مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

297

منهج السلف الصالح في طاعة ولي الأمر

مكتب الأمانة العامة / قسم المشاريع

05 /05 /1448هـ  الموافق 15 /10 /2026م

الأمانة العامة

 

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والعدوان، وجعل الاجتماع والألفة من أسباب قوة الأمة، والصلاة والسلام على نبينا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين.

 

أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى؛ فإن تقوى الله خير زاد، وهي وصية الله للأولين والآخرين، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

 

أيها المؤمنون، إن من الموضوعات المهمة التي يحتاج المسلمون إلى فهمها فهماً صحيحاً: منهج السلف الصالح في طاعة ولي الأمر؛ لأن هذا الموضوع يتعلق بالدين، ووحدة المجتمع، وحفظ الأمن، وإقامة العدل، وصيانة الدماء والأموال والأعراض.

 

وإن الكلام في هذا الباب ينبغي أن يقوم على العلم والعدل، والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفهم الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، بعيداً عن الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط.

 

 أولاً: وجوب طاعة ولي الأمر في المعروف

عباد الله، لقد أمر الله تعالى بطاعة أولي الأمر، فقال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. فهذه الآية أصل عظيم في بيان مكانة طاعة ولي الأمر، وما يترتب عليها من مصالح عامة، وانتظام شؤون الناس، وحماية المجتمع من الفوضى والاضطراب.

 

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الطاعة ليست مطلقة، وإنما تكون في المعروف، فقال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ». متفق عليه بمعناه، وأصل لفظه في الصحيحين. وقال صلى الله عليه وسلم: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». رواه البخاري ومسلم بمعناه.

 

فيا عباد الله، ليست طاعة ولي الأمر تملقاً للأشخاص، ولا تنازلاً عن أحكام الدين، وإنما هي طاعة منضبطة بشرع الله، فيما يحقق المصلحة المشروعة ويحفظ حقوق الناس.

 

فإذا أمر ولي الأمر بما فيه مصلحة عامة مشروعة، كتنظيم شؤون المجتمع، وحماية الطرق، وصيانة الممتلكات، وحفظ الأمن، وجب الالتزام بذلك في حدود الشرع. أما إذا أمر بمعصية، فلا يجوز للمسلم أن يطيعه فيها، مع التزام الحكمة والعدل وعدم التعدي على حقوق الآخرين.

 

 ثانياً: منهج السلف الصالح في هذا الباب

أيها المسلمون، إن السلف الصالح، من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، كانوا يعظّمون النصوص الشرعية، ويدركون أن استقرار المجتمع ووحدة الكلمة من المصالح العظيمة، وأن معالجة الأخطاء تحتاج إلى علم وحكمة وبصيرة.

 

ولم يكن منهجهم قائماً على طاعة البشر في كل شيء، ولا على جعل كل خطأ سبباً للفوضى والاقتتال، بل جمعوا بين أصول شرعية عظيمة، منها:

  • السمع والطاعة في المعروف.

  • تحريم الطاعة في المعصية.

  • النصح لولاة الأمور بالطرق المشروعة.

  • العدل في الحكم على الأخطاء، وعدم التسرع في التكفير أو التحريض.

  • مراعاة المصالح والمفاسد، وحفظ الأنفس والحقوق.

  • الرجوع إلى العلماء الراسخين في النوازل والقضايا العامة التي تشتبه أحكامها.

وقد دلّ على أصل النصيحة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قلنا: لمن؟ قال: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». رواه مسلم. فالنصيحة لولي الأمر باب من أبواب الدين، وليست خيانة، كما أن بيان الخطأ بالدليل والعدل ليس خروجاً بمجرده، وإنما العبرة بالوسيلة والضوابط الشرعية وما يترتب على الفعل من مصالح ومفاسد.

 

 ثالثاً: موقف السلف من الظلم والأخطاء

عباد الله، إن من الخطأ أن يفهم المسلم طاعة ولي الأمر على أنها إقرار لكل ظلم، أو سكوت عن كل خطأ، أو تعطيل لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

فالإسلام دين العدل، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]. فالعدل واجب على الحاكم والمحكوم، وعلى القوي والضعيف، ولا يجوز لأحد أن يتخذ الطاعة ذريعة لظلم الناس أو أكل أموالهم أو انتهاك حقوقهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه أو حسنه عدد من أهل العلم.

 

وهذا يدل على فضل كلمة الحق التي تقال بعلم وإخلاص وحكمة، بقصد الإصلاح وإقامة العدل، لا بقصد التشهير أو إثارة الفتنة.

فإذا وقع خطأ من ولي الأمر، فإن الواجب هو النظر في الخطأ بميزان الشرع، والنصح بما يحقق الإصلاح، والابتعاد عن الكذب والبهتان والظلم، وعدم تحويل الخلاف إلى عداوة بين أبناء المجتمع.

 

رابعاً: التحذير من الفتن وسفك الدماء

أيها المؤمنون، إن الفتن إذا اشتعلت لم تميز بين صغير وكبير، ولا بين عالم وجاهل، وقد تضيع بسببها النفوس والأموال، وتتفرق الأسر، وتتعطل مصالح الناس. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا…» رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة في أحاديث الفتن.

 

والمقصود أن المسلم يتجنب المشاركة في الفتن التي تجر إلى الظلم وسفك الدماء، ويتثبت من الأخبار، ولا ينقل الشائعات، ولا يعتدي على أحد بحجة الدفاع عن الدين أو الوطن أو الجماعة.

 

ومن أعظم واجبات المسلم في زمن الفتن: التثبت، والعدل، وكف الأذى، والسعي إلى الإصلاح، وحفظ حياة الأبرياء.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

فكم من شائعة أفسدت علاقة، وكم من كلمة أشعلت خصومة، وكم من خبر غير متثبت منه تسبب في ظلم بريء!

 

خامساً: واجب الرعية تجاه ولي الأمر

عباد الله، إن واجب المسلم تجاه ولي الأمر لا يقتصر على الطاعة في المعروف، بل يشمل جملة من المسؤوليات الشرعية والأخلاقية، ومنها:

  • الدعاء بالصلاح والتوفيق: أن يسأل المسلم الله أن يوفق ولي الأمر للعدل والرحمة، وأن يعينه على أداء الأمانة.

  • النصح والإرشاد: أن يكون النصح بالطرق المشروعة، وبالصدق والحكمة، مع مراعاة ما يحقق الإصلاح.

  • الالتزام بالنظام المشروع: احترام القوانين والتنظيمات التي لا تخالف شرع الله، وتحفظ المصالح والحقوق.

  • حفظ الأمن العام: عدم الاعتداء على الأنفس والأموال والممتلكات، وعدم إعانة المعتدين.

  • قول الحق والقيام بالعدل: ألا يحمل حب الحاكم أو كراهيته المسلم على الكذب أو شهادة الزور أو تضييع الحقوق.

  • التثبت من الأخبار: ألا يكون المسلم أداة لنشر الشائعات والتحريض، بل يكون مفتاحاً للخير والإصلاح.

واعلموا، رحمكم الله، أن صلاح المجتمع مسؤولية مشتركة، وأن الحاكم مسؤول عن رعيته، وأن كل فرد مسؤول عن أمانته وحقوق الآخرين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه.

فليتق الله الحاكم في رعيته، وليتق الله المحكوم في واجباته، وليكن الجميع دعاة عدل وإصلاح، لا دعاة ظلم وفساد.

عباد الله، إن منهج السلف الصالح في طاعة ولي الأمر يقوم على فهم النصوص الشرعية فهماً متوازناً: فلا طاعة في معصية الله، ولا تبرير للظلم، ولا اندفاع إلى الفتن بغير علم، ولا تفريط في حقوق الناس.

فلنحفظ ألسنتنا من الكذب، وأيدينا من الاعتداء، وقلوبنا من الحقد، ولنجعل الإصلاح مقصدنا، والعدل ميزاننا، والكتاب والسنة مرجعنا.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن من علامات الفقه في الدين أن يعرف المسلم كيف يجمع بين طاعة الله، والنصيحة، والعدل، وحفظ الجماعة، وصيانة حقوق الناس.

 

أيها المسلمون، إننا في أمسّ الحاجة إلى ترسيخ هذا المنهج في بيوتنا ومساجدنا ومدارسنا ومجتمعاتنا؛ لأن الأمة التي يسود فيها العدل والصدق والتعاون تكون أقدر على تجاوز الأزمات، والأمة التي تنتشر فيها الشائعات والظلم والعداوة تضعف روابطها وتضيع مصالحها.

 

فلنعلّم أبناءنا أن الطاعة ليست عبادة للأشخاص، وأن النصيحة ليست خيانة، وأن المطالبة بالعدل لا تبيح الاعتداء، وأن الاختلاف لا يبرر الكذب، وأن المحافظة على الأمن لا تعني السكوت عن الحقوق المشروعة. ولنحرص على جمع الكلمة على الحق، والتعاون على البر والتقوى، والإصلاح بين الناس، والدعاء بالصلاح للأمة وولاة أمورها. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

 

ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعدل والحق والرحمة، وأعنهم على أداء الأمانة، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفقهم لما فيه خير البلاد والعباد.

 

البيان رقم: 33                                                                                                 الجمعة: 6/4/1448هـ  18/9/2026م

 

بيان اتحاد علماء إفريقيا حول استهداف مكة والأراضي المقدسة بالأعمال العدائية

الحمد لله الذي شرف مكة وجعلها خير البقاع، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فقد تابع اتحاد علماء إفريقيا مع الأمة الإسلامية أخبار استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة بأعمال عدائية في عملية إجرامية تخالف ما أمر به الشارع من تعظيم هذه الشعائر؛

كما في قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } [الحج: 32].

 

واتحاد علماء إفريقيا انطلاقا من مبادئه ورسالته أصدر هذا البيان حول تل ك الاعتداءات في النقاط الآتية:

  1. يعلن اتحاد علماء إفريقيا تنديده واستنكاره لهذا الاستهداف، لما فيه من اعتداء على مشاعر المسلمين في أرجاء المعمورة.
  2. يؤيد الاتحاد المملكة العربية السعودية فيما اتخذت من تدابير لحماية أراضيها بصفة عامة، والحرمين الشريفين بصفة خاصة.
  3. يدعو الاتحاد عامة المسلمين شعوبا وحكومات إلى التكاتف والتآزر لحماية المقدسات الإسلامية في الحرمين وفي بيت المقدس.
  4. يناشد الاتحاد المنظمات والهيئات الإسلامية بالعمل لاتخاذ التدابير اللازمة لحل المشكلات القائمة بين الدول أو التجمعات بما يضمن حل النزاعات بالطرق السلمية العادلة؛ ويعلن الاتحاد استعداده التام للإسهام في هذا المسار؛ حقنا للدماء وحماية لمقدرات الشعوب.
  5. وختاما نسأل المولى الكريم أن يعين القائمين على أمن الحرمين الشريفين في رد اعتداءات المعتدين، لتمكين الحجاج والمعتمرين والزوار من أداء شعائرهم في أمن وأمان.

والله ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

             الأمين العام                                                     الرئيس

الدكتور سعيد محمد بابا سيلا                      الدكتور سعيد برهان عبد الله

 

 

التاريخ: 28/04/1448هـ الموافق 09/10/2026م  
 
فتوى رقم 20-48
حول حكم بيع التذاكر لحضور المحاضرات والندوات الإسلامية

التاريخ: 28/04/1448هـ الموافق 09/10/2026م

 

فتوى رقم 20-48

حول حكم بيع التذاكر لحضور المحاضرات والندوات الإسلامية

سم الله الرحمن الرحيم
‎الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد ورد إلى لجنة الإفتاء الاستفتاء الآتي نصه:

“هل يجوز بيع التذاكر مقابل الحضور في محاضرة إسلامية بهدف توفير ميزانية تكاليف المحاضرة، وجمع المال لتنفيذ مشاريع خيرية كحفر الآبار ومساعدة المحتاجين ونحوها؟“

الجواب وبالله التوفيق:

بعد التداول والبحث الفقهي المؤصل في هذه النازلة الدعوية، تأصلت المسألة على التحرير الآتي:

أولاً: الأصل المقرّر شرعاً أن تبليغ دين الله تعالى والقيام بأمر الدعوة والتعليم قائم على الاحتساب وابتغاء وجه الله تعالى، دون اشتراط عوض مالي يتكلفه المدعوون؛ اقتداءً بالسُنّة المستمرة للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.

والدليل من الكتاب؛ قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 90]، وقوله جل وعلا: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: 21].

ومن السنة النبوية: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» [رواه البخاري].

ثانياً: يجوز أخذ التعويض المالي على تعليم علوم الشريعة ونشرها عند الحاجة الداعية لذلك؛ كتعذر تفرغ المعلم أو المنظم إلا بكفاية مالية، أو عند غياب الأوقاف وبيت المال المنفق على المعلم المنقطع للتعليم؛ وذلك تحصيلاً لمصلحة حفظ الدين، وسداً لحاجة القائمين عليه.

فقد ثبت في صحيح البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ».
ثالثاً: الأصل في تنظيم المحاضرات العامة أنه منوط بالولايات العامة والمؤسسات والمراكز الإسلامية المعتمدة رسمياً؛ حسماً لمادة النزاع والفوضى، وسداً لذريعة الافتئات والافتراق.

رابعاً: أن إقامة البرامج التأهيلية والمحاضرات المتخصصة الموجهة لفئات محددة (كالكوادر الطبية، والشباب، ونحوهم) تُكيّف فقهياً على أنها من الوسائل الدعوية التي تجري عليها أحكام المصالح المرسلة وتراعى فيها قواعد الحكمة في الدعوة إلى الله.

خامساً: التفصيل في حكم بيع التذاكر وضوابطه

  1. حالة الجواز: إذا دعت الحاجة إلى بيع تذاكر لحضور دورات أو محاضرات متخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والمنافع الفعلية المستهلكة (كإيجار القاعات، وأجهزة العرض، والضيافة ونحوها) عند تعذر المتبرع، مع قيام المصلحة الراجحة (كصعوبة إيصال المادة الدعوية للجمهور المستهدف إلا بهذه الوسيلة)، وخلو البرنامج من المنكرات الشرعية.

 ¯التكييف الفقهي: هذا العقد يُعد استيفاءً لبدل خدمات ومنافع مباحة مشروعة.

  1. حالة والمنع:
  • لا يجوز بيع التذاكر في الأحوال الآتية:
  • إذا كانت المحاضرة عامة لا تتطلب تكاليف خاصة في الأصل.
  • إذا اتُّخذ بيع التذاكر ذريعة للتربح والتكسب غير المشروع.
  • إذا ترتب على ذلك حرمان عامة المسلمين وسد الطريق أمامهم لسماع الموعظة.

¯     العلة الشرعية:  لما في ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، والصد عن مجالس الخير والعلم.

سادساً: عملاً بقاعدة سد الذرائع ورعايةً لأصل مجانية الدعوة وخروجاً من الخلاف الفقهي، ينبغي سلوك الطرق البديلة لتغطية النفقات التنظيمية؛ كفتح باب التبرع الطوعي، أو الاستعانة بالمؤسسات الخيرية وأهل الفضل.

سابعاً: أما إلزام الناس بشراء التذاكر لحضور المحاضرات باعتباره طريقة لتمويل المشاريع الخيرية (كحفر الآبار ومساعدة المحتاجين)، فلا يجوز شرعاً؛ إذ المتقرر أن أفعال البر والتبرعات تُبنى على التطوع والاختيار المباشر من المتبرعين دون إكراه أو ربط بشرط تجاري أو خدمي.

الخلاصة والقرار:

  1. بيع التذاكر لحضور المحاضرات: جائز بشرط مسيس الحاجة وعدم وجود النفقات التشغيلية الفعلية وتعذر البدائل المجانية، وأن تكون موجهة لفئات خاصة وفق تقدير الجهات المختصة.
  2. تمويل المشاريع الخيرية: لا يجوز أن يفرض عبر بيع التذاكر حتماً، بل يُسلك فيه طريق التبرع الطوعي المباشر.

والله تعالى أعلم، والرد إليه أسلم،

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أعضاء لجنة الإفتاء والإرشاد في اتحاد علماء إفريقيا:

1 أ.د/ محمد أحمد لوح السنغال رئيسًا
2 د/ جيلان خضر إثيوبيا مقرّرًا
3 أ/ أبو بكر موري سوماورو ليبيريا عضوًا
4 د/ أبو بكر باه السنغال عضوًا
5 د/ حسين محمد بوا يوغندا عضوًا
6 د/ ديارا سياكا كوت ديفوار عضوًا
7 د/ عبد الرزاق حسين جيبوتي عضوًا
8 د/ عبد الله سيدجمل الليل جزر القمر عضوًا
9 د. محمد إسحاق كندو بوركينا فاسو عضوًا
10 أ/ محمد تراوري مالي عضوًا
11 د/ سويد جمعة يوغندا عضوًا
12 د/سراج الدين بلال الأسرع نيجيريا عضوًا
13 أ/ بشير أحمد صلاد الصومال عضوًا
14 د/ عبد الله لام السنغال عضوًا

                                                      عنهم:

                                                   فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد أحمد لوح

                                            رئيس اللجنة

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

296

وصايا بعد أن عدنا إلى المدرسة

مكتب الأمانة العامة / قسم المشاريع

28 /04 /1448هـ  الموافق 09 /10 /2026م

الأمانة العامة

الموضوع: ” وصايا بعد أن عدنا إلى المدرسة “

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئا      أما بعد:

 

فوصية مني لكم ولنفسي يا لها من وصية، وهي تقوى الله تعالى في السر والعلن قال تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا﴾.

 

أيها الأحبة في الله: إن العلم من أعظم نعم الله تعالى وأشرفها على عباده، لذا أمر الله تعالى نبيه  بالاستزادة منه فقال سبحانه: ﴿وقل رب زدني علما﴾ وإن العلم بالتعلم والتعلم بالتعليم، والتعلم هو طلب العلم بسلوك طرق الحصول عليه، ومن أكبر وسائل الحصول على العلم إرسال الأولاد إلى المدارس ولقد استأنفت المدارس دراستها خلال هذا الأسبوع فهنيئا للأولياء الذين أرسلوا أولادهم إلى المدارس، ومرحبا بالأولاد في مدارسهم، والله أسأل أن يعلمهم علما نافعا ويبارك فيهم وفي جهودهم.

 

عباد الله: إن العملية التعليمية التربوية تدور بين عدة أطراف أقواها مسؤولو المؤسسات التعليمية، التلاميذ، وأولياء التلاميذ، فدونكم ثلاث وصايا لكل منهم: أولا: مسؤولو المؤسسات التعليمية )المديرون والمدرسون(

/1 كونوا مخلصين في أعمالكم، فإن الإخلاص سر نجاح العمل وسبب التوفيق في المهام، وبذل العلم النافع عبادة جليلة

وهو من الصدقة الجارية التي ينتفع بها العبد بعد الممات، ومن شروط قبول العبادة إخلاص النية فيها، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله  قال: )إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة

جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له( قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه سببا لها.

 

/2 عليكم أن تشعروا بثقل الأمانة وعظم المسئولية، إنها أمانةُ تربيّةِ النّشء ومسئولية بناء أجيال! هذا النشء الذين هم اليوم صغار وغَدًا سيكونون كبارا، وهم اليوم طلَّاب وغدًا معلِّمون وخبراء ومهندِسون وأطبّاء وأهل عِلمٍ وفضل.. روى مالك في الموطأ عن ابن عمر عن رسول الله قال: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالأمير الذي على الناس راع عليهم وهو مسؤول عنهم والرجل راع على أهله وهو مسؤول عنهم وامرأة الرجل راعية على مال زوجها وهي مسؤولة عنه وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.

 

/3 كونوا قدوة لمن يتعلمون منكم ومعلمين بأخلاقكم قبل معارفكم، فالمعلم مؤدب ومرب يستفيد الطلاب من لحظه قبل

لفظه، لذا وصف الله تعالى المعلم الأول للأمة  بقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر… ﴾

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأســتغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الحمد لله الذي بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على أفضل من تعلم وعلم

 

ثانيا: التلاميذ فأوصيهم:

/1 كونوا جادين واحرصــوا على التفوق والإتقان من أول الســنة إلى آخرها فعن عائشــة رضــي الله عنها أن رســول الله   قال: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) (الطبراني في الأوسط) 897 (وأبو يعلى في مسنده) 4386.

 

/2 احفظوا أوقاتكم وأحســـــنوا تنظيمها واســـــتغلوها بما ينفعكم، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عَنْـهُمَا قَالَ، قَالَ النبي: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيٌر مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) رواه البخاري.

 

/3 كونوا محبين للعلم واصـــــبروا له، فإن حب العلم دافع للجد في طلبه وميســـــر لســـــبل تحصـــــيله، قال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات…﴾.

 

ثالثا أخيرا أولياء التلاميذ:

/1 تابعوا أولادكم خارج المدارس وتتبعوا أحوالهم في المدرسة، فلكل من المدرسة والبيت دور في تربية وتعليم الأولاد ولا يغني أحدهما عن الآخر، فالتعليم عملية متكاملة

 

/2 أدوا حقوق المدارس على أحسن وجه ولا تكونوا ظالمين، والتزموا بالشروط التي بينكم فالمسلمون على شروطهم.

 

/3 العناية بالجانب الديني للأولاد، ولا تغلبوا جانب التعليم على جانب الدين، كمن يمنع أولاده من الذهاب إلى المســــــجد أو صلاة الفجر بدعوى الذهاب إلى المدرسة.

 

اللهم اجعل هذا العام الدراسي عام علم ومعرفة، وتوفيق وتفوق، وازدهار وتفوق، وبركة ونجاح يا رب العالمين.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، فإن من صلى عليه مرة واحدة صل الله بها عشرا، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه وسلم، اللهم أكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك وبحبك وحب رسولك عن حب من سواكما، وأذقنا حلاوة الإيمان بطاعتك وطاعة رسولك صلى الله عليه وسلم،

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه يا رب العالمين، وصل الله وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

 

 

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

295

التوكل على الله

قسم المشاريع

21/04/1448هـ  الموافق: 02/10/2026م

الأمانة العامة

 

 

الموضوع:  “التوكل على الله”

الحَمْدُ للهِ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، وَلَا مَانِعَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، هُوَ الـمُتَفَرِّدُ بِالأَمْرِ كُلِّهِ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:123]، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بَعَثَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، ﷺ

وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ:  فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللهِ U، فَـــ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

عِبَادَ اللهِ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللهُ U هُوَ يَقِينٌ بِعَظَمَةِ اللهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَهَيْمَنَتِهِ عَلَى الحَيَاةِ وَالوُجُودِ وَالأَفْلَاكِ وَالأَكْوَانِ. التَّوَكُّلُ قَطْعُ القَلْبِ عَن العَلَائِقِ، وَرَفْضُ التَّعَلُّقِ بِالخَلَائِقِ، وَإِعْلَانُ الافْتِقَارِ إِلَى مُحَوِّلِ الأَحْوَالِ وَمُقَدِّرِ الأَقْدَارِ. فَهُوَ صِدْقُ الاعْتِمَادِ عَلَى اللهِ U فِي جَلْبِ الـمَصَالِحِ وَدَفْعِ الـمَضَارِّ. التَّوَكُّلُ إِيمَانٌ وَسَكِينَةٌ وَاطْمِئْنَانٌ، ثِقَةٌ بِاللهِ تَعَالَى، وَأَمَلٌ يَصَحَبُهُ العَمَلُ، وَعَزِيمَةٌ لَا يَنْطَفِئُ وَهَجُهَا مَهْمَا تَرَادَفَتْ الـمَتَاعِبُ. يَقَوْلُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللهُ: “التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ جِمَاعُ الإِيْمَانِ”. وَالتَّوَكُّلُ يَا عِبَادَ اللهِ أَجْمَعُ أَنْوَاعِ العِبَادَاتِ، وَأَعْلَى مَقَامَاتِ التَّوْحِيدِ، وَأَعْظَمُهَا وَأَجَلُّهَا. قَالَ ابْنُ اﻷَثِيْرِ: “فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى: (الوَكِيلُ) وَهُوَ القَيِّمُ الكَفِيلُ بِأَرْزَاقِ العِبَادِ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِأَمْرِ الـمَوْكُولِ إِلَيْهِ”. وَالـمُتَوَكِّلُ عَلَى اللهِ: هُوَ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ اللهَ كَافِلٌ رِزْقَهُ وَأَمْرَهُ فَيَرْكَنُ إِلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَوِيُّ التَّوَكُّلِ لَا يُهْزَمُ إِذَا بَذَلَ السَّبَبَ، وَالـمُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ لَنْ يُخْذَلَ.

 

أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: وَرَدَ لَفْظُ (الوَكِيلِ) فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، وَذَكَرَ فِيهِ الـمُفَسِّرُونَ أَقْوَاﻻً كَثِيرَةً، قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الأَمِينُ الشِّنْقِيطِيُّ: “الـمَعَانِي كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَمَرْجِعُهَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، هُوَ أَنَّ الوَكِيلَ: مَنْ يُتَوكَّلُ عَلَيْهِ فَتُفَوَّضُ الأُمُورُ إِلَيْهِ لِيَأْتِيَ بِالخَيْرِ وَيَدْفَعَ الشَّرَّ، وَهَذَا ﻻَ يَصِحُّ إِﻻَّ للهِ وَحْدَهُ U”. وَلَقَدْ جَاءَ الأَمْرُ بِهِ فِي كِتَابِ اللهِ فِي أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَسِيَاقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بَلْ لَقَدْ جَعَلَ اللهُ التَّوَكُّلَ مُرْتَبِطاً بِالإِسْلَامِ وَالإِيْمَانِ فَقَالَ I: ﴿إِنْ كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس:84]. وقالI : ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:23].

أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إنَّ تَحْقِيقَ التَّوَكُّلِ لَا يُنَافِي السَّعْيَ فِي الأَسْبَابِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالأَخْذِ بِالأَسْبَابِ مَعَ أَمْرِهِ بِالتَّوَكُّلِ، فَالسَّعْيُ فِي الأَسْبَابِ بِالجَوَارِحِ طَاعَةٌ للهِ، وَالتَّوَكُّلُ بِالقَلْبِ عَلَيْهِ إِيمَانٌ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:71]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:60]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:10]. فَالأَخْذُ بِالأَسْبَابِ مَعَ تَفْوِيضِ الأَمْرِ للهِ تَعَالَى وَالثِّقَةِ بِأَنَّهُU   ﻻَ يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً؛ هُوَ مِن التَّوَكُّلِ الـمَأْمُوْرِ بِهِ، أَمَّا القُعُودُ عَنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِن التَّوَكُّلِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اتِّكَالٌ أَوْ تَوَاكُلٌ حَذَّرَنَا مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَصَدَقَ القَائِلُ:

تَوَكَّلْ عَلَى الرَّحْمَنِ فِي كُـــــــــلِّ حَاجَةٍ # وَلَا تُؤْثِرَنَّ العَجْزَ يَوْماً عَلَى الطَّلَبْ

أَلَمْ تَــــــــــــــــــَر أَنَّ اللهَ قَـــــــــــــالَ لِمَــــــــرْيَمٍ # إِلَيْكِ فَهُزِّي الجِذْعَ يَسَّاقَطُ الرُّطَبْ

وَلَوْ شَاءَ أَنْ تَجْنِيهِ مِنْ غَيْرِ هَزِّهَا # جَنَتْهُ، وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَــــــــهُ سَبَبْ                      

أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: الثِّقَةُ بِاللهِ تَعَالَى مِن أَعْلَى مَرَاتِبِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ U، وَنَقَلَ ابْنُ القَيِّمِ عَنْ صَاحِبِ الـمَنَازِلِ قَوْلَهُ: “الثِّقَةُ: سَوَادُ عَيْنِ التَّوَكُّلِ، وَنُقْطَةُ دَاِئرَةِ التَّفْوِيضِ”  قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: “وَالـمُرَادُ هُوَ أَنَّ الثِّقَةَ خُلَاصَةُ التَّوَكُّلِ وَلُبُّهُ، كَمَا أَنَّ سَوَادَ العَيْنِ أَشْرَفُ مَا فِيْهَا”، فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ الـمُتَوَكِّلِيْنَ عَلَيْهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ.

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيْهِمَا مِنَ الآيَاتِ وَالحِكْمَةِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

 

 

الخطبة الثانية

الحَمْدُ للهِ، لَهُ الحَمْدُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى الـمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً وَسَلَاماً دَائِمَينِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ : إِنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ U مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ شُؤُونِ الحَيَاةِ، بَيْدَ أَنَّ هُنَاكَ مَوَاطِنَ وَرَدَ فِيهَا الحَضُّ عَلَى التَّوَكُّلِ وَاﻷَمْرِ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، وَمِن تِلْكَ الموَاطِنِ: 

– عِنْدَ إِعْرَاضِ العَبْدِ عَن الأَعْدَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾  [النساء:81]. – وَعِنْدَ إِعْرَاضِ الخَلْقِ عَنِ العَبْدِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [التوبة 129]. – وَعِنْدَ اليَقِينِ بَأَنَّ مَرْجِعَ الكُلِّ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ U: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود123]. – وَعِنْدَ خَشْيَةِ بَأْسِ الأَعْدَاءِ وَالشَّيْطَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل99]. وَهَاهُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ يُعَلِّمُنُا دُرُوساً فِي التَّوَكُّلِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حِينَمَا جَاءَهُ مُشْرِكٌ، وَسَلَّ سَيْفَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي يَا مُحَمَّدُ؟ فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِكُلِّ ثِقَةٍ قَائِلاً: “اللهُ” فَرَجَفَ الـمُشْرِكُ وَسَقَطَ سَيْفُهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إِيذَاءُ النَّبِيِّ ﷺ بِسَبَبِ حِفْظِ اللهِ لَهُ، وَحُسْنِ تَوَكُّلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَبِّهِ U، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ الغَارِ الـمَشْهُورَةِ فِي الهِجْرَةِ إِلَى الـمَدِينَةِ حِينَمَا كَانَ الـمُشْرِكُونَ يَتَعَقَّبُونَ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ مَعَهُ أَبُوبَكْرٍ الصِّدِّيقُ t، فَمَرَّ الـمُشْرِكُونَ بِجَانِبِ فَتْحَةِ الغَارِ، فَخَشِيَ أَبُوبَكْرٍ t أَنْ يَرَاهُمَا المشْرِكُونَ، فَطَمْأَنَهُ إِمَامُ الـمُتَوَكِّلِينَ ﷺ قَائِلاً: “مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا” رواه البخاري، فَكَانَ نَبِيُّنَا ﷺ مِثَالاً حَيًّا لِلتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ. – وَمِنْ تِلْكَ الموَاطِنِ أَيْضاً حِينَمَا يُسَلِّمُ العَبْدُ الأَمْرِ للهِ مُطْلَقاً وَيَكْتَفِي بِهِ جَلَّ وَعَلَا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾  [النساء81]. – وَعِنْدَ الرَّغْبَةِ فِي نَيْلِ مَحَبَّةِ اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:159].

 

 

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا جَمِيلَ التَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وَحُسْنَ الاعْتِمَادِ عَلَيْكَ، وَاليَقِينَ فِيمَا عِنْدَكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ، وَاسْتَعَانَ بِكَ فَأَعَنْتَهُ، وَاسْتَهْدَاكَ فَهَدَيْتَهُ، وَدَعَاكَ فَأَجَبْتَهُ، وَسَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

 

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالـمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشَّرْكَ وَالـمُشرِكِينَ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الـمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ وِلَايَتَهُمْ فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَع رِضَاكَ،

رَبَّنَا تَقَبلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَتُبْ عَلِينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ، وَاغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ الـمُسلِمِينَ وَالـمُسلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُم وَالأَمواتِ إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللهِ: اذْكُرُوا الْلَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَىَ وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ الْلَّهِ أَكْبَرُ وَالْلَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .

 

 

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا
رقم عنوان الخطبة معد الخطبة التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة المراجعة والنشر
294 سَبِيلُ النَّجاةِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ قسم المشاريع 14/04/1448هـ  الموافق 25/09/2026م الأمانة العامة

 

 

الموضوع:  “سَبِيلُ النَّجاةِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ“

الحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنْسَتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَه،

وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71].

 

أَمَّا بَعْدُ:  عِبَادَ اللهِ: إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلا قَد أَنْزَلَ كِتابَهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَتَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ إِلَى قِيامِ السَّاعَةِ، وَأَمَرَنا رَبُّنا جَلَّ وَعَلا أَنْ نَتَعَلَّمَ وَنُرَتِّلَ الْقُرْآنَ؛ فَقالَ فِي مُحكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿‌وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ المزمل: 4. وَنَبِيُّنا ﷺ أَطْلَقَ الْخَيْرِيَّةَ لِأَهْلِ الْقُرْآنِ؛ قالَ ﷺ: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ) أخرجه البخاري، بَلْ إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا أَمَرَنا بِتَدَبُّرِ هَذا الْكِتابِ وَالْعَمَلِ بِما فِيهِ فَقالَ: ﴿أَفَلَا ‌يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ﴾ محمد:24. أخرج أحمد بن حنبل في الزهد: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: “إِذَا سَمِعْتَ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ﴾  فارْعِها سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ”. وَسَوْفَ نَقِفُ الْيَوْمَ مَعَ آياتٍ كَرِيمةٍ لَوْ نَزَلَتْ عَلَى الْجِبالِ لَدَكَّتْها؛ ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعًا ‌مُّتَصَدِّعًا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ﴾ الحشر:21.

عِبادَ اللهِ: هَذِهِ آياتٌ مِنْ آخِرِ سُورَةِ المؤْمِنونَ، مَنْ تَدَبَّرْها وَتَأَمَّلْها وَعَمِلَ بِما فِيها أَصْلَحَ اللهُ لَهُ دِينَهُ وَدُنْياهُ وَأُخْراهُ؛ يَقُولُ اللهُ تَعالَى: ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ‌ٱلسَّيِّئَةَۚ ‌نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ المؤمنون: 96. ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ ‌هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ﴾ المؤمنون:97- 98. يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِهِ عَنْ هَذِهِ الْآياتِ: “ثَلاثُ آياتٍ لَا رابِعَ لَها أَمَرَ اللهُ جَلَّ وَعَلا بِمُصانَعَةِ الْعَدُوِّ الْإِنْسِيِّ”. وَالْمُصانَعَةُ بِمَعْنَى الْمُداراةِ. وَها هُوَ رَسُولُنا ﷺ يُعَلِّمُنا كَيْفَ نَتَعامَلُ مَعَ مَنْ هُمْ مَصْدَرُ أَذًى لَنا. جاءَ عِنْدَ الْبُخارِيِّ أَنَّ رَجُلًا -وَقِيلَ مِنَ المنافِقِينَ- اسْتَأْذَنَ علَى النَّبيِّ ﷺ فقالَ ﷺ: ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ – أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ- فَلَمَّا دَخَلَ الرَّجُلُ أَلانَ لَهُ الْكَلامَ وَانْبَسَطَ إلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يا رَسولَ اللَّهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ كَذَا وكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: يا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟ -ثُمَّ قالَ ﷺ مَقُولَتَهُ الْخالِدَةَ، وَالَّتِي بِمَثابَةِ خارِطَةِ الطَّرِيقِ فِي التَّعامُلِ مَعَ النَّاسِ- إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فحشه).

ثُمَّ نُتابِعُ الْآياتِ فَنَجِدُ الَّذِي فَرَّطَ فِي حَياتِهِ يَنْدَمُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ ‌رَبِّ ‌ٱرۡجِعُونِ﴾ المؤمنون: 99.  لِماذا تَمَنَّى الرُّجُوعَ؟ أَلِكَيْ يُكْمِلَ مُتْعَتَهُ بِالدُّنْيا؟ أَمْ لِيَبْقَى مَعَ أَهْلِهِ؟ لا، قال: ﴿لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ المؤمنون: 99. وَلاحِظُوا –نَفَعَنا اللهُ بِكِتابِهِ- أَنَّهُ قالَ (لَعَلِّي)، وَلَمْ يُؤَكِّدْ كَلامَهُ وَأُمْنِيَتَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَمُ أَنَّ هَذا الْعَبْدَ لَوْ أُعِيدَ إِلَى الدُّنْيا مِئاتِ المرَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَبْعُهُ وَمَسْلَكُهُ، وَلَنْ يُصْلِحَ ما تَمَنَّى الرُّجُوعَ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عاشَ عابِدًا لِدُنْياهُ وَشَهَواتِهِ زاهِدًا فِي آخِرَتِهِ، فَأَظْلَمَ قَلْبُهُ فَأَصْبَحَ أَسْوَدَ مِرْبادًّا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، ﴿قَالَ ‌رَبِّ ‌ٱرۡجِعُونِ * لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكۡتُۚ﴾ ما كانَ الرَّدُّ علَى طَلَبِهِ؟ جاءَ الرَّدُّ صاعِقًا مِنْ رَبِّنا جَلَّ وَعَلا: ﴿كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ وَهُنا لَفْتَةٌ نافِعَةٌ: عُمَرُ t يَقُولُ: إِيَّاكَ وَما يُعْتَذَرُ مِنْهُ. أَيْ: عَوِّدْ نَفْسَكَ عَلَى أَلَّا تَفْعَلَ ما يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِذارَ إِلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَذِرَ غالِبًا مُنْكَسِرٌ ذَلِيلٌ، هَذا فِي الدُّنْيا، فَما بالُكَ بِمَوْقِفِ الْآخِرَةِ؟!.

صَوَّرَ لَنا نَبِيُّنا ﷺ هَذِهِ الدُّنْيا فَقالَ: (يُؤْتَى بأَنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيا مِن أهْلِ النَّارِ يَومَ القِيامَةِ، فيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً -أَيْ: يُغْمَسُ فِي النَّارِ غَمْسَةً- ثُمَّ يُقالُ: يا ابْنَ آدَمَ، هلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا واللَّهِ يا رَبِّ، ويُؤْتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنْيا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فيُقالُ له: يا ابْنَ آدَمَ، هلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا واللَّهِ يا رَبِّ، ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ( صحيح مسلم.

يُصَوِّرُ لَنا رَبُّنا جَلَّ وَعَلا حَقِيقَةَ هَذِهِ الدُّنْيا، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ لا يَنْفَعُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ؛ لِذَلِكَ يَقُولُ رَبُّنا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ‌ٱلۡقِيَٰمَةِ ‌كِتَٰبًا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا * ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبًا﴾ الإسراء: 13- 14. وَالطَّائِرُ هُنا الْعَمَلُ، فَمَنْ كانَ فِي الدُّنْيا قائِمًا بِالْعُبُودِيَّةِ كَمَا أَمَرَهُ رَبُّهُ، مُبْتَعِدًا عَنِ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَأَكْلِ الْحَرامِ، مُلْتَزِمًا بِصَلاةِ الْفَرائِضِ وَالتَّطَوُّعِ وَقِيامِ اللَّيْلِ وَصَدَقَةِ السِّرِّ، بَعْدَ أَنْ كانَ يُخْفِي عَمَلَهُ الصَّالِحَ فِي الدُّنْيا فَهَوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَعِنْدَ أَخْذِهِ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ يَفْتَخِرُ، وَيُعْلِنُ أَمامَ كُلِّ مَعارِفِهِ ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ ‌كِتَٰبِيَهۡ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ﴾ الحاقة: 19- 20.

فَهَنِيئًا ثُمَّ هَنِيئًا لِمَنْ عَلِمَ حَقِيقَةَ الدُّنْيا ثُمَّ قالَ جَلَّ وَعَلا مُصَوِّرًا لَنا مِيزانَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ * وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ * ‌تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ * أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡماً ضَآلِّينَ * رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ * قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيق مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ * فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ * إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ المؤمنون: 102- 111.

 

وَمِنْ أَحْداثِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ذَلِكَ السُّؤالُ لِتَوْبِيخِ وَتَخْجِيلِ أَهْلِ النَّارِ: ﴿مَا ‌سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ﴾ المدثر: 42. فَما كانَ جَوابُهُمْ؟ ﴿قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ * وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ﴾ المدثر: 43- 44. أَيْ: لَمْ نَكُنْ فِي الدُّنْيا نُصَلِّي وَلَمْ نَكُنْ نُزَكِّي ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ﴾ المدثر: 45. كُنَّا نَمْشِي وَنَتَكَلَّمُ فِي الْباطِلِ؛ كَالِاسْتِهْزاءِ بِسُنَّةِ النَّبِي ﷺ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية

الحمْدُ للهِ عَلَى فَضْلِهِ وَإِحْسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ،

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحابِهِ وَأَزْواجِهِ وَإِخْوانِهِ وَمَنْ سارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

ثُمَّ يَخْتِمُ رَبُّنا جَلَّ وَعَلا هَذِهِ الْآياتِ بِسُؤالٍ مُوَجَّهٍ لِلْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيامَةِ: ﴿قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٍ فَسۡـَٔلِ ‌ٱلۡعَآدِّينَ * قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلًاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الدُّنْيا لَعَلِمْتُمْ أَنَّها قَصِيرَةٌ، فَهَذا نُوحٌ -عَلَيْهِ السَّلامُ- عَمَّرَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عامٍ، وَلَمَّا سُئِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: كَيْفَ وَجَدْتَ الدُّنْيا؟ قالَ –عَلَيْهِ السَّلامُ- وَجَدْتُ الدُّنْيا كَدارٍ لَها بابانِ، دَخَلْتُ مِنْ أَحَدِهِما وَخَرَجْتُ مِنَ الْآخَرِ. وَأَنْتَ يَا عَبْدَ اللهِ تَمُرُّ عَلَيْكَ السُّنُونُ مُرُورَ الْبَرْقِ فَلا تَنْتَبِهُ إِلَّا وَقَدْ خَطَّ عارِضَيْكَ الْمَشِيبُ، وَلَا تَشْعُرُ إِلَّا وَأَبْناؤُكَ قَدْ كَبِرُوا وَتَفَرَّقُوا مِنْ حَوْلِكَ، يَقُولُ رَبُّنا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثاً وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ﴾ أَيْ: هَلْ كُنْتَ تَظُنُّ أَيُّها الْعَبْدُ أَنَّ الْحَياةَ تَمُرُّ بِلَا حِسابٍ وَلا مُسَاءَلَةٍ؟!

﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ * فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ * وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ * وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾.

 

اِعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ الْعَبْدَ مَتَى ابْتَعَدَ عَنِ الشِّرْكِ، وَحَقَّقَ التَّوْحِيدَ، وَوُفِّقَ لِلِاسْتِغْفارِ، فَقَدْ أَرادَ اللهُ بِهِ الْخَيْرَ وَالْفَلاحَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ؛ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا ‌يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَاماً * يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَٰلِحاً فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰت وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورا رَّحِيما﴾ الفرقان: 68- 70.  وَقالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا * يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارًا * وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰل وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٍ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرًا﴾ نوح: 10- 12. فَالِاسْتِغْفارُ يَغْسِلُ الذَّنْبَ، وَيَرْفَعُ الدَّرَجاتِ، جَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ هَرِمٌ قَدْ سَقَطَتْ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَدَرَ وَفَجَرَ، لَمْ يَدَعْ حَاجَةً وَلا دَاجَةً إِلا اقْتَطَعَهَا بِيَمِينِهِ، لَوْ قُسِّمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ الأَرْضِ لَأَهْلَكَتْهُمْ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَسْلَمْتَ؟ فَقالَ: أَمَا أَنا، فَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَإِنَّ اللَّهَ غَافِرٌ لَكَ مَا كُنْتَ كَذَلِكَ، وَمُبِدِّلٌ سَيِّئَاتِكَ حَسَنَاتٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَغَدْرَاتِي وَفَجْرَاتِي؟ قَال: وَغَدَرَاتَكَ وَفَجْرَاتَكَ، قَالَ: فَوَلَّى الرَّجُلُ يُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ. ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا ‌فَعَلُواْ ‌فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَة مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰت تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ﴾ آل عمران: 135- 136.

 

فَاحْرِصُوا بارَكَ اللهُ فِيكُمْ عَلَى التَّزَوُّدِ بِالْأَعْمالِ الصَّالِحَةِ؛ فالْعُمرُ مَهْمَا طالَ فَهُوَ قَصِيرٌ، وَالدُّنْيا مَهْمَا طالَتْ فَهِيَ راحِلَةٌ مُدْبِرَةٌ، وَالجنَّةُ وَالنَّارُ هُما الْمُسْتَقَرُّ فِي الْآخِرَةِ، فَجاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ، وَقَدِّمُوا أَعْمالًا صالِحَةً تُرْضِي رَبَّكُمْ؛ لِتَنالُوا جَنَّةً عَرْضُها السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. جَعَلَنا اللهُ وَإِيَّاكُمْ وَوَالِدِينا وَوَالِدِيكُمْ وَأَزْواجَنا وَذُرِّيَّاتِنا وَجَمِيعَ المسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْجِنانِ الْعالِيَةِ.

 

 

 

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالـمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالـمُشْرِكِينَ.

رَبَّنَا تَقَبلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَتُبْ عَلِينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ، وَاغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ الـمُسلِمِينَ وَالـمُسلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُم وَالأَمْواتِ إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ المسْتَعانُ، وَبِكَ المسْتَغاثُ، وَعَلَيْكَ التُّكْلانُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.

رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالمينَ، وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

اللَّهُمَّ ثَبِّتْنا عَلَى نَهْجِ الِاسْتِقامَةِ، وَأَعِذْنا مِنْ مُوجِباتِ النَّدامَةِ يَوْمَ الْقِيامَةِ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ الْلَّهِ: اذْكُرُوا الْلَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ عَلَىَ وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ الْلَّهِ أَكْبَرُ وَالْلَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ.

 

 

 

20260924_114838زيارة الأستاذ عمر عبد الله ديكو عضو اتحاد علماء إفريقيا المقيم في الكاميرون لمكتب الأمانة العامة للاتحاد
زار عضو الاتحاد فضيلة الأستاذ عمر عبد الله ديكو الداعية من جمهورية مالي بلد المقر، المقيم في دولة الكاميرون مكتبَ الأمانةَ العامة في بماكو برفقة أخيه محمد ديكو، هذا اليوم الخميس 13 ربيع الآخر 1448هـ الموافق 24 سبتمبر 2026م وذلك بمناسبة قدومه ووجوده في الوقت الحالي بدولة المقر مالي المزيد…