الأمين العام والمدير التنفيذي وبعض الأعضاء في دولة المقر يشاركون في حفل تخرج الدفعة العشرين من حفاظ القرآن الكريم (دفعة المرحوم الشيخ محمد كمارا) وتوزيع جوائز المسابقة الرمضانية الرابعة والعشرين في حفظ القرآن الكريم برعاية السيد: بدر على دامبلي.
المكان : مسجد الشيخ حسن آل الشيخ بمنظمة الفاروق.
بفضل الله وتوفيقه تم حفل تكريم تخريج الدفعة العشرين من حفاظ القرآن الكريم المزيد…
الأمين العام والمدير التنفيذي وبعض الأعضاء في دولة المقر يشاركون في حفل تخرج الدفعة العشرين من حفاظ القرآن الكريم (دفعة المرحوم الشيخ محمد كمارا) وتوزيع جوائز المسابقة الرمضانية الرابعة والعشرين في حفظ القرآن الكريم برعاية السيد: بدر على دامبلي.
المكان : مسجد الشيخ حسن آل الشيخ بمنظمة الفاروق.
بفضل الله وتوفيقه تم حفل تكريم تخريج الدفعة العشرين من حفاظ القرآن الكريم (دفعة المرحوم الشيخ محمد كمارا) وتوزيع جوائز الفائزين للمسابقة الرمضانية الرابعة والعشرين في حفظ القرآن الكريم برعاية السيد: بدر على دامبلي وذلك يوم الأحد 26 رمضان 1447هـ الموافق ل 15 مارس 2026م بمسجد الشيخ حسن آل الشيخ بمنظمة الفاروق في باماكو/ مالي
وقد حضر كثير من الأئمة والدعاة والشخصيات في الدولة وعلى رأسهم:
َمعالي وزير الشؤون الدينية والعبادة والعادات في مالي الدكتور محمد عمر كوني ، وبإشراف وإعداد خادم القرآن الكريم الدكتور أبو صالح الإمام عثمان صالح تراوري عضو لجنة الاعلام والعلاقات العامة بمكتب إدارة الاتحاد، والشيخ موديبو منغاني عضو في كثير الجمعيات الإسلامية في مالي، والشيخ الأستاذ هود بكاري كوني عضو اتحاد علماء إفريقيا في دولة المقر، والأمين الإداري للمكتب التنسيقي لتجمع أهل السنة والجماعة في مالي والدكتور الإمام إبراهيم جابي عضو لجنة الاعلام والعلاقات العامة في مكتب إدارة اتحاد علماء إفريقيا والأمين العام لرابطة الدعاة في مالي، وكثير من الأئمة والدعاة والشخصيات البارزة وممثلي المنظمات والجمعيات الإسلامية في باماكو.
وإليكم بعض اللقطات من الفعالية مع خالص الشكر والتقدير وتحيات مكتب الأمانة العامة لاتحاد علماء إفريقيا قسم الإعلام والمعلوماتية
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 265 | أول جمعة من شهر شوال 1447هــ بعنوان مَا أَحْسَنَ الطَّاعَةَ | قسم المشاريع | 01/10/1447هـ الموافق 20/03/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: ” مَا أَحْسَنَ الطَّاعَةَ بَعْدَ الطَّاعَةِ ”
الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَوَّنَ الأَشْيَاءَ وَأَحْكَمَهَا خَلْقَاً، وَقَسَّمَ بِحِكْمَتِهِ الْعِبَادَ فَأَسْعَدَ وَأَشْقَى، وَجَعَلَ للسَّعَادَةِ أَسْبَابًا فَسَلَكَهَا مَنْ كَانَ أَتْقَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ مَالِكُ الرِّقَابِ كُلِّهَا رِقَّاً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرُسُولُهُ أَكْمَلُ الْبَشَرِ خُلُقًا وَخَلْقَاً،
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ النَّاصِرِينَ لِدِيْنِ اللهِ حَقًّا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران 102.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: مَا أَحْسَنَ الطَّاعَةَ بَعْدَ الطَّاعَةِ؛ لأَنَّ فِي ذَلِكَ رِضْوَانَ اللهِ تَعَالَى وَزِيَادَةَ، وَمَا أَجْمَلَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ السَّيِّئَاتِ، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ هود 114، وَمَا أقْبَحَ السَّيِّئَاتِ بَعْدَ الْحَسَنَاتِ؛ لأَنَّ فِي ذَلِكَ غَضَبَ اللهِ تَعَالَى وَإِبْطَالَ الْعَمَلِ وَالطَّاعَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ محمد 33.
وَهَا هُنَا مَثَلٌ عَظِيمٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ، يَجْدُرُ بِنَا التَّفَكُّرُ فِيهِ وَالتَّدَبُّرُ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ امْرَأَةَ أَبْرَمَتْ غَزْلَهَا خِلَالَ شَهْرٍ وَأَحْكَمَتْهُ وَأَتْقَنَتْهُ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِالنَّقْضِ بَعْدَ إبْرَامِهِ، وَالنَّكْثِ بَعْدَ قُوَّتِهِ وَإِحْكَامِهِ، فَتَعِبَتْ عَلَى غَزْلِهِ ثُمَّ تَعِبَتْ عَلَى نَقْضِهِ، وَلَمْ تَسْتَفِدْ شَيْئَاً سِوَى الْخَيْبَةِ وَالْعَنَاءِ، ذَاكَ هُوَ المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ اللهُ للعُقَلاءِ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثَاً﴾ النحل 92؛ فَحَالُ هَذِهِ الغَازِلَةِ النَّاقِضَةِ لِغَزْلِهَا كَحَالِ الْجَادِّ فِي الطَّاعَةِ ، ثُمَّ أَعْقَبَهَا بِالتَّفْرِيطِ وَالْإِضَاعَةِ.
فَدُاوِمُوا عَلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ فِي كُلِّ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ، فَرَبُّ رَمَضَانَ هُوَ رَبُّ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَهُوَ أَحَقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَيُوَحَّدَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ فَتَحَ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا يَهْدِيهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَفَّاهُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ امْرِىءٍ يُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ.
فَالْزَمُوا مَا هَدَاكُمُ اللهُ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَاحْذَرُوا الرُّجُوعَ إِلَى الْمُنْكِرَاتِ وَالْقَبَائِحِ، فَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ مُنْتَهَى مِنَ الْعِبَادَةِ دُونَ الْمَوْتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الحجر 99.
وَاحْذَرُوا حَبَائِلَ الهَوَى والشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَأْسُورَاً، وَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْكُمْ بِثَأْرِهِ فَيَجْعَلَ أَعْمَالَكُمْ هَبَاءً مَنْثُوْرَاً، فَاسْتَعِيْنُوا عَلَيْهِ بِرَبِّكُمْ، وَرَدُّوهُ خَائِبًا مَدْحُوْرَاً، وَدُوْمُوا عَلَى الطَّاعَةِ لِيَكُوْنَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوْرَاً.
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ الحشر 18-20.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ،
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ وكَفَى، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسِولِهِ المُصْطَفَى، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ عَلى نَهْجِهِ واقْتَفَى.
أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – حَقَّ التَّقْوَى.
أَيُّهَا المسْلِمُونَ: أَتْبِعُوا الْحَسَنَاتِ بِالْحَسَنَاتِ تَكُنْ عَلَاَمَةً عَلَى قَبُولِهَا، وَتَكْمِيلًا لَهَا، وَتَوْطِينَاً لِلنَّفْسِ عَلَيْهَا، وَأَتْبِعُوا السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ تَكُنْ كَفَّارَةً لَهَا، وَوِقَايَةً مِنْ خَطَرِهَا وَضَرَرِهَا.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ شَرَعَ لَكُمْ بَعْدَ رَمَضَانَ أَعْمَالاً صَالِحَةً تَكُنْ تَتْمِيمَاً لأَعْمَالِكُمْ، وَعَلَاَمَةً عَلَى قَبُولِهَا، فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتَّاً مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» وَكَانَ ﷺ يَصُومُ الْاِثْنَيْنَ وَالْخَمِيْسَ، وَيَقُوْلُ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَومَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيْسِ، فَأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأنَا صَائِمٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَوْمُ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»، وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ ﷺ: «أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ: صَلاَةُ اللَّيْلِ».
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: قَالَ ﷺ: « يَا أيُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأرْحَامَ، وَصَلُّوا والنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلاَم».
وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ لَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى، وَسَلَكَ بِنَا سَبِيلَ أُوِلي الْتُّقَى، وَثَبَّتَنَا عَلَى الْحَقِّ وَالهُدَى.
عِبادَ اللهِ: قَالَ اللهُ جلَّ في عُلاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب 56.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ.
اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَالتَابِعِيْنَ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ اُنْصُرْ إِخْوَانَنَا المُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِ مَكَانٍ،
اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَاقْضِ الدَّينَ عَنِ الْمَدِينِينَ، وَاشْفِ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا،
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيدَتَنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً لَهُ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 264 | عيد الفطر 1447هــ | قسم المشاريع | 01/10/1447هـ الموافق 20/03/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: ” خطبة عيد الفطر ”
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَوَّعَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ، وَحَثَّهُمْ فِيهَا عَلَى الْقُرُبَاتِ وَالصَّالِحَاتِ، وَرَغَّبَهُمْ إِلَيْهَا بِمَا رَتَّبَهُ لَهُمْ مِنْ جَمِيلِ الْجَزَاءِ وَعَظِيمِ الْمَكْرُمَاتِ،
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى إِمَامِ الْهُدَى وَخَيْرِ الْقُدْوَاتِ، وَعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ، وَصَحَابَتِهِ الْأَبْرَارِ، مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَعَلَى دَرْبِهِمْ سَارَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ: اتَّقُوا رَبَّكُمْ؛ فَتَقْوَى اللَّهِ هِيَ الْمُلْجِمَةُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْوُقُوعِ فِي حُدُودِهِ، وَالْمُنْجِيَةُ فِي الْأُخْرَى مِنَ التَّعَرُّضِ لِعِقَابِهِ؛ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
عِبَادَ اللهِ: هَا هُوَ الْعِيدُ يَعُودُ، وَيُطِلُّ عَلَى الْأُمَّةِ، وَتَكْسُو الْمُسْلِمَ الْيَوْمَ فَرْحَةٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ ﷺ: (لِلصَّائِمِ فرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ) رواه مسلم، فَيُعَبِّرُ عَنْهَا الْمُؤْمِنُ بِاحْتِفَالِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْـمُبْهِجِ، فبِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْعِيدِ لَهجَتِ الْأَلْسُنُ بِتَكْبِيرِ اللهِ، فِي بُيُوتِ اللهِ، وَفِي الْـمَنَازِلِ، وَالطُّرُقاتِ، وَفِي الْأَسْوَاقِ، وفِي مُصَلَّياتِ الْعِيدِ، يَأْتَـمِرُون بِأَمْرِ اللهِ سُبحَانَهُ وتَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:185]، لَقَدْ تَشَنَّفَتِ الْأَسْمَاعُ، وَعِبادُ الرَّحمَنِ يُحْيُونَ سُنَّةً عَظِيمَةً، يَلْهَجُونَ بِالتَّكْبِيرِ فِي كُلِّ فِجَاجِ الْأَرْضِ، فَشِعَارُنَا مِنْ لَيلِ الْعِيدِ التَّكبيرُ: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ)، وَتِلْكَ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَسْتَـحِقُّ الشُّكْرَ وَالْحَمْدَ.
أيُّها المؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الْعِيْدِ وَمَنَافِعِهِ الْعُظْمَى، التَّوَاصُلَ بَيْنَ الـمُسْلِمِينَ، وَالتَّزَاوُرَ وَصِلَةَ الْأَرْحَامِ، وَإِفَشَاءَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ ذَلِكُمْ مِنْ أَسْبَابِ دُخُوْلِ الجَنَّةِ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بِنْ سَلَامٍ t قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ رضي الله عنه يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ «رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.
فَتَوَاصَلُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَتَفَقَّدُوْا أَقَارِبَكُمْ وَذَوِي أَرْحَامِكُمْ، وَأَفْشُوْا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَتَصَافَوا وَتَصَالَحُوا، وَتَسَامَحُوا وَاعْفُوا وَاصْفَحُوا عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكُمْ فَإِنَّهَا فُرْصَةٌ سَانِحَةٌ، وَتَبَسَّمُوا فِي وُجُوهِ أَهْلِيكُمْ وَإِخْوَانِكُمْ خاصَّةً وَالمسْلِمِينَ عَامَّةً، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ سَائِغَةٌ، وَتَرَاحَمُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَاحْفَظُوا حَقَّ الجِوَارِ، وَاسْأَلُوا عَنِ الْـمَرِيضِ وَأَعِينُوا الـْمُحْتَاجَ، وَزِيدُوا مِنْ بِرِّكُمْ بِوَالِدِيْكُمْ أَحْيَاءً كَانُوا أَوْ أَمْوَاتًا، وَضَاعِفُوا مِنْ إِحْسَانِكُمْ لِمَنْ بَلَغَ مِنَ الْوَالِدَيْنِ الْكِبَرَ عِنْدَكُمْ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَقَدْ أَوْصَى بِهِنَّ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَعَاشِرُوهُنَّ بِـالْمَعْرُوفِ، وَأَدُّوا حَقَّ اللهِ لَهُنَّ، وَادْعُوا اللهَ بِالرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ لِمَوْتَاكُمْ مِنْ أَقَارِبِكُمْ وَأَصْدِقَائِكُمْ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْبِرِّ وَالْوَفَاءِ وَحُسْنِ الْعَهْدِ.
حَانَ القِطَافُ لِفَرْحَةٍ نَجْنِيهَا _ أَجْرٌ لِصَوْمِ النَّفْسِ مِنْ بَارِيهَا
وَالزَّادُ فِيهِ بِوَصْلِنَا أَرْحَامَنَا _ زَادُ التُّقَى لِلرُّوحِ إِذْ يَكْفِيهَا
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
عِبَادَ اللهِ: تَذَكَّرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْنَا بِأَنْ رَزَقَنَا لاتِّبَاعِ نَهْجِ نَبِيِّهِ r، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ دُعَاةِ الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ، الَّذِينَ يَسْعَوْنَ لِإِبْدَالِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْنَا إِلَى التَّفَرُّقِ، وَالتَّشَتُّتِ، وَالضَّيَاعِ:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ*جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: 28، 29].
أَيُّهَا المسلمون والمسلماتُ: إِنَّ اللهَ قَدْ شَرَعَ لَنَا مِنَ الْأُنْسِ وَالسُّرُوْرِ فِي هَذَا الْعِيدِ مَا يُغْنِينَا بِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا نَهَانَا عَنْهُ، وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى فِي دِينِنَا فُسْحَةً بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ، فَلْيَكُنِ الْفَرَحُ فِي عِيدِنَا هَذا مُنْضَبِطًا بِمَا أَحَلَّ اللهُ لَنَا، وَلْنَتَجَنَّبِ الْإِسْرَافَ وَالتَّبْذِيرَ، وَكُلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.
يا معشرَ النساءِ: اتَّقين اللهَ وأدِّينَ ما أوجبَه اللهُ عليكنَّ من حُسنِ تربيةِ الأولادِ، ورعايةِ الأُسرةِ، وحقِّ الزوجِ، والجيرانِ، والأقرباءِ؛ ففي الحديث: «إذا صلَّت المرأةُ خمسَها، وصامَت شهرَها، وحفِظَت فرجَها، وأطاعَتْ زوجَها، قِيلَ لها: ادخُلي الجنةَ من أي أبوابِ الجنة شِئتِ» رواه ابنُ حِبَّانَ في صحيحِه.
عِبَادَ اللهِ: رَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى اتِّبَاعِ سُنَّةِ المُصْطَفَى، r، بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ فَفَهْمُهُمْ مُقَدَّمٌ عَلَى أَفْهَامِنَا، فَهُمْ أَقْرَبُ لِلتَّنْزِيلِ، وَأَفْهَمُ لِلتَّأْوِيلِ، وَكُونُوا مَعَهُمْ فِي جَمِيعِ مَرَاحِلِ حَيَاتِهِمْ؛ حَتَّى لَا تَذْهَبَ بِهِمُ الْأَهْوَاءُ والأفكارُ، فَتَقُودُهُمْ لِلْبُعْدِ عَنِ السُّنَّةِ، وَمُقَارَفَةِ الْبِدْعَةِ، تَحْتَ تَأْثِيراتٍ خَارِجِيَّةٍ أَوْ دَاخِلِيَّةٍ، تَعْبَثُ بِأَفْكَارِهِمْ، وَتَقُودُهُمْ لِزَرْعِ الْفِتْنَةِ فِي بِلَادِهِمْ، وَتَغْيِيرِ سُلُوكِهِمْ.
تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ، وَجَعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ وَإِخْوَانَنَا المسْلِمِينَ مِنْ عُتَقَائِهِ مِنَ النَّارِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلَى تَمَامِ الْمِنَّةِ وَتَوَاصُلِ النِّعْمَةِ بَعْدَ النِّعْمَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى شَفِيعِ الْأُمَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا المسْلِمُونَ: الصَّلاةُ قُرَّةُ عُيونِ المُوَحِّدِينَ، وَدَأْبُ الصَّالِحِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:132]، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: “الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ تَرْكُ الصَّلاةِ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ” صححه الشيخ ابن باز. فَكَمْ فَرَّطَ مُفَرِّطٌ فِي صَلَاتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ! خَاصَّةً فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَفِي أَيَّامِ الْأَعْيَادِ! فَاحْذَرْ أَنْ تَكونَ مِنْهُمْ!.
أَيُّهَا المسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ قَبُوْلِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَنْ يَسْتَمِرَّ المسْلِمُ عَلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَلْنَجْعَلْ مِمَّا وَفَّقَنَا اللهُ إِلَيْهِ فِي رَمَضَانَ مِنَ الطَّاعَاتِ دَافِعًا لَنَا لِلْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا بَعْدَ رَمَضَانَ، فَاحْرِصُوا يَا عِبَادَ اللهِ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ جَمَاعَةً فِي المسَاجِدِ، وَصُومُوا الْأَيَّامَ السِّتَّ مِنْ شَوَّالٍ وَمَا تَيَسَّرَ مِنْ صِيَامِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَالْأَيَّامِ الْبِيضِ، وَوَاظِبُوا عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ، وَاسْتَمِرُّوا فِي بَذْلِ الصَّدَقَةِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَإِنَّكُمْ تَعْبُدُونَ رَبًّا وَاحِدًا شَاهِدًا مُطَّلِعًا عَلَى أَعْمَالِكُمْ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِهِ، فَإِيَّاكُمْ يَا عِبَادَ اللهِ مِنَ التَّهَاوُنِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاحْذَرُوا مِنِ اقْتِرَافِ الْـمُحَرَّمَاتِ بَعْدَ رَمَضَانَ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: 92].
عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا رَحِمَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ الْعَوْدَةَ إِلَى بُيُوتِكُمْ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتُمْ مِنْهُ، تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ.
عِبَادَ اللهِ: صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّحْمَةِ المهْدَاةِ وَالنِّعْمَةِ المسْدَاةِ، نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عَزَّ قَائِلًا عَلِيمًا فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ قَوْلًا كَرِيمًا:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب:56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، صَاحِبِ الْوَجْهِ الْأَنْوَرِ وَالْجَبِينِ الْأَزْهَرِ وَالْخَلْقِ وَالْخُلُقِ الْأَكْمَلِ،
وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ:
أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَجُودِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ .
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّكَ سَمِيعٌ الدُّعَاءِ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا.
االلَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي عِيدِنَا وَفِي سَائِرِ أَيَّامِنَا، وَوَفِقْنَا لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَاجْعَلْهَا لَكَ خَالِصَةً، وَتَقَبَّلْهَا مِنَّا بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحمِينَ.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 263 | زكاة الفطر وآداب عيد الفطر 1447هــ | الشيخ صلاح البدير– خطيب المسجد النبوي | 24/09/1447هـ الموافق 12/03/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: ” زكاة الفطر وآداب عيد الفطر ”
الحمد لله العظيم المنَّان، أحمدُه وما أقضِي بالحمد حقًّا، وأشكرُه ولم يزَل للشكر مُستحقًّا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المالك للرقاب كلِّها رِقًّا،
وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسوله أشرف الخلائق خُلُقًا وخَلقًا، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين حازُوا الفضائلَ سبقًا، وسلَّم تسليمًا يدوم ويبقَى.
أَمَّا بَعْدُ: فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسَب، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران102.
أيها المسلمون: هذا رمضان قد دنا رحيلُه، وأزِف تحويلُه؛ فهنيئًا لمن زكَت فيه نفسُه، ورقَّ فيه قلبُه، وتهذَّبَت فيه أخلاقُه، وعظُمت للخير فيه رغبتُه.
هنيئًا لمن كان رمضان عنوانَ توبته، وساعةَ إيابه وعودتِه،.. هنيئًا لمن غُفرت فيه زلَّتُه، وأُقيلت فيه عثرتُه، ومُحِيَت عنه خطيئتُه، وعفا عنه العفوُّ الكريمُ، وصفَحَ عنه الغفورُ الرحيم.
هنيئًا لمن حقَّق جائزتَه ونالَ غنيمتَه، فأُعتِقَت رقبتُه، وفُكَّ أسرُه، وفازَ بالجنة وزُحزِح عن النار .. ويا ضيعَةَ من قطعَه غافلاً ساهيًا، وطواهُ عاصيًا لاهيًا، يا من أغوَته نفسُه، وألهَاهُ شيطانُه، وضيَّعَه قُرناؤه: هذا شهر رمضانَ قد قارَبَ الزوال، وأذِن بساعة الانتقال؛ فاستدرِك ما بقِيَ منه قبل تمامه، وتيقَّظ بالإنابة قبل ختامه، وبادِر بالتوبة قبل انصِرامه.
فكم مُتأهِّبٍ لفِطره صار مرتهنًا في قبره! وكم من أعدَّ طيبًا لعيده جُعل في تلحِيده! وكم من خاطَ ثيابًا لتزيينه صارت لتكفينه! وكم من لا يصوم بعده سِواه.
يا مَن قُمتم وصُمتم! بُشراكم رحمةٌ ورِضوان، وعِتقٌ وغفران؛ فربُّكم رحيمٌ كريمٌ جوادٌ عظيمٌ، لا يُضيعُ أجرَ من أحسن عملًا، فأحسِنوا به الظنَّ، واحمَدُوه على بلوغ الختام، وسَلُوه قبولَ الصيام والقيام.
أيها المسلمون: ومن لطيف حكمة الله – عز وجل – وتمام رحمته، وكمال علمه وجميل عفوه وإحسانه: أن شرعَ زكاة الفطر عند تمام عدَّة الصيام؛ طُهرةً للصائم من الرَّفَث واللَّغو والمآثِم، وجبرًا لما نقَصَ من صومه، وطُعمةً للمساكين، ومُواساةً للفقراء، ومعونةً لذوي الحاجات، وشُكرًا لله على بلوغ ختامِ الشهر الكريم.
فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: (فرضَ رسول الله ﷺ زكاةَ الفطر؛ طُهرةً للصائم من اللَّغو والرَّفَث، وطُعمةً للمساكين. من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات)؛ أخرجه أبو داود وابن ماجه.
وتلزمُ الإنسانَ عن نفسه وعن كل من تجِبُ عليه نفقتُه، ومِقدارُها عن كل شخص صاعٌ من بُرٍّ أو شعيرٍ، أو تمرٍ أو زبيبٍ، أو أقِط، أو مما يقتاتُه الناس؛ كالأرز والدُّخلِ والذرة.
فعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: (فرضَ رسول الله ﷺ زكاةَ الفِطر صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، على العبدِ والحُرِّ، والذكَر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة)؛ متفق عليه.
ومن أراد صاعًا وافيًا وكيلًا إضافيًا فليجعَله ثلاثة كيلو، ويُستحبُّ إخراجها عن الجنين وهو الحمل؛ لفعل عثمان – رضي الله عنه – ولا يجب.
ويبدأ وقتها من غروب شمس آخر يومٍ من رمضان، وينتهي بصلاة العيد، ويجوزُ إخراجُها قبل ذلك بيومٍ أو يومين، والأفضلُ أن تُخرَج يوم العيد قبل أن يخرُجَ إلى صلاة العيد – إن أمكنَه ذلك -، ومن أخَّرها عن وقتها عامدًا أثِمَ وعليه التوبة وإخراجُها فورًا، وإن كان ناسيًا فلا إثمَ عليه ويُخرِجُها متى ذَكَر.
وتُعطَى فقراء المسلمين في بلد مُخرِجِها، ويجوز نقلُها إلى فقراء بلدٍ أخرى أهلها أشدُّ حاجة، ولا تُدفَع لكافر، ولا حرجَ في إعطاء الفقير الواحد فِطرَتَين أو أكثر، وليس لزكاة الفطر دعاءٌ مُعيَّن أو ذكرٌ مُعيَّن يُقالُ عليها.
ومن لم يكن لديه صاعٌ يوم العيد وليلته زائدٌ عن قُوته وقُوت عياله وضروراته وحاجاته الأصلية لم تجِب عليه زكاة الفطر؛ لقوله ﷺ: (لا صدقةَ إلا عن ظهر غنًى)؛ متفق عليه.
وإذا أخذ الفقير زكاةَ الفِطر من غيره وفضَلَ عنده منها صاعٌ وجَبَ عليه إخراجُه عن نفسه، فإن فضَلَ عنده منها عدةُ آصُع أخرجَها عمَّن يمونُ، وقدَّم الأقرب فالأقرب.
فطِيبُوا بها نفسًا، وأخرِجُوها كاملةً غير منقوصة، واختارُوا أطيَبَها وأنفَعَها للفقراء.
ويُشرعُ التكبير ليلةَ عيد الفطر وصباح يومها إلى انتهاء خطبة العيد؛ تعظيمًا لله سبحانه، وشُكرًا له على هدايته وتوفيقه، قال جل وعلا: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ البقرة 185. قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: (حقٌّ على المسلمين إذا رأَوا هلال شوال أن يُكبِّروا).
فاجهَروا بالتكبير من غُروب الشمس ليلة العيد إلى صلاةِ العيد في مساجِدِكم وأسواقكم، ومنازِلكم وطُرقِكم، مُسافِرين كنتم أو مُقيمين، وأظهِرُوا هذه الشعيرة العظيمة، ولتُكبِّر النساءُ سرًّا، وليَقصُر أهلُ الغفلة عن آلات الطَّرَب والموسيقى والأغاني المحرمة الماجنة، ولا يُكدِّروا هذه الأوقات الشريفة بمزامِر الشياطين وكلامِ الفاسقين.
أقولُ ما تسمعون وأستغفِرُ الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفِرُوه إنه كان للأوابين غفورًا.
الخطبة الثانية
الحمد لله الهادِي من استَهداه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدنَا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وخليلُه ومُرتضَاه، r وعلى آله وأصحابِه ومن استنَّ بسُنَّته واهتدَى بهُداه.
أَمَّا بَعْدُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ التوبة 119.
أيها المسلمون: صلاةُ العيد من أعلام الدين الظاهرة وشعائره العظيمة، فاخرُجُوا إليها مُتطهِّرين مُتجمِّلين مُتزيِّنين لابِسِين أحسنَ ثيابكم، حتى المُعتَكِف يخرُجُ إلى صلاةِ العيد في أحسن ثيابه، وليس من السنة خروجُه في ثيابِ اعتكافه.
ويخرُجُ النساء إلى صلاة العيد حتى الحُيَّض، يشهَدن بركةَ ذلك اليوم وطُهرتَه والخيرَ ودعوة المسلمين، ويخرُجن مُتستِّراتٍ مُحتشِماتٍ، غيرَ مُتطيِّباتٍ ولا مُتبرِّجات، ولا يلبَسنَ ثوبَ فتنةٍ ولا زينةٍ.
قال ﷺ: (لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله، وليَخرُجن تَفِلاتٍ) – يعني: غير مُتطيِّبات -؛ أخرجه أبو داود.
ويُسنُّ لمن فاتَته صلاةُ العيد أو بعضُها قضاؤها على صفتها، ويُسنُّ الأكل يوم الفِطرِ قبل الخروج لصلاة العيد؛ فعن أنسٍ – رضي الله عنه – قال: (كان رسول الله ﷺ لا يغدُو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكُلُهنَّ وِترًا)؛ أخرجه البخاري.
اللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا شَهْرَنَا بِرِضْوَانِكَ، وَالْعِتْقِ مِنْ نِيَرَانِكَ، وَالْفَوْزِ بِجَنَّاتِكَ.
عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ جَلَّ في عُلَاهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ.
اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا بِحِفْظِكَ، واجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ؛ وَنَسْأَلُهُ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ،
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ بِسُوءٍ، فَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَفَرِّقْ جَمْعَهُ وَاهْزِمْ جُنْدَهُ وَشَتِّتْ شَمْلَهُ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِينَ،
اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا، وَاغْفِرْ لِمَوْتَانَا، وَعَافِ مُبْتَلَاَنَا.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَدُعَاءَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عُتَقَاءِ النَّارِ، يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ.
اللَّهُمَّ أَعِدْ عَلَيْنَا رَمَضَانَ أَعْوَامًا عَدِيدَةً، وَأَزْمِنَةً مَدِيدَةً، واجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْمَرْحُومِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْمَحْرُومِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 262 | الْعَشرُ الأَوَاخِر مِن رَمَضَانَ وَفَضَائِلهَا | قسم المشاريع | 17/09/1447هـ الموافق 06/03/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: ” الْعَشرُ الأَوَاخِر مِن رَمَضَانَ وَفَضَائِلهَا”
الْحَمْدُ لِلَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، الْقَرِيبِ الْمُجِيبِ؛ يُعْطِي السَّائِلِينَ، وَيَجْبُرُ الْمُنْكَسِرِينَ، وَيُجِيبُ دُعَاءَ الدَّاعِينَ، نَحْمَدُهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ التَّائِبِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ رَبٌّ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، قَرِيبٌ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﷺ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ حَتَّى تَلْقَوْهُ..﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة البقرة:233.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا قَدْ اقْتَرَبَ تَمَامُهُ وَتَصَرَّمَتْ لَيَالِيهِ الْفَاضِلَةُ وَأَيَّامُهُ، وَآذَنَ بِالرَّحِيلِ، ولَقَدْ خَصَّكُمُ اللهُ ﷻ بِخَصَائِصَ، وَجَعَلَ لَكُمْ مَزَايَا، وَمَنَحَكُم كَثِيرًا مِنَ الفَضَائِلِ، وَهَا أَنْتُمْ عَلَى أَبْوابِ أَفضَلِ اللَّيَالِي عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلائِلَ نَسْتَهِلُّ الْعَشْرَ الْأَخِيرَةَ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا، كانَ ﷺ يَتَحَرَّى لَيلَةَ القَدْرِ في هَذِهِ اللَّيالِي، وَيَحُثُّ عَلَى تَحَرِّيها، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَواخِرَ، فَيَجْلِسُ فِي المسْجِدِ لَيْلَهُ وَنَهارَهُ، يَخْلُو بِرَبِّهِ، يَعْبُدُ اللهَ ﷻ يَتْلُو كِتابَهُ، يُصَلِّي، يَذْكُرُ اللهَ فِي اعْتِكافِهِ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِي ﷺ: «كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَشَدَّ مِئْزَرَهُ وَجَدَّ» متفق عليه. كِنَايَةٌ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْعِبَادَةِ، وَالِاجْتِهَادِ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى الْمُعْتَادِ؛ فَيَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ فِي العِبَادَةِ، فَإِنَّ الْمَرْءَ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ لَا يُدْرِكُهَا مَرةً أُخْرَى، بِاخْتِطَافِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ، وَمُفَرِّقِ الْجَمَاعَاتِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَلِهَذِهِ الْعَشْرِ فَضائِلُ عَظِيمَةٌ، مِنْها:
أَنَّها خِتامُ الشَّهْرِ، وَالْأَعْمالُ بِالْخَواتِيمِ فَمَنْ كانَ مُحْسِنًا فِيما مَضَى، فَلْيُحْسِنْ في هَذِهِ الْأَيّامِ لِتَكُونَ خَيْرَ خِتامٍ، وَمَنْ كانَ مُفَرِّطًا أَوْ مُسِيئًا فَعَلَيهِ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْفَواتِ، وَمِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْعَشْرِ؛ وُجُودُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِيهَا، وَهِيَ لَيْلَةٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ القدر:1-3.
قَالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ خَصَّ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِخَصَائِصَ منها: نُزُولُ الْقُرْآنِ فِيهَا: جُمْلَةً وَاحِدَةً، مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ في السَّماءِ السَّابِعَةِ، إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَصَّلًا بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمِنْ مُميِّزاتِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الْعِبادَةُ فِيها خَيْرٌ مِنْ عِبادَةِ أَلْفِ شَهْرٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
وَهِيَ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الدخان: 3. وَيَكْثُرُ تَنَزُّلُ الْمَلَائِكَةِ فِي هَذِه اللَّيْلَةِ؛ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ القدر:4، وَالرُّوحُ: هُوَ جِبْرِيلُ، u وَقَدْ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ، ويَغْفِرُ اللهُ تَعَالَى لِمَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، قَالَ النَّبِيِ ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى: «إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا» أَيْ: تَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللهِ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ، وَطَلَبًا لِلْأَجْرِ لَا لِقَصْدٍ آخَرَ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ.
– وَمِنْ عَظَمَتِهَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ فِي شَأْنِهَا سُورَةً تُتْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَذَكَرَ فِيهَا شَرَفَ هَذِهِ اللَّيْلةِ، وَعِظَمَ قَدْرِهَا-سُوْرَةَ الْقَدْرِ- فالْعِبَادَةُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَهَذَا فَضْلٌ عَظِيمٌ، وَفِي هَذَا تَرْغِيبٌ لِلْمُسْلِمِ، وَحَثٌّ لَهُ عَلَى قِيَامِهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ؛ وَلِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ، يَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَيَتَحَرَّاهَا؛ وَهِيَ فِي الْعَشْرِ، وَفِي أَوْتَارِ الْعَشْرِ آكَدُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَحَرُّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَرَجَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا تَتْنَقَّلُ كُلَّ عَامٍ، وَلَيْسَتْ فِي لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ لِتَعَارُضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا طَرِيقَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ إِلَا بِانْتِقَالِهَا). وَإِنَّمَا أَخْفَى اللهُ تَعَالَى هَذِهِ اللَّيْلَةَ لِيَجْتَهِدَ الْعِبَادُ فِي طَلَبِهَا، وَيَجِدُّوا فِي الْعِبَادَةِ، كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرَهَا.
عِبَادَ اللهِ: وَكانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِذَا أَقْبَلَتِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ يَخُصُّونَها بِطُولِ الْقِيامِ، وَزِيادَةِ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَدَقَةِ، وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ؛ اِقْتِداءً بِالنَّبِيِّ ﷺ، كانُوا يُصَلُّونَ التَّهَجُّدَ، وَيَخْتِمُونَ تَهَجُّدَهُمْ بِالْوِتْرِ وَالِاسْتِغْفارِ، فَلْيَكُنْ لَنَا بِهِمْ أُسْوَةٌ، وَلْنَسِرِ عَلَى آثارِهِمْ لَعَلَّنَا نَلْحَقُ بِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ يُوَفَّقْ لِقِيامِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَعَمَلُهُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فَيا لَها مِنْ لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، كَمَا سَمَّاها اللهُ! وَيَا لَها مَنْ لَيْلَةٍ ذاتِ قَدْرٍ عِنْدَ اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعالَى، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؛ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُولِي: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رَوَاهُ التِّرمذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ، وَاجْتَهِدُوا فِي هَذَا الشَّهْرِ بِإِحْسَانِ أَقْوَالِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، واللهَ اللهَ فِي الجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ الْخُيُولَ الْأَصِيْلَةَ يَشْتَدُّ جَرْيُهَا وَيَزِيدُ عَطَاؤُهَا إِذَا شَارَفَ السِّبَاقُ عَلَى النِّهَايَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.
عِبَادَ اللهِ: وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ عَمَلُهَا فِي هَذِهِ الْعَشْرِ؛ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ، فَيُسَنُّ الِاعْتِكَافُ فِيهَا؛ لِزِيادَةِ فَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَالِاعْتِكَافُ: لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وفِي حَدِيثِ أَبِى سَعِيدٍ -t- أَنَّهُ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَّلَ ثُمَّ الْعَشْرَ الْوَسَطَ، ثُمَّ أَخْبرَهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَأَنَّهُ أُرِيهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَقَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِيَ فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ عَاِئَشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَاهُ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْعُلَماءُ رَحِمَهُمُ اللهُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَواخِرَ فَلْيَدْخُلِ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الْعِشْرِينَ، وَيُسَنُّ لِلْمُعْتَكِفِ الِاشْتِغَالُ بِالطَّاعَاتِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ البقرة: 187، وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَّا لِحَاجَةٍ لَا بُدَّ مِنهَا، فَعَلَى المسْلِمِ؛ أَلَّا يُفَوِّتَ فُرْصَةَ الاِعْتِكَافِ.
عِبادَ اللهِ: الدُّنْيا ساعاتٌ وَأَيَّامٌ، وَهِيَ مِنْ صَحائِفِ الْأَعْمارِ، وَعُمُر الْإِنْسانِ مِنْهَا عَمَلُهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ خَلَّدَها بِأَحْسَنِ الْأَعْمالِ، وَالْفَائِزُ مَنِ اغْتَنَمَ بِالْخَيْرِ لَحَظاتِ وَقْتِهِ، وَلَمْ يُفرِّط في شيءٍ مِنْ دَهْرِهِ، وَالمغْبُونُ مَنِ انْفَرَطَ أَمْرُهُ، وَغَفَلَ قَلْبُهُ، وَاتَّبَعَ هَواهُ، والمحْرُومُ مَنْ حُرِمَ الْخَيْرَ فِي رَمَضانَ، قالَ النَّبيُّ ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ« رواه الترمذي.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ ﷻ:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: 56.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ،
وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ،
وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ.
اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا،
وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 261 | الْقُرْآنُ فِي رَمَضَانَ | قسم المشاريع | 10/09/1447هـ الموافق 27/02/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: ” الْقُرْآنُ فِي رَمَضَانَ ”
الْحَمْدُ للهِ ذِي الْعِزِّ وَالسُّلْطَان، أَنْزَلَ الْقُرْآنَ هُدَىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى عَظِيمِ الإِحْسَان، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ عَظِيمُ الشَّأنِ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدَاً عَبْدُه وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللهُ إِلَى الإِنْسِ وَالْجَانِّ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي الْفَضْلِ وَالإِيمَان.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الصَّائِمُونَ وَاعْرِفُوا لِلْقُرْآنِ حَقَّهُ فِي حَيَاتِكُمْ وَخُصُّوهُ بِمَزِيدِ عِنَايَةٍ فِي رَمَضَان، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ القرة 185.
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طُولَ حَيَاتِهِ مُعْتَنِيَاً بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَشَدَّ الْعِنَايَةِ تِلَاوَةً وَتَدَبُّرَاً وَتَعْلِيمَاً لِلنَّاسِ، فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ ازْدَادَتْ تِلْكَ الْعِنَايَةُ، حَتَّى إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ يُدَارِسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: إِنَّهُ يَنْبَغِي لَنَا فِي رَمَضَانَ أَنْ نُولِيَ الْقُرْآنَ عِنَايَةً مِنْ ثَلاثَةِ جَوَانِب: تِلَاوَةً وَحِفْظَاً وَتَدَبُّرَاً.
(فَأَوَّلاً): يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا وِرْدٌ يَوْمِيٌّ طُوَالَ السَّنَةِ، كَمَا هِيَ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَالطَّرِيقَةُ السَّلَفِيَّةُ، فَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وِرْدٌ يَوْمِيٌّ يَقْرَأُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَهُمْ تَقْسِيمَاتٌ لِلْقُرْآنِ يَخْتِمُونَهُ فِي أُسْبُوعِ غَالِبَاً، فَعَنْ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ … قَالَ : وَكَانَ رَسُولُ ﷺ كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا بَعْدَ الْعِشَاءِ يُحَدِّثُنَا، قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ … فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَبْطَأَ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ، فَقُلْنَا: لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: (إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ جُزْئِي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أُتِمَّهُ) قَالَ أَوْسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ ؟ قَالُوا: ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ، رواه أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.
فَهَذَا وِرْدُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ اليَوْمِيُّ: يَقْرَؤُونَ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ ثَلاثَ سُوَرٍ، وَهِيَ البَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ، ثُمَّ فِي اليَوْمِ الثَّانِي الخَمْسَ سُوَرٍ التِيْ بَعْدَهَا ثُمَّ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ سَبْعَ سُوَرٍ، وَهَكَذَا حَتَّى يَخْتِمُوا القُرْآنَ فَي اليَوْمِ السَّابِع.
أَيُّهَا الصَّائِمُ: إِنَّهُ يَنْبَغِي لَكَ الْعِنَايَةُ التَّامَّةُ بِالْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ الْوَقْتَ الْمُنَاسِبَ لِتَقْرَأَ كَلَامَ رَبِّكَ، وَتَتَمَتَّعَ بِحَدِيثِ مَوْلَاكَ (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا).
فَلَوْ أَنَّكَ جَلَسْتَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِكَ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّكَ قَدْ تَقْرَأُ ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ أَوْ رُبَّمَا أَكْثَرَ، فَتَخْتِمُ الْقُرْآنَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فِي رَمَضَانَ، وَإِذَا جَلَسْتَ فِي أَوْقَاتٍ أُخْرَى تَخْتِمُ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ فَتُحَصِّلَ حَسَنَاتٍ عَظِيمَةً وَيَأْتِي الْقُرْآنُ مَعَكَ شَفِيعَاً لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَدَعْ عَنْكَ ضَيَاعَ الْوَقْتِ وَالانْشِغَالَ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ، وَأَبْشِرْ فَإِنَّهُ وَاللهِ تِجَارَةٌ لَنْ تَبُورَ وَسَتَرْبَحُ يَوْمَ التَّغَابُنِ وَسَتَفُوزُ يَوْمَ الْعَرْضِ الْأَكْبَرِ عَلَى اللهِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فاطر 29.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ الصَّائِمُ: الْأَمْرُ (الثَّانِي) مِمَّا يَنْبَغِي لَكَ مَعَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ: أَنْ تَحْفَظَ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ سَهَّلَ الْقُرْآنَ لِلْحِفْظِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يَمْنَعُكَ، قَالَ اللهُ تَعَاَلى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ القمر 17، وَاحْذَرْ أَنْ تُقَابِلَ رَبَّكَ وَلَيْسَ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآن، كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ تَرْقَى فِي دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ بِقَدْرِ مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْقَ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
فَاسْتَعِنْ بِاللهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ الصَّائِمُ وَاجْعَلْ لَكَ وَقْتَاً تَحْفَظُ فِيهِ الْقُرْآنَ، وَإِنْ كُنْتُمْ مَجْمَوعَةً مِنَ الإِخْوَةِ تَتَعَاوَنُونَ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ الاسْتِمْرَارِ وَشَحْذِ الْهِمَّةِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي قَبْلَ الْحِفْظِ أَنْ تُصَحِّحَ تِلَاوَتَكَ لِئَلَّا تَحْفَظَ شَيْئَاً وَأَنْتَ تُخْطِئُ فِي تِلَاوَتِهِ.
ثُمَّ إِنَّنَا نَؤُكِّدُ عَلَى أُولِئَكَ الإِخْوَةِ الذِينَ كَانَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ حِفْظِ الْقُرْآنِ وَلَكِنَّهُمْ انْشَغَلُوا فَنَسُوهُ، وَنَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَمَضَانَ فُرْصَةٌ جَيِّدَةٌ لاسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَكَ، فَاسْتَعْنِ بِاللهِ وَرَتَّبْ وَقْتَكَ وَرَاجِعْ الْقُرْآنَ وَأَبْشِرْ بِالْخَيْرِ بِإِذْنِ اللهِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الأَمْرَ (الثَّالِثَ) الذِي يَنْبَغِي لَنَا مَعَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ: التَّدَبُّرُ، وَمَعْنَاهُ التَّأَمُّلُ وَالتَّفَكُّرُ فِي مَعَانِي كَلَامِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا أَمْرٌ مَطْلُوبٌ جِدَّاً فِي كُلِّ حَيَاتِنَا فَكَيْفَ بِرَمَضَانَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ص 29، فَجَعَلَ اللهُ الْحِكْمَةَ مِنْ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ التَّدَبُّرَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّدَبُّرَ يُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ وَبِالتَّالِي الْعَمَلِ بِهِ، وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَعْتَنُونَ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ كَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. قَالُوا: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُ: وَإِنَّ مِمَّا يُعِينُكَ عَلَى تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَفَهْمِهِ الْقِرَاءَةَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ الْمَوْثُوقَةِ، فَاجْعَلْ جَلْسَةً مَعَ الْقُرْآنِ لِلتَّدَبُّرِ وَخَاصَّةً بِاللَّيْلِ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ نَبَوِيِّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخُطْبَةِ الأُولَى، حَيْثُ كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَلْقَى النَّبِيَّ ﷺ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ.
وَلَوِ اجْتَمَعْتَ مَعَ بَعْضِ إِخْوَانِكَ أَوْ بَعْضِ جَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ وَنَفَّسْتُمْ عَنْ أَنْفُسِكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُبَاحِ مِنَ الْأَكْلِ أَوِ الشُّرْبِ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ جَلَسْتُمْ سَاعَةً تَقْرَؤُونَ فِي كِتَابِ تَفْسِيرٍ لَحَصَّلْتُمْ عِلْمَاً وَإِيمَانَاً وَكَسَبْتُمْ رِضْوَانَ اللهِ.
وَمِنْ أَحْسَنِ التَّفَاسِيرِ التِي يُنْصَحُ بِهَا: تَفْسِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِيٍّ رَحِمَهُ اللهُ، فَإِنَّهُ تَفْسِيرٌ مَوْثُوقٌ وَمُخْتَصَرٌ وَلُغَتُهُ لَيْسَتْ صَعْبَةً، ثُمَّ يَأْتِي بِالْفَوَائِدِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالتَّوْجِيهَاتِ بَشَكْلٍ مُحَبَّبٍ لِلنُّفُوسِ.
أَسْأَلُ اللهَ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى أَنْ يَجْعَلَنِي وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ، وَمِمَّنِ اعْتَنَى بِهِ فَقَرَأَهُ وَحَفِظَهُ وَتَدَبَّرَهُ وَعَمِلَ بِهِ،
اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا وَنُورَ صُدُورِنَا وَذَهَابَ غُمُومِنَا وَهُمُومِنَا، اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مِنْهُ مَا جَهِلْنَا وَذَكِّرْنَا مِنْهُ مَا نُسِّيْنَا،
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ أَحَلَّ حَلالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، وَعَمِلَ بِمُحْكَمِهِ وَآمَنَ بِمُتَشَابِهِهِ،
اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ شَاهِدَاً لَنَا لا شَاهِداً عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ شَفِيعاً لَنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَيْشَ السُّعَدَاءِ وَمَوْتَ الشُّهَدَاءِ وَالحَشْرَ مَعَ الأَتْقِيَاءِ وَمُرَافَقَةَ الأَنْبِيَاءِ.
اللهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمُسْلمينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ وَدَمِّرْ أَعَدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينَ
اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ،
اللهُمَّ ارْضَ عَنْ صَحَابَتِهِ وَعَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعيِهِم إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفْوِكَ وَمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ،
والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 260 | أحكام الصوم ومفطراته | الشيخ صلاح بن محمد البدير خطيب المسجد النبوي | 03/09/1447هـ الموافق 21/02/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: ” بعض أحكام الصوم وبيان المفطرات”
الحمد لله على قرب رمضان حمدًا يوافي نعمه وعطاياه، وأشكره على ما أفاض من الخير وأسداه، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ولا معبود بحق سواه، وأشهد أنَّ نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، ونبيُّه وصفيُّه ونجيُّه، ووليُّه ورضيُّه ومجتباه، ﷺ وعلى آله وأصحابه، صلاةً دائمةً ما دام انفلاق الصبح وإشراق ضياه.
أَمَّا بَعْدُ:
فيا أيها المسلمون اتقوا الله بالسعي إلى مراضيه واجتناب معاصيه؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الْبَقَرَةِ 183.
أيها المسلمون: والصوم المشروع هو الإمساكُ عن المُفْطرات من طلوع الفجر الثاني، إلى غروب الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ البقرة 18.
ويؤمَر الصبيُّ بالصيام إِذَا أطاقه؛ ليتمرَّن عليه ويعتاده، فإن كان ممَّن يضعُف ويخور ولا يُطِيق لَمْ يُكَلَّفْ بما يشقُّ عليه، ومَنْ عَجَزَ عن الصوم لكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرجَى بُرؤُهُ أفطَر وأطعَم عن كل يوم مسكينًا في أصحِّ قولَيِ العلماء، والمريض إذا خاف بصومه زيادةً مرضه وتطاوُلَه وتجدُّدَه وتباطُؤَ بُرْئِهِ استُحِبَّ له الفطرُ، فإن حمَل نفسَه وتحامَل عليها وصام صحَّ صومُه وأجزأه، ولكِنْ فعَل مكروهًا؛ لأنه أضرَّ بنفسه، وترك تخفيف الله وقبول رخصته، وكل مرض لا يضر الصوم صاحبه؛ كوجع الضرس وجرح الإصبع والدُّمَّل وأشباه ذلك لا يجوز الفطر بسببه، ويباح الفِطْرُ للمسافر، سواء وجَد مشقةً أم لا، والفطرُ أفضلً خاصةً إذا شق عليه؛ لحديث حمزة بن عمر الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله، أجد مني قوةً على الصوم في السفر فهل عليَّ جُناحٌ؟ فقال ﷺ: هي رخصةٌ مِنَ اللهِ تعالى، فمَنْ أخَذ بها فحَسَنٌ، ومَنْ أَحَبَّ أن يصومَ فلا جناحَ عليه (رواه مسلم، قال المجد ابن تيمية “وهو قويُّ الدلالةِ على فضيلةِ الفطرِ”، ولا يباح للمسافر الفطر حتى يخلِّف البيوت وراء ظهره، والقول بأن له أن يفطر في بيته إن عزم على السفر قولٌ شاذٌّ لا يعوَّل عليه.
أيها المسلمون: والحاملُ والمرضعُ إذا خافَتَا على أنفسهما إذا صامَتَا فلهما الفطرُ وعليهما القضاءُ ولا يلزمهما إطعامٌ؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه، وإن خافَتَا على ولديهما أفطَرَتا وعليهما القضاء وإطعام مسكين لكلِّ يومٍ، وهو أحوطُ أقوال العلماء؛ فإن عجزَتَا عن الإطعام سقط عنهما بالعجز على الصحيح.
أيها المسلمون: والمفطرات التي تُفسِد الصومَ ستةُ أنواعٍ:
النوع الأول: الأكل والشرب وما في معناهما، فإن أَكَلَ أو شَرِبَ مختارًا ذاكِرًا لصومه أبطَلَه، وإن ابتلَع ما بين أسنانه أفطَر، وإن ابتلع ريقه لم يُفطِر، حتى ولو جمَعَه ثم ابتلعه؛ لأنه ممَّا يصل إلى معدته بدون اختياره، ولا يَفسُد الصوم إن ابتلع النخامة؛ لأنها معتادةٌ في الفم أشبَه الريقَ، وإن وصلَت إلى طرف لسانه وإمكانه، فينبغي له إخراجُها وإلقاؤها احتياطًا لصومه وخروجًا من الخلاف، والخروجُ من الخلاف مستحبٌّ، والتحوُّطُ للعبادة مطلوبٌ، ويُفطِر بكل ما أدخَلَه إلى جوفه، سواءٌ وصَل من الفم على العادة، أو من الأنف، أو من الأذن؛ لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه: (وبالِغْ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا( أخرجه أبو داود.
والمضمضة العلاجية والغرغرة الدوائية، إذا لم يبتلع ما نفَذ منها إلى الحلق لم يفطر، وتأخيرُها إلى الليل تحرزًا للصوم أَوْلَى، وإن قطَر في أنفه أو أذنه دواءً فوصل إلى جوفه أو معدته أفطَر، وإن اكتحل بذرور أو قتور أو إثمد لم يُفطِر في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، فإن وجَد مرارةَ الكحل وطعمَه في حلقه أو خرجت أجزاؤُه في نخاعته فالاحتياط القضاء، واتقاءُ الكحلِ وتجنُّبُه في نهار رمضان أَوْلَى؛ تحرزًا للصوم واحتياطًا له، ومَنْ تطيَّب بنوعٍ من أنواع الطِّيب في نهار رمضان وهو صائم لم يفسد صومه، ويجتنب استنشاق البخور والطيب المسحوق؛ لأن لهما أجزاء متطايرة، تتصاعد وتنفُذ بالاستنشاق إلى المعدة والجوف، والإبر والحقن المغذية تُفسِد الصومَ؛ لأنها في معنى الأكل والشرب، والإبر العلاجية التي ليست في معنى الأكل والشرب كالبنسلين والأنسولين وإبر التطعيم ولقاحات كورونا ونحوها لا تُفسِد الصيامَ، والأحوطُ أخذُها في غير نهار رمضان.
ومن زرق في إحليله دواء أو محلولًا أو أدخل مِيلًا أو منظارًا لم يبطل صومه، وإحليل الذَّكَر ثَقبُه الذي يَخرُج منه البولُ؛ لأن ما يصل إلى المثانة لا يصل إلى الجوف، وما يدخل إلى الجوف من الدُّبُر من الأدوية والمحاليل بالحقنة يُفطِر الصائمَ عند جمهور الفقهاء، وتأخيرُ ذلك إلى الليل أسلمُ للعبادة.
النوع الثاني: استدعاء القيء عمدًا، سواءٌ فَحُشَ أم لا، وسواءٌ استقام طعامًا أو مُرارًا أو غير ذلك، قال ابن المنذر: أجمَع أهلُ العلمِ على إبطالِ صومِ مَنِ استقاء عامِدًا، فمن استفرَغ باختياره عامِدًا فسَد صومُه، وعليه القضاء، ومن ذرَعَه القيءُ وغلَبَه وخرَج بغير اختياره فلا قضاءَ عليه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ ذرَعَه القيءُ فليس عليه قضاءٌ، ومن استقاء عمدًا فليقضِ (أخرجه أبو داود والترمذي.
النوع الثالث: الحجامة: فإذا احتجَم الصائمُ أفطَر عند الإمام أحمد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفطَر الحاجمُ والمحجومُ (أخرجه أبو داود وابن ماجه، وعند الأئمة الثلاثة أبي حنفيه ومالك والشافعي يجوز للصائم أن يحتجم ولا يُفطِر؛ لِمَا رَوى ابنُ عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم. أخرجه البخاري، وجاء في بعض الأحاديث ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم بالقاحة، فوجد لذلك ضعفًا شديدًا فنهى عنها، والأَوْلَى بالصائم ألَّا يحتجم إلا ليلًا؛ خروجًا من الخلاف، واحتياطًا للعبادة، وبعدًا مما قد يكون مفسدًا لها.
وغسيل الكُلَى الذي يقتضي خروجَ الدم وتنقيتَه، ثم رجوعه مرةً أخرى إلى البدن بعد إضافة المواد الكيماوية والغذائية كالسُّكَّريات والأملاح وغيرها إليه يُعتبَر من المفطرات، ولا فطرَ بِفَصْدٍ وشَرْطٍ ورُعَافٍ وأَخْذِ يسيرٍ من دم الصائم لغرضِ التحليلِ والفحصِ؛ لأنه لا نصَّ فيه، والقياس لا يقتضيه، وأما التبرع بالدم فالأحوطُ تأجيلُه إلى ما بعد الإفطار؛ لأنه يُضعِف الصائمَ، وهو كثيرٌ؛ فأشبَه الحجامةَ.
جعلني الله وإياكم ممَّن صام وقام إيمانًا واحتسابًا. أقول ما تسمعون وأستغفِر الله فاستغفِروه، إنه كان للأوابين غفورًا.
الخطبة الثانية
الحمد لله، آوى مَنْ إلى لطفه أوَى، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، داوى بإنعامِه مَنْ يئس من أسقامه الدوا،
وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، صلاةً تبقى وسلامًا يترى.
أَمَّا بَعْدُ:
فيا أيها المسلمون: اتقوا الله وراقِبوه وأطيعوه ولا تعصوه؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران 120.
أيها المسلمون: النوع الرابع من المفطرات: إنزال المني، ويُباح للصائم مباشَرةُ زوجتِه ولَمْسُها وتقبيلُها؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي يقبِّل ويباشِر وهو صائم، وكان أملَكَكم لأَرَبِه، وقيل: وكان أَمْلَكَكُم لإِرْبِهِ( متفق عليه، ومعنى لأربه أو لإربه؛ أي: لحاجته ورغبته؛ فإن كان يخشى من المباشَرة بالتقبيل ونحوه فسادَ صومه وغلبةَ الشهوة عليه وسرعة نزول المني منه، فعليه اجتنابُ ذلك صيانةً لصومه، فإن باشَر فيما دون الفَرْج أو قبَّل أو لَمَسَ فأنزَل المنيَّ فسَد صومُه وعليه القضاءُ، وإن لم يُنزِل لم يفسد صومه، وإن كرر النظر في حلال أو حرام فأنزل المني فقد أفسد صومه وعليه القضاء، وإن استمنى بيده فأنزَل أفطَر وعليه القضاءُ، ولو أمذى بالمباشَرة دون الفَرْج أو أمذى بسبب قُبلة أو لَمْس أو تَكْرار نَظَرٍ لم يُفطِر في أصحِّ قولَي العلماءِ، وهو قولُ الإمامينِ أبي حنفية والشافعي، واختارَه الآجريُّ وأبو محمد الجوزي والشيخ تقي الدين.
النوع الخامس: الجِماع، وهو من مبطلات الصوم بالإجماع، والصائم إذا جامَع في نهار رمضان في الفَرْج فأنزَل أو لم يُنزِل فقد فسَد صومُه وعليه القضاءُ والكفارةُ، والكفارةُ عتقُ رقبةٍ، فمَنْ لم يجد فصيامُ شهرينِ متتابعينِ، فمن لم يستطع فإطعامُ ستينَ مسكينًا، وقد دلَّ على ذلك حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه، الذي رواه الشيخان، وإن عجز عن الأصناف كلها سقَطَتْ؛ لأنه لا واجبَ مع العجز، وإن كانت المرأة مطاوِعةً فسَد صومُها، وعليها القضاءُ والكفارةُ، وإن أُكرِهَتْ على الجماع فلا كفارةَ عليها، وعليها القضاء في أصح قولَيِ العلماءِ.
النوع السادس: خروج دم الحيض والنفاس: والحائض والنُّفَسَاء لهما الفطرُ، ولا يصحُّ منهما الصيامُ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس إحداكُنَّ إذا حاضَتْ لم تَصُمْ ولم تُصَلِّ قلنَ: بلى( أخرجه البخاري، ومتى وجد ذلك في جزء من اليوم أفسَده، وإن انقطَع دمُها ليلًا فنوتِ الصومَ ثم اغتسلَتْ من النهار صحَّ صومُها، ولا يسقط عنهما وجوبُه، وتقضيان إذا طَهُرَتَا بعدد الأيام التي أفطَرَتَا فيهما؛ لحديث عائشة رضي الله عنه أنها قال: (كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (متفق عليه.
أيها المسلمون: لا تجرحوا صيامكم بالزور، والإثم، والجهل، والظلم، فرُبَّ صائمٌ لا يقوم ثوابُ صيامه في موازنة إثم ظلمِه وإجرامه، فاتقوا اللهَ يا مَنْ أمسكتُم عن المفطِرات والمفسِدات أثناءَ الصيام، وفعلتُم ما يجب اجتنابُه على الدوام، عن أبي هريرة عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامِه الجوعُ والعطشُ، ورُبَّ قائمٍ حظُّه من قيامه السهر( رواه أحمد، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزورِ والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه(، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: (إذا صمتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَصَوْمِكَ سَوَاءً(.
جعلني اللهُ وإيَّاكم ممَّن صامَ رمضانَ وصانَه، ولم يكدر بالذنوب عملَه وإحسانَه،
وصلُّوا وسلِّموا على أحمد الهادي شفيع الورى طرًّا، فمن صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا.
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن الآل والأصحاب، وعنَّا معهم يا كريم يا وهَّاب.
اللهم أَعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأَذِلَّ الشركَ والمشركينَ، ودَمِّر أعداءَ الدِّينِ،
واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين، من كيد الكائدين وعدوان المعتدين يا ربَّ العالمينَ،
اللهم ابسط الأمن والسلام على ديار الإسلام، يا ربَّ العالمينَ.


















































