَتْمِيمَاً لأَعْمَالِكُمْ، وَعَلَاَمَةً عَلَى قَبُولِهَا، فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتَّاً مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» وَكَانَ ﷺ يَصُومُ الْاِثْنَيْنَ وَالْخَمِيْسَ، وَيَقُوْلُ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَومَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيْسِ، فَأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأنَا صَائِمٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَوْمُ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»، وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ ﷺ: «أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ: صَلاَةُ اللَّيْلِ».
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: قَالَ ﷺ: « يَا أيُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأرْحَامَ، وَصَلُّوا والنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلاَم».
وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ لَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى، وَسَلَكَ بِنَا سَبِيلَ أُوِلي الْتُّقَى، وَثَبَّتَنَا عَلَى الْحَقِّ وَالهُدَى.
عِبادَ اللهِ: قَالَ اللهُ جلَّ في عُلاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب 56.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ.
اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَالتَابِعِيْنَ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ اُنْصُرْ إِخْوَانَنَا المُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِ مَكَانٍ،
اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَاقْضِ الدَّينَ عَنِ الْمَدِينِينَ، وَاشْفِ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا،
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيدَتَنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً لَهُ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 264 | عيد الفطر 1447هــ | قسم المشاريع | 01/10/1447هـ الموافق 20/03/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: ” خطبة عيد الفطر ”
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَوَّعَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ، وَحَثَّهُمْ فِيهَا عَلَى الْقُرُبَاتِ وَالصَّالِحَاتِ، وَرَغَّبَهُمْ إِلَيْهَا بِمَا رَتَّبَهُ لَهُمْ مِنْ جَمِيلِ الْجَزَاءِ وَعَظِيمِ الْمَكْرُمَاتِ،
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى إِمَامِ الْهُدَى وَخَيْرِ الْقُدْوَاتِ، وَعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ، وَصَحَابَتِهِ الْأَبْرَارِ، مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَعَلَى دَرْبِهِمْ سَارَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ: اتَّقُوا رَبَّكُمْ؛ فَتَقْوَى اللَّهِ هِيَ الْمُلْجِمَةُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْوُقُوعِ فِي حُدُودِهِ، وَالْمُنْجِيَةُ فِي الْأُخْرَى مِنَ التَّعَرُّضِ لِعِقَابِهِ؛ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
عِبَادَ اللهِ: هَا هُوَ الْعِيدُ يَعُودُ، وَيُطِلُّ عَلَى الْأُمَّةِ، وَتَكْسُو الْمُسْلِمَ الْيَوْمَ فَرْحَةٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ ﷺ: (لِلصَّائِمِ فرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ) رواه مسلم، فَيُعَبِّرُ عَنْهَا الْمُؤْمِنُ بِاحْتِفَالِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْـمُبْهِجِ، فبِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْعِيدِ لَهجَتِ الْأَلْسُنُ بِتَكْبِيرِ اللهِ، فِي بُيُوتِ اللهِ، وَفِي الْـمَنَازِلِ، وَالطُّرُقاتِ، وَفِي الْأَسْوَاقِ، وفِي مُصَلَّياتِ الْعِيدِ، يَأْتَـمِرُون بِأَمْرِ اللهِ سُبحَانَهُ وتَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:185]، لَقَدْ تَشَنَّفَتِ الْأَسْمَاعُ، وَعِبادُ الرَّحمَنِ يُحْيُونَ سُنَّةً عَظِيمَةً، يَلْهَجُونَ بِالتَّكْبِيرِ فِي كُلِّ فِجَاجِ الْأَرْضِ، فَشِعَارُنَا مِنْ لَيلِ الْعِيدِ التَّكبيرُ: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ)، وَتِلْكَ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَسْتَـحِقُّ الشُّكْرَ وَالْحَمْدَ.
أيُّها المؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الْعِيْدِ وَمَنَافِعِهِ الْعُظْمَى، التَّوَاصُلَ بَيْنَ الـمُسْلِمِينَ، وَالتَّزَاوُرَ وَصِلَةَ الْأَرْحَامِ، وَإِفَشَاءَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ ذَلِكُمْ مِنْ أَسْبَابِ دُخُوْلِ الجَنَّةِ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بِنْ سَلَامٍ t قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ رضي الله عنه يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ «رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.
فَتَوَاصَلُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَتَفَقَّدُوْا أَقَارِبَكُمْ وَذَوِي أَرْحَامِكُمْ، وَأَفْشُوْا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَتَصَافَوا وَتَصَالَحُوا، وَتَسَامَحُوا وَاعْفُوا وَاصْفَحُوا عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكُمْ فَإِنَّهَا فُرْصَةٌ سَانِحَةٌ، وَتَبَسَّمُوا فِي وُجُوهِ أَهْلِيكُمْ وَإِخْوَانِكُمْ خاصَّةً وَالمسْلِمِينَ عَامَّةً، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ سَائِغَةٌ، وَتَرَاحَمُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَاحْفَظُوا حَقَّ الجِوَارِ، وَاسْأَلُوا عَنِ الْـمَرِيضِ وَأَعِينُوا الـْمُحْتَاجَ، وَزِيدُوا مِنْ بِرِّكُمْ بِوَالِدِيْكُمْ أَحْيَاءً كَانُوا أَوْ أَمْوَاتًا، وَضَاعِفُوا مِنْ إِحْسَانِكُمْ لِمَنْ بَلَغَ مِنَ الْوَالِدَيْنِ الْكِبَرَ عِنْدَكُمْ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَقَدْ أَوْصَى بِهِنَّ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَعَاشِرُوهُنَّ بِـالْمَعْرُوفِ، وَأَدُّوا حَقَّ اللهِ لَهُنَّ، وَادْعُوا اللهَ بِالرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ لِمَوْتَاكُمْ مِنْ أَقَارِبِكُمْ وَأَصْدِقَائِكُمْ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْبِرِّ وَالْوَفَاءِ وَحُسْنِ الْعَهْدِ.
حَانَ القِطَافُ لِفَرْحَةٍ نَجْنِيهَا _ أَجْرٌ لِصَوْمِ النَّفْسِ مِنْ بَارِيهَا
وَالزَّادُ فِيهِ بِوَصْلِنَا أَرْحَامَنَا _ زَادُ التُّقَى لِلرُّوحِ إِذْ يَكْفِيهَا
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
عِبَادَ اللهِ: تَذَكَّرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْنَا بِأَنْ رَزَقَنَا لاتِّبَاعِ نَهْجِ نَبِيِّهِ r، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ دُعَاةِ الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ، الَّذِينَ يَسْعَوْنَ لِإِبْدَالِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْنَا إِلَى التَّفَرُّقِ، وَالتَّشَتُّتِ، وَالضَّيَاعِ:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ*جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: 28، 29].
أَيُّهَا المسلمون والمسلماتُ: إِنَّ اللهَ قَدْ شَرَعَ لَنَا مِنَ الْأُنْسِ وَالسُّرُوْرِ فِي هَذَا الْعِيدِ مَا يُغْنِينَا بِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا نَهَانَا عَنْهُ، وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى فِي دِينِنَا فُسْحَةً بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ، فَلْيَكُنِ الْفَرَحُ فِي عِيدِنَا هَذا مُنْضَبِطًا بِمَا أَحَلَّ اللهُ لَنَا، وَلْنَتَجَنَّبِ الْإِسْرَافَ وَالتَّبْذِيرَ، وَكُلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.
يا معشرَ النساءِ: اتَّقين اللهَ وأدِّينَ ما أوجبَه اللهُ عليكنَّ من حُسنِ تربيةِ الأولادِ، ورعايةِ الأُسرةِ، وحقِّ الزوجِ، والجيرانِ، والأقرباءِ؛ ففي الحديث: «إذا صلَّت المرأةُ خمسَها، وصامَت شهرَها، وحفِظَت فرجَها، وأطاعَتْ زوجَها، قِيلَ لها: ادخُلي الجنةَ من أي أبوابِ الجنة شِئتِ» رواه ابنُ حِبَّانَ في صحيحِه.
عِبَادَ اللهِ: رَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى اتِّبَاعِ سُنَّةِ المُصْطَفَى، r، بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ فَفَهْمُهُمْ مُقَدَّمٌ عَلَى أَفْهَامِنَا، فَهُمْ أَقْرَبُ لِلتَّنْزِيلِ، وَأَفْهَمُ لِلتَّأْوِيلِ، وَكُونُوا مَعَهُمْ فِي جَمِيعِ مَرَاحِلِ حَيَاتِهِمْ؛ حَتَّى لَا تَذْهَبَ بِهِمُ الْأَهْوَاءُ والأفكارُ، فَتَقُودُهُمْ لِلْبُعْدِ عَنِ السُّنَّةِ، وَمُقَارَفَةِ الْبِدْعَةِ، تَحْتَ تَأْثِيراتٍ خَارِجِيَّةٍ أَوْ دَاخِلِيَّةٍ، تَعْبَثُ بِأَفْكَارِهِمْ، وَتَقُودُهُمْ لِزَرْعِ الْفِتْنَةِ فِي بِلَادِهِمْ، وَتَغْيِيرِ سُلُوكِهِمْ.
تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ، وَجَعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ وَإِخْوَانَنَا المسْلِمِينَ مِنْ عُتَقَائِهِ مِنَ النَّارِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلَى تَمَامِ الْمِنَّةِ وَتَوَاصُلِ النِّعْمَةِ بَعْدَ النِّعْمَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى شَفِيعِ الْأُمَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا المسْلِمُونَ: الصَّلاةُ قُرَّةُ عُيونِ المُوَحِّدِينَ، وَدَأْبُ الصَّالِحِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:132]، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: “الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ تَرْكُ الصَّلاةِ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ” صححه الشيخ ابن باز. فَكَمْ فَرَّطَ مُفَرِّطٌ فِي صَلَاتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ! خَاصَّةً فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَفِي أَيَّامِ الْأَعْيَادِ! فَاحْذَرْ أَنْ تَكونَ مِنْهُمْ!.
أَيُّهَا المسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ قَبُوْلِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَنْ يَسْتَمِرَّ المسْلِمُ عَلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَلْنَجْعَلْ مِمَّا وَفَّقَنَا اللهُ إِلَيْهِ فِي رَمَضَانَ مِنَ الطَّاعَاتِ دَافِعًا لَنَا لِلْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا بَعْدَ رَمَضَانَ، فَاحْرِصُوا يَا عِبَادَ اللهِ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ جَمَاعَةً فِي المسَاجِدِ، وَصُومُوا الْأَيَّامَ السِّتَّ مِنْ شَوَّالٍ وَمَا تَيَسَّرَ مِنْ صِيَامِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَالْأَيَّامِ الْبِيضِ، وَوَاظِبُوا عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ، وَاسْتَمِرُّوا فِي بَذْلِ الصَّدَقَةِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَإِنَّكُمْ تَعْبُدُونَ رَبًّا وَاحِدًا شَاهِدًا مُطَّلِعًا عَلَى أَعْمَالِكُمْ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِهِ، فَإِيَّاكُمْ يَا عِبَادَ اللهِ مِنَ التَّهَاوُنِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاحْذَرُوا مِنِ اقْتِرَافِ الْـمُحَرَّمَاتِ بَعْدَ رَمَضَانَ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: 92].
عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا رَحِمَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ الْعَوْدَةَ إِلَى بُيُوتِكُمْ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتُمْ مِنْهُ، تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ.
عِبَادَ اللهِ: صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّحْمَةِ المهْدَاةِ وَالنِّعْمَةِ المسْدَاةِ، نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عَزَّ قَائِلًا عَلِيمًا فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ قَوْلًا كَرِيمًا:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب:56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، صَاحِبِ الْوَجْهِ الْأَنْوَرِ وَالْجَبِينِ الْأَزْهَرِ وَالْخَلْقِ وَالْخُلُقِ الْأَكْمَلِ،
وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ:
أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَجُودِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ .
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّكَ سَمِيعٌ الدُّعَاءِ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا.
االلَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي عِيدِنَا وَفِي سَائِرِ أَيَّامِنَا، وَوَفِقْنَا لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَاجْعَلْهَا لَكَ خَالِصَةً، وَتَقَبَّلْهَا مِنَّا بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحمِينَ.

















































