مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

299

أسباب رفع البلاء

مكتب الأمانة العامة / قسم المشاريع

18 /05 /1448هـ  الموافق 29 /10 /2026م

الأمانة العامة

 

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، يبتلي عباده لحكمة، ويرحمهم بفضله، ويكشف الضر عنهم برحمته، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

 

أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله مفتاح الفرج، وسبب النجاة من الشدائد، وطريق الخروج من الأزمات.  قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].

 

أيها المؤمنون، إن الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان، لا تخلو من الشدائد والمحن، ولا يسلم فيها أحد من الهموم والأحزان؛ فهذا مريض يرجو الشفاء، وهذا فقير ينتظر الفرج، وهذا مظلوم يطلب الإنصاف، وهذه أسرة تعاني الخلاف، وهذا مجتمع يواجه الخوف والاضطراب.

 

ولكن المؤمن يعلم أن البلاء ليس نهاية الطريق، وأن وراء العسر يسرًا، وبعد الشدة فرجًا، وأن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، لا يعجزه كشف الضر، ولا يعظم عليه تفريج الكرب. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].

 

فيا عباد الله، إذا نزل البلاء، فلا ينبغي أن نيأس من رحمة الله، ولا أن نستسلم للقنوط، بل علينا أن نراجع أنفسنا، ونصحح مسيرتنا، ونأخذ بأسباب النجاة، ونسأل الله الفرج والعافية.

 

عباد الله، ما أسباب رفع البلاء وكشف الكربات؟

 السبب الأول: التوبة الصادقة والاستغفار

إن من أعظم أسباب الفرج أن يرجع العبد إلى ربه، فيتوب من ذنوبه، ويستغفر من تقصيره، ويترك المعاصي التي يعلم أنها تغضب الله. قال الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10-12].

 

أيها المسلمون، ليس الاستغفار كلمات تجري على الألسنة والقلوب غافلة، وإنما هو ندم على الذنب، وإقلاع عنه، وعزم على عدم العودة إليه، ورد للحقوق إلى أصحابها.

فلنكثر من الاستغفار، ولنتب إلى الله من الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل، وقطيعة الأرحام، والتفريط في الواجبات، وسائر المعاصي.

 

 السبب الثاني: تقوى الله وطاعته

عباد الله، التقوى من أعظم أبواب النجاة؛ فمن اتقى الله جعل له من ضيقه فرجًا، ومن عسره يسرًا، ورزقه من حيث لا يحتسب.

قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]. والتقوى ليست دعوى باللسان، بل إيمان صادق، وصلاة محافظة عليها، وأمانة مؤداة، وصدق في المعاملة، وعفة عن الحرام، وعدل مع الناس، ورحمة بالضعفاء. فمن أراد صلاح حاله، فليبدأ بإصلاح علاقته بربه، وليجعل طاعة الله منهجًا في بيته وعمله ومعاملاته.

 

السبب الثالث: الدعاء والتضرع إلى الله

أيها المؤمنون، إن الدعاء باب عظيم من أبواب العبادة، يلجأ إليه المضطر، ويأنس به الحزين، ويرجو به المكروب رحمة رب العالمين.

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

تأملوا، رحمكم الله، قصة نبي الله يونس عليه السلام، حين نادى ربه في ظلمات البحر وبطن الحوت، فقال الله تعالى: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 87-88]. فاجمعوا بين التوحيد والتسبيح والاستغفار والدعاء، وألحّوا على الله في طلب العافية والفرج، مع حسن الظن به وعدم استعجال الإجابة.

 

 السبب الرابع: الصبر والرضا بقضاء الله

عباد الله، من سنن الله في هذه الحياة أن يبتلي عباده، ليمتحن صدق إيمانهم، ويظهر صبرهم، ويرفع درجاتهم. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له». رواه مسلم.

فلا تجعلوا البلاء سببًا لليأس، ولا تجعلوا تأخر الفرج سببًا لسوء الظن بالله؛ بل اصبروا، واحتسبوا، واعلموا أن الله حكيم عليم، وأن المؤمن يجمع بين الصبر والعمل والدعاء.

 

 السبب الخامس: الصدقة والإحسان إلى المحتاجين

أيها المسلمون، إن من أبواب الخير العظيمة الإنفاق في سبيل الله، وإطعام الجائع، وإغاثة الملهوف، ومساعدة الفقير، ورعاية اليتيم، وتفريج كرب المكروبين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». رواه مسلم.

فيا من ابتليت بضيق الرزق، لا تحقرن صدقة ولو قليلة، ويا من ابتليت بهمٍّ أو كرب، ابحث عن محتاج تفرج عنه كربته، فقد يكون في إحسانك إلى عباد الله باب من أبواب الخير لك.

وليس معنى ذلك أن الصدقة تضمن زوال كل بلاء فورًا، وإنما هي عبادة عظيمة، وسبب للبركة والأجر، ونرجو بها رحمة الله وتفريج الكرب.

 

السبب السادس: إصلاح ذات البين وصلة الأرحام

عباد الله، إن الخصومات والظلم والتباغض تقطع أواصر المجتمع، وتفسد القلوب، وتزيد الأزمات تعقيدًا؛ ولذلك أمرنا الله بالإصلاح والعدل والإحسان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة». رواه أبو داود والترمذي.

فلنصلح بين الأزواج إذا اختلفوا، وبين الآباء والأبناء إذا تنازعوا، وبين الأقارب إذا تقاطعوا، وبين الجيران إذا تخاصموا. ولا يجوز أن تتحول الخلافات إلى ظلم أو انتقام أو تحريض على القطيعة، بل الواجب أن نعالجها بالعدل والحكمة، وأن نحفظ حقوق الجميع.

 

 السبب السابع: رد المظالم وإقامة العدل

أيها المؤمنون، من أعظم ما ينبغي أن نفعله عند الشدائد أن نراجع معاملاتنا وحقوق الناس؛ فمن أخذ مالًا بغير حق فليرده، ومن ظلم إنسانًا فليطلب منه المسامحة، ومن اعتدى على حق غيره فليتب إلى الله وليصلح ما أفسد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42].

فليتق الله كل مسؤول في مسؤوليته، وكل تاجر في تجارته، وكل أب في أسرته، وكل صاحب سلطة فيمن تحت يده؛ فإن العدل أساس صلاح الحياة، ورد الحقوق من واجبات التوبة الصادقة.

 

السبب الثامن: الأخذ بالأسباب المشروعة

عباد الله، التوكل على الله لا يعني ترك العمل، والدعاء لا يعني إهمال الأسباب.

فالمريض يدعو الله ويطلب العلاج، والفقير يدعو الله ويسعى إلى الرزق الحلال، والمجتمع الذي يواجه الأزمات يتوكل على الله ويخطط ويعمل ويتعاون، ومن خاف خطرًا اتخذ أسباب الوقاية المشروعة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». رواه مسلم.

فاجمعوا بين صدق التوكل وحسن التدبير، وبين الدعاء والعمل، وبين الرجاء والأخذ بالأسباب.

 

عباد الله، إن رفع البلاء لا يكون بمجرد تمني الفرج، بل بالإيمان والتوبة والصبر والدعاء والإصلاح والعمل، مع اليقين بأن تدبير الله أرحم وأحكم، وأن البلاء قد يكون امتحانًا أو تكفيرًا للذنوب أو رفعًا للدرجات، ولا يجوز لنا أن نجزم بأن مصيبة بعينها نزلت بشخص أو مجتمع بسبب ذنب محدد من غير دليل.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن المؤمن لا يفقد الأمل في رحمة ربه، مهما اشتدت عليه المحن، ومهما طال عليه الانتظار.

 

تذكروا نبي الله أيوب عليه السلام، حين اشتد به البلاء، فنادى ربه بأدب وتضرع، فقال سبحانه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: 83-84].

 

وتذكروا نبي الله يعقوب عليه السلام، حين فقد يوسف عليه السلام، فلم يقطع رجاءه من رحمة الله، وقال: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].

 

فلا تيأسوا من رحمة الله، ولا تتركوا الدعاء، ولا تتخلوا عن العمل الصالح، ولا تقابلوا المحن بالمعاصي والظلم، بل ارجعوا إلى الله، وأصلحوا ما بينكم وبينه، وأصلحوا ما بينكم وبين الناس.

 

اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ونعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.

وصلّوا وسلّموا على نبيكم محمد، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

 

عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

 

مشاركة نائب رئيس الاتحاد لغرب إفريقيا الدكتور بشير علي عمر في منتدى سمرقند للتمويل الإسلامي مشاركة نائب رئيس الاتحاد لغرب إفريقيا الدكتور بشير علي عمر في منتدى سمرقند للتمويل الإسلامي (SIFF 2026)
يشار سعادة نائب رئيس اتحاد علماء إفريقيا لغرب إفريقيا الدكتور بشير علي عمر من نيجيريا في جلسة حوار حول الحوكمة الشرعية والمواءمة والرقابة الداخلية: تعزيز النزاهة المؤسسية من فعاليات منتدى سمرقند للتمويل الإسلامي المزيد…

مشاركة نائب رئيس الاتحاد لغرب إفريقيا الدكتور بشير علي عمر في منتدى سمرقند للتمويل الإسلامي (SIFF 2026)
يشار سعادة نائب رئيس اتحاد علماء إفريقيا لغرب إفريقيا الدكتور بشير علي عمر من نيجيريا في جلسة حوار حول الحوكمة الشرعية والمواءمة والرقابة الداخلية: تعزيز النزاهة المؤسسية من فعاليات منتدى سمرقند للتمويل الإسلامي SIFF 2026م المنعقد بتنظيم مشترك بين البنك المركزي لجمهورية أوزبكستان، وجامعة “INCEIF”  الماليزية، وشركة “Al Muamalat Consulting LLC”. في مدينة سمرقند بأوزبكستان يومي 27 و 28 أكتوبر 2026م .
ويضم هذا المنتدى ممثلين للبنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية وخبراء التمويل الإسلامي وباحثين في المجال.

التاريخ: 14/04/1448هـ الموافق 26/10/2026م  

فتوى رقم 21-48

فتوى بشأن إجراء فحوصات البصمة الوراثية لإثبات النسب أو نفيه خارج نطاق القضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد عُرض على لجنة الإفتاء والإرشاد باتحاد علماء إفريقيا طلبُ بيان الحكم الشرعي لإجراء فحوصات البصمة الوراثية (الحمض النووي ADN) بقصد إثبات النسب أو نفيه خارج إطار القضاء، وذلك في ضوء ما لوحظ في بعض المجتمعات الإفريقية من لجوء أفراد إلى إجراء هذه الفحوصات بصورة شخصية، وما قد يترتب على ذلك من إثارة الشكوك، وزعزعة الثقة بين الزوجين، وتهديد استقرار البيوت وتماسك الأسر.

 

وبعد النظر في المسألة، ومراعاة أصول الشريعة ومقاصدها في حفظ الأنساب والأعراض وصيانة الأسرة والمجتمع، قررت اللجنة ما يأتي:

 

أولًا: اعتبار البصمة الوراثية وضوابط الاستفادة منها:

البصمة الوراثية وسيلة علمية معتبرة في مجال التعرّف على القرابة البيولوجية، ويمكن الاستعانة بها عند الحاجة وفي الحالات التي تقررها الجهات المختصة، بوصفها قرينةً في مجال الإثبات، ولا سيما عند عدم توافر الأدلة الشرعية أو تعذّر الوصول إليها؛ ومن أمثلة ذلك التحقق من هوية مجهولي النسب، ومعالجة حالات اختلاط المواليد، والتعرّف على المفقودين في الكوارث والحروب، والنظر في بعض صور التنازع التي تُعرض على الجهات القضائية المختصة.

 

ثانيًا: مراعاة احتمالات الخطأ وسلامة الإجراءات

على الرغم من دقة فحوصات البصمة الوراثية في الجملة، فإن الاعتماد عليها يقتضي مراعاة ما قد يعتري إجراءاتها من أخطاء بشرية عند جمع العينات أو حفظها، أو تلوث مخبري، أو تدليس وتزوير، ولا سيما عند غياب الرقابة والضوابط الفنية والقانونية. وبناءً عليه، فإن الفحوصات الفردية العشوائية لا تُعدّ حجةً ملزمةً بذاتها ما لم تُجرَ وفق المعايير المعتمدة، وتحت إشراف الجهات المختصة.

 

ثالثًا: صيانة الأنساب الثابتة شرعًا:

الأصل في الشريعة العناية بإثبات الأنساب وصيانتها، والتشديد في نفيها أو الطعن فيها؛ تحقيقًا لمقاصد حفظ النسل والعِرض، وحمايةً لاستقرار الأسرة. وقد قال النبي ﷺ: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (متفق عليه). ومقتضى هذا الأصل صيانة النسب الثابت بالفراش الشرعي، وعدم المساس به إلا بمسوّغ شرعي معتبر، فلا يُنقَض حكم الفراش بمجرد فحص فردي أو قرينة مخبرية تُستعمل خارج الضوابط الشرعية والقضائية.

 

رابعًا: الطريق الشرعي لنفي النسب القائم على الفراش:

المتقرر عند اللجنة أن نفي النسب الثابت بالفراش الشرعي يكون بالطريق الذي قررته الشريعة، وهو اللعان أمام القضاء الشرعي المختص، ولا يجوز جعل نتائج البصمة الوراثية بديلًا عن هذا الطريق أو مقدَّمةً عليه.

 

خامسًا: منع الذرائع المفضية إلى الإضرار بالأسرة والمجتمع:

إن فتح المجال للفحوصات الفردية غير المنضبطة سيفضي إلى إشاعة سوء الظن، وإثارة الاتهامات، وزعزعة السكينة الزوجية، والإضرار بسمعة الأفراد وتفكيك الأسر. ومن ثمّ، فإن منع الوسائل التي تفضي إلى هذه المفاسد داخل في اعتبار مقاصد الشريعة وسدّ الذرائع المؤدية إلى الضرر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].

 

سادسًا: التحذير من إساءة استعمال الفحوصات ونتائجها:

تحذّر اللجنة من إجراء هذه الفحوصات بدافع سوء الظن أو الانتقام أو التشهير، أو توظيف نتائجها للإيذاء أو الضغط على أفراد الأسرة. كما تؤكد ضرورة الالتزام بالأنظمة المعمول بها في كل بلد، وبالأخص ما يتعلق بحماية الخصوصية والبيانات الوراثية، وضوابط الإثبات والإجراءات القضائية.

 

الحكم والنتيجة:

بناءً على ما تقدم، لا يجوز للأفراد أو الأزواج إجراء فحوصات الحمض النووي بقصد التحقق الشخصي من صحة الأنساب الثابتة شرعًا أو نفيها، خارج الضوابط الرسمية ودون إذن قضائي من الجهة المختصة؛ صيانةً للأنساب والأعراض، وحفظًا لاستقرار الأسر، وسدًّا للذرائع المفضية إلى الفتنة والاضطراب، مع التأكيد أن الاستفادة من البصمة الوراثية في الحالات المعتبرة تكون وفق الإجراءات الشرعية والقضائية المعتمدة، ولا سيما في مسائل نفي النسب القائم على الفراش.

 

توصيات اللجنة:

1.    دعوة السلطات المختصة والجهات التشريعية في البلدان الإفريقية إلى حظر الممارسات التجارية غير المنضبطة المتعلقة بفحوصات البصمة الوراثية.

2.    وضع ضوابط قانونية تمنع إجراء هذه الفحوصات لأغراض إثبات النسب أو نفيه دون إذن رسمي من الجهة القضائية المختصة.

3.    تعزيز الرقابة على المختبرات المعتمدة، وضمان سلامة إجراءات جمع العينات وحفظها وتحليلها، صونًا للأعراض وحمايةً للنسيج الأسري والاجتماعي.

4.    تعزيز التعاون بين الجهات الشرعية والقضائية والطبية لوضع ضوابط واضحة لإجراء الفحوصات وتفسير نتائجها واستعمالها، وتحديد الحالات التي يجوز الاستناد إليها فيها، وآليات التحقق والاعتراض عند النزاع.

والله أعلم والرد إليه أسلم.

 

أعضاء لجنة الإفتاء والإرشاد في اتحاد علماء إفريقيا:

1

أ.د/ محمد أحمد لوح  

السنغال

رئيسًا

2

د/ جيلان خضر    

إثيوبيا

مقرّرًا

3

أ/ أبو بكر موري سوماورو  

ليبيريا

عضوًا

4

د/ أبو بكر باه   

السنغال

عضوًا

5

د/ حسين محمد بوا  

يوغندا

عضوًا

6

د/ ديارا سياكا       

كوت ديفوار

عضوًا

7

د/ عبد الرزاق حسين

جيبوتي

عضوًا

8

د/ عبد الله سيدجمل الليل

جزر القمر

عضوًا

9

د. محمد إسحاق كندو

بوركينا فاسو

عضوًا

10

أ/ محمد تراوري

مالي

عضوًا

11

د/ سويد جمعة

يوغندا

عضوًا

12

د/سراج الدين بلال الأسرع

نيجيريا

عضوًا

13

أ/ بشير أحمد صلاد

الصومال

عضوًا

14

د/ عبد الله لام

السنغال

عضوًا

عنهم:

فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد أحمد لوح

                                                                                                           رئيس اللجنة

 

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم عنوان الخطبة معد الخطبة التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة المراجعة والنشر
298 أهمية بناء الأسرة في الإسلام مكتب الأمانة العامة / قسم المشاريع 12 /05 /1448هـ  الموافق 23 /10 /2026م الأمانة العامة

 

الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله عز وجل؛ فإن تقوى الله خير زاد، وأعظم وصية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أيها المؤمنون، موضوع خطبتنا اليوم موضوع عظيم، يمس حاضرنا ومستقبلنا، ويتعلق بصلاح المجتمع واستقامة الأمة، ألا وهو: أهمية بناء الأسرة في الإسلام.

أيها المسلمون، إن الأسرة ليست مجرد رجل وامرأة يجمعهما عقد الزواج، وليست مجرد بيت تسكنه الأجساد، أو مائدة تجتمع حولها الأبدان؛ بل الأسرة ميثاق غليظ، ومؤسسة تربوية، ومدرسة أخلاقية، وحصن إيماني، ومهد الأجيال، ومنطلق بناء المجتمع.

فإذا صلحت الأسرة صلح كثير من المجتمع، وإذا تفككت الأسرة انعكس ذلك على الأبناء والأخلاق والأمن والاستقرار.

ولذلك اعتنى الإسلام بالأسرة عناية عظيمة، فشرع الزواج، وأقام العلاقة الزوجية على المودة والرحمة، وجعل لكل فرد فيها حقوقًا وواجبات، وأمر بحفظ الأبناء وتربيتهم على الإيمان والفضيلة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].

تأملوا، رحمكم الله، في هذه الآية العظيمة؛ فقد جعل الله من مقاصد الزواج السكن والمودة والرحمة. فالزوج ليس خصمًا لزوجته، والزوجة ليست عدوة لزوجها، وإنما هما شريكان في بناء بيت الإيمان، وتربية الأبناء، ومواجهة تحديات الحياة. فأين المودة إذا غاب الاحترام؟ وأين الرحمة إذا حضر العنف؟ وأين السكن إذا تحوّل البيت إلى ساحة للنزاع والصراخ؟ وأين التربية إذا انشغل الأب والأم عن أبنائهما حتى تربّيهم الشوارع والشاشات ورفقاء السوء؟

إن بناء الأسرة يحتاج إلى إيمان صادق، ووعي رشيد، وصبر جميل، وحوار هادئ، وتعاون مستمر.

أولًا: الأسرة الصالحة أساس المجتمع الصالح

عباد الله، إن المجتمع لا يُبنى بالحجارة وحدها، ولا بالطرق والجسور والمباني وحدها، وإنما يُبنى قبل ذلك بالإنسان الصالح، والإنسان الصالح تبدأ تربيته من الأسرة.

فالطفل يتعلم في بيته الصدق قبل أن يتعلمه في المدرسة، ويتعلم الرحمة من معاملة والديه، ويتعلم احترام الآخرين من سلوك أسرته، ويكتسب كثيرًا من عاداته وأخلاقه مما يراه ويسمعه داخل المنزل. فإذا نشأ الطفل في أسرة تعرف الله، وتحافظ على الصلاة، وتحترم الكبير، وترحم الصغير، وتؤدي الحقوق، نشأ أقرب إلى الخير والاستقامة بإذن الله.

أما إذا نشأ في بيت تسوده الخصومة، ويكثر فيه الكذب والظلم والإهانة، فقد يحمل آثار تلك البيئة إلى المجتمع. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6\].

هذه الآية مسؤولية عظيمة، أيها الآباء والأمهات؛ فهي تدعونا إلى حماية أنفسنا وأهلينا من أسباب الهلاك، بالتعليم والتوجيه والقدوة الحسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والرحمة.

فلا يكفي أن نوفر للأبناء الطعام والشراب والملابس والهواتف، ثم نترك قلوبهم بلا إيمان، وعقولهم بلا توجيه، وأخلاقهم بلا مراقبة وتربية.

إن أعظم ميراث يتركه الوالدان لأبنائهما ليس المال وحده، بل الدين والأخلاق والعلم وحسن التربية.

ثانيًا: بناء الأسرة يبدأ باختيار الزوج والزوجة الصالحين

أيها المسلمون، من أهم أسس بناء الأسرة حسن اختيار شريك الحياة؛ لأن الزواج ليس لحظة فرح عابرة، بل مسؤولية تمتد سنوات طويلة، وتترتب عليها حقوق وأمانات وتربية أجيال.

وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى معيار الدين في اختيار الزوجة، فقال: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» رواه الترمذي، وحسّنه عدد من أهل العلم. فالدين والخلق أساسان عظيمان في بناء الأسرة؛ لأن الجمال قد يتغير، والمال قد ينقص، والمنصب قد يزول، ولكن الإيمان والخلق الحسن يعينان الزوجين على الوفاء بالحقوق وتحمل المسؤوليات.

ولا يعني ذلك إهمال التوافق النفسي والاجتماعي، أو إلغاء حق الطرفين في القبول والرضا، بل ينبغي أن يقوم الاختيار على الدين والخلق والتفاهم والقدرة على تحمل مسؤولية الزواج.

ومن الأخطاء التي تضعف الأسر أن يُجعل التفاخر بالمهر، والإسراف في حفلات الزواج، والمظاهر الاجتماعية، أهم من صلاح الزوجين واستعدادهما للحياة المشتركة.

فيا أولياء الأمور، يسّروا الزواج، ولا تجعلوا العادات والتكاليف حواجز أمام الشباب والفتيات، ولا تحكموا على صلاح الزواج بما يُنفق في ليلة واحدة، بل انظروا إلى ما يُبنى خلال سنوات من المودة والرحمة والتقوى.

ثالثًا: المودة والرحمة أساس استقرار الحياة الزوجية

عباد الله، إن الحياة الزوجية لا تخلو من الاختلاف؛ فلكل إنسان طبعه، ورأيه، وطريقة تفكيره، ولكن نجاح الأسرة لا يعني غياب الخلاف تمامًا، وإنما يعني القدرة على معالجة الخلاف بالحكمة والعدل والاحترام. قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» رواه الترمذي.

ما أعظم هذا الميزان النبوي! فخير الناس ليس من يُحسن التعامل مع الغرباء وحدهم، أو يتزين أمام المجتمع، ثم يسيء إلى أهل بيته؛ بل من يظهر خيره في بيته، فيكون رحيمًا بزوجته، محسنًا إلى أبنائه، وفيًّا لأهله.

أيها الزوج، إن زوجتك ليست خادمة بلا حقوق، وليست مسؤولة وحدها عن كل شؤون البيت، بل هي شريكة حياة، لها مشاعر واحتياجات وحقوق. أحسن إليها، واستمع إليها، وأكرمها، ولا تجعل قوتك سببًا في ظلمها.

وأيتها الزوجة، احفظي المودة والاحترام، وراعي حقوق زوجك، وتعاونا على الخير، واجعلي من بيتك موطنًا للسكينة والطمأنينة.

وعليكما معًا أن تتذكرا أن الاعتذار ليس ضعفًا، وأن الحوار ليس هزيمة، وأن التنازل عن بعض الأمور المباحة من أجل استقرار البيت قد يكون من الحكمة وحسن العشرة.

ولا يجوز أن يُتخذ الدين مبررًا للإهانة أو الاعتداء أو الظلم؛ فالأسرة التي تُبنى على التقوى لا تستقيم إلا بحفظ الحقوق وصيانة الكرامة.

رابعًا: تربية الأبناء مسؤولية مشتركة

أيها الآباء والأمهات، إن الأبناء أمانة في أعناقكم، وليسوا ملكًا تتصرفون فيه كما تشاؤون، ولا مشروعًا لجمع المال أو تحقيق المكانة الاجتماعية فحسب، وإنما هم نفوس تحتاج إلى الرعاية والتوجيه والمحبة. قال الله تعالى في دعاء عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74].

تأملوا، رحمكم الله، لم يقل عباد الرحمن: ربنا هب لنا أبناء كثيرين فحسب، بل سألوا الله أن يجعل أزواجهم وذرياتهم قرة أعين، وأن يجعلهم من أهل التقوى.

فما قيمة كثرة الأبناء إذا ضاعت أخلاقهم؟ وما قيمة الشهادات إذا فقد الإنسان الأمانة؟ وما قيمة المال إذا لم يتعلم الأبناء الرحمة والصدق واحترام الحقوق؟

إن التربية الصالحة تقوم على أمور، من أهمها:

  • غرس العقيدة الصحيحة ومحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
  • تعليم الأبناء الصلاة والعبادات والأخلاق الحسنة.
  • القدوة العملية؛ فلا يصح أن نأمر أبناءنا بالصدق ونحن نكذب أمامهم.
  • الاستماع إلى مشكلاتهم، وفهم حاجاتهم، ومعالجة أخطائهم بالحكمة.
  • مراقبة ما يتعرضون له في وسائل التواصل، وحمايتهم من المحتوى الضار ورفقاء السوء.
  • العدل بينهم، وعدم التمييز بينهم بغير حق.

الجمع بين الحزم والرحمة، وبين التوجيه وإعطاء الأبناء مساحة مناسبة للنمو وتحمل المسؤولية.

وتذكروا أن الطفل الذي لا يجد في بيته من يسمعه ويحتويه قد يبحث عمن يسمعه خارج البيت، ولو كان ذلك في بيئة تفسد دينه وأخلاقه. فامنحوا أبناءكم من أوقاتكم واهتمامكم ما لا يستطيع المال أن يعوضه.

خامسًا: حماية الأسرة من أسباب التفكك

عباد الله، إن من المؤلم أن تتحول بعض البيوت إلى أماكن يجتمع فيها أفراد الأسرة جسديًا، بينما يعيش كل واحد منهم في عالم منفصل عن الآخر.

وقد تضعف الأسرة بسبب غياب الحوار، أو الإهمال، أو الخيانة، أو العنف، أو التعلق المفرط بالهواتف، أو التدخلات غير الحكيمة من الأقارب، أو المشكلات المالية التي لا تُدار بالحكمة والتفاهم.

ولذلك فإن حماية الأسرة تحتاج إلى:

  • تقوية الإيمان: بالمحافظة على الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء.
  • حسن إدارة الخلافات: بالهدوء، وتجنب الإهانة والتهديد، والبحث عن حلول عادلة.
  • التعاون المالي: بوضع الأولويات، والابتعاد عن التبذير والديون غير الضرورية، والشفافية في الأمور التي تؤثر في الأسرة.
  • حفظ أسرار البيت: فلا تُنشر كل مشكلة زوجية بين الناس، ولا يُسمح للآخرين بالتدخل إلا لحاجة معتبرة وبقصد الإصلاح.
  • طلب المساعدة عند الحاجة: بالرجوع إلى أهل الحكمة والعلم والاختصاص، ولا سيما إذا تعقد النزاع أو وُجد عنف أو ضرر. قال الله سبحانه وتعالى في شأن النزاع الزوجي: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].

فانظروا، رحمكم الله، كيف وجّه القرآن إلى الإصلاح والتحكيم عند اشتداد الخلاف، بدل ترك المشكلات تتراكم حتى تتحول إلى قطيعة وخصومة طويلة.

أيها المؤمنون، إن بناء الأسرة مسؤولية الجميع: مسؤولية الزوج والزوجة، والأب والأم، والأجداد، والمربين، والعلماء، والمدارس، ومؤسسات المجتمع. فلنحفظ بيوتنا، ولنربِّ أبناءنا، ولنُيسّر الزواج، ولننشر ثقافة الرحمة والعدل والمسؤولية.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن بناء الأسرة الصالحة عبادة عظيمة إذا صلحت النية، وأدى كل فرد حقوقه، وابتغى رضا الله في علاقته بأهله وأبنائه.

أيها المسلمون، إننا بحاجة اليوم إلى مراجعة أحوال أسرنا، لا بقصد تبادل الاتهامات، بل بقصد الإصلاح والتعاون.

فليسأل كل أب نفسه: هل يعرف ما يشغل أبناءه؟ وهل يجدون عنده القدوة والنصيحة والرحمة؟

ولتسأل كل أم نفسها: هل يجد أبنائي في بيتي الأمان والحنان؟ وهل أساعدهم على الاستقامة وحسن التعامل؟

وليسأل كل زوج نفسه: هل أؤدي حقوق زوجتي كما أحب أن تؤدى حقوقي؟

ولتسأل كل زوجة نفسها: هل نتعاون معًا على بناء بيت يسوده الاحترام والمودة؟

وليسأل الشباب والفتيات أنفسهم: هل أستعد للزواج بتحمل المسؤولية، أم أنني أنظر إليه على أنه مجرد مظاهر واحتفالات؟

إن الأسرة القوية لا تُبنى في يوم واحد، بل تُبنى بكلمة طيبة كل يوم، وبموقف رحيم عند الغضب، وبصبر عند الشدائد، وبصدق عند الاختلاف، وبالتزام بحقوق الله وحقوق العباد.

أيها الآباء، لا تجعلوا أبناءكم يرثون منكم الأموال وحدها، بل أورثوهم الإيمان والأخلاق والعلم وحب الخير.

وأيها الأزواج، لا تنتظروا من بيوتكم أن تكون جنات من السكينة وأنتم تزرعون فيها أسباب النزاع؛ ازرعوا الاحترام تحصدوا المودة، وازرعوا الصدق تحصدوا الثقة، وازرعوا الرحمة تحصدوا الطمأنينة.

وأيها المجتمع، أعينوا الشباب على الزواج، ويسّروا المهور، وحاربوا الإسراف، وساندوا الأسر المحتاجة، ووجّهوا المتخاصمين إلى الإصلاح، واجعلوا مصلحة الأبناء واستقرار الأسرة من أولوياتكم.

ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 الدعاء

 

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

297

منهج السلف الصالح في طاعة ولي الأمر

مكتب الأمانة العامة / قسم المشاريع

05 /05 /1448هـ  الموافق 15 /10 /2026م

الأمانة العامة

 

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والعدوان، وجعل الاجتماع والألفة من أسباب قوة الأمة، والصلاة والسلام على نبينا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين.

 

أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى؛ فإن تقوى الله خير زاد، وهي وصية الله للأولين والآخرين، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

 

أيها المؤمنون، إن من الموضوعات المهمة التي يحتاج المسلمون إلى فهمها فهماً صحيحاً: منهج السلف الصالح في طاعة ولي الأمر؛ لأن هذا الموضوع يتعلق بالدين، ووحدة المجتمع، وحفظ الأمن، وإقامة العدل، وصيانة الدماء والأموال والأعراض.

 

وإن الكلام في هذا الباب ينبغي أن يقوم على العلم والعدل، والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفهم الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، بعيداً عن الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط.

 

 أولاً: وجوب طاعة ولي الأمر في المعروف

عباد الله، لقد أمر الله تعالى بطاعة أولي الأمر، فقال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. فهذه الآية أصل عظيم في بيان مكانة طاعة ولي الأمر، وما يترتب عليها من مصالح عامة، وانتظام شؤون الناس، وحماية المجتمع من الفوضى والاضطراب.

 

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الطاعة ليست مطلقة، وإنما تكون في المعروف، فقال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ». متفق عليه بمعناه، وأصل لفظه في الصحيحين. وقال صلى الله عليه وسلم: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». رواه البخاري ومسلم بمعناه.

 

فيا عباد الله، ليست طاعة ولي الأمر تملقاً للأشخاص، ولا تنازلاً عن أحكام الدين، وإنما هي طاعة منضبطة بشرع الله، فيما يحقق المصلحة المشروعة ويحفظ حقوق الناس.

 

فإذا أمر ولي الأمر بما فيه مصلحة عامة مشروعة، كتنظيم شؤون المجتمع، وحماية الطرق، وصيانة الممتلكات، وحفظ الأمن، وجب الالتزام بذلك في حدود الشرع. أما إذا أمر بمعصية، فلا يجوز للمسلم أن يطيعه فيها، مع التزام الحكمة والعدل وعدم التعدي على حقوق الآخرين.

 

 ثانياً: منهج السلف الصالح في هذا الباب

أيها المسلمون، إن السلف الصالح، من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، كانوا يعظّمون النصوص الشرعية، ويدركون أن استقرار المجتمع ووحدة الكلمة من المصالح العظيمة، وأن معالجة الأخطاء تحتاج إلى علم وحكمة وبصيرة.

 

ولم يكن منهجهم قائماً على طاعة البشر في كل شيء، ولا على جعل كل خطأ سبباً للفوضى والاقتتال، بل جمعوا بين أصول شرعية عظيمة، منها:

  • السمع والطاعة في المعروف.

  • تحريم الطاعة في المعصية.

  • النصح لولاة الأمور بالطرق المشروعة.

  • العدل في الحكم على الأخطاء، وعدم التسرع في التكفير أو التحريض.

  • مراعاة المصالح والمفاسد، وحفظ الأنفس والحقوق.

  • الرجوع إلى العلماء الراسخين في النوازل والقضايا العامة التي تشتبه أحكامها.

وقد دلّ على أصل النصيحة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قلنا: لمن؟ قال: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». رواه مسلم. فالنصيحة لولي الأمر باب من أبواب الدين، وليست خيانة، كما أن بيان الخطأ بالدليل والعدل ليس خروجاً بمجرده، وإنما العبرة بالوسيلة والضوابط الشرعية وما يترتب على الفعل من مصالح ومفاسد.

 

 ثالثاً: موقف السلف من الظلم والأخطاء

عباد الله، إن من الخطأ أن يفهم المسلم طاعة ولي الأمر على أنها إقرار لكل ظلم، أو سكوت عن كل خطأ، أو تعطيل لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

فالإسلام دين العدل، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]. فالعدل واجب على الحاكم والمحكوم، وعلى القوي والضعيف، ولا يجوز لأحد أن يتخذ الطاعة ذريعة لظلم الناس أو أكل أموالهم أو انتهاك حقوقهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه أو حسنه عدد من أهل العلم.

 

وهذا يدل على فضل كلمة الحق التي تقال بعلم وإخلاص وحكمة، بقصد الإصلاح وإقامة العدل، لا بقصد التشهير أو إثارة الفتنة.

فإذا وقع خطأ من ولي الأمر، فإن الواجب هو النظر في الخطأ بميزان الشرع، والنصح بما يحقق الإصلاح، والابتعاد عن الكذب والبهتان والظلم، وعدم تحويل الخلاف إلى عداوة بين أبناء المجتمع.

 

رابعاً: التحذير من الفتن وسفك الدماء

أيها المؤمنون، إن الفتن إذا اشتعلت لم تميز بين صغير وكبير، ولا بين عالم وجاهل، وقد تضيع بسببها النفوس والأموال، وتتفرق الأسر، وتتعطل مصالح الناس. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا…» رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة في أحاديث الفتن.

 

والمقصود أن المسلم يتجنب المشاركة في الفتن التي تجر إلى الظلم وسفك الدماء، ويتثبت من الأخبار، ولا ينقل الشائعات، ولا يعتدي على أحد بحجة الدفاع عن الدين أو الوطن أو الجماعة.

 

ومن أعظم واجبات المسلم في زمن الفتن: التثبت، والعدل، وكف الأذى، والسعي إلى الإصلاح، وحفظ حياة الأبرياء.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

فكم من شائعة أفسدت علاقة، وكم من كلمة أشعلت خصومة، وكم من خبر غير متثبت منه تسبب في ظلم بريء!

 

خامساً: واجب الرعية تجاه ولي الأمر

عباد الله، إن واجب المسلم تجاه ولي الأمر لا يقتصر على الطاعة في المعروف، بل يشمل جملة من المسؤوليات الشرعية والأخلاقية، ومنها:

  • الدعاء بالصلاح والتوفيق: أن يسأل المسلم الله أن يوفق ولي الأمر للعدل والرحمة، وأن يعينه على أداء الأمانة.

  • النصح والإرشاد: أن يكون النصح بالطرق المشروعة، وبالصدق والحكمة، مع مراعاة ما يحقق الإصلاح.

  • الالتزام بالنظام المشروع: احترام القوانين والتنظيمات التي لا تخالف شرع الله، وتحفظ المصالح والحقوق.

  • حفظ الأمن العام: عدم الاعتداء على الأنفس والأموال والممتلكات، وعدم إعانة المعتدين.

  • قول الحق والقيام بالعدل: ألا يحمل حب الحاكم أو كراهيته المسلم على الكذب أو شهادة الزور أو تضييع الحقوق.

  • التثبت من الأخبار: ألا يكون المسلم أداة لنشر الشائعات والتحريض، بل يكون مفتاحاً للخير والإصلاح.

واعلموا، رحمكم الله، أن صلاح المجتمع مسؤولية مشتركة، وأن الحاكم مسؤول عن رعيته، وأن كل فرد مسؤول عن أمانته وحقوق الآخرين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه.

فليتق الله الحاكم في رعيته، وليتق الله المحكوم في واجباته، وليكن الجميع دعاة عدل وإصلاح، لا دعاة ظلم وفساد.

عباد الله، إن منهج السلف الصالح في طاعة ولي الأمر يقوم على فهم النصوص الشرعية فهماً متوازناً: فلا طاعة في معصية الله، ولا تبرير للظلم، ولا اندفاع إلى الفتن بغير علم، ولا تفريط في حقوق الناس.

فلنحفظ ألسنتنا من الكذب، وأيدينا من الاعتداء، وقلوبنا من الحقد، ولنجعل الإصلاح مقصدنا، والعدل ميزاننا، والكتاب والسنة مرجعنا.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن من علامات الفقه في الدين أن يعرف المسلم كيف يجمع بين طاعة الله، والنصيحة، والعدل، وحفظ الجماعة، وصيانة حقوق الناس.

 

أيها المسلمون، إننا في أمسّ الحاجة إلى ترسيخ هذا المنهج في بيوتنا ومساجدنا ومدارسنا ومجتمعاتنا؛ لأن الأمة التي يسود فيها العدل والصدق والتعاون تكون أقدر على تجاوز الأزمات، والأمة التي تنتشر فيها الشائعات والظلم والعداوة تضعف روابطها وتضيع مصالحها.

 

فلنعلّم أبناءنا أن الطاعة ليست عبادة للأشخاص، وأن النصيحة ليست خيانة، وأن المطالبة بالعدل لا تبيح الاعتداء، وأن الاختلاف لا يبرر الكذب، وأن المحافظة على الأمن لا تعني السكوت عن الحقوق المشروعة. ولنحرص على جمع الكلمة على الحق، والتعاون على البر والتقوى، والإصلاح بين الناس، والدعاء بالصلاح للأمة وولاة أمورها. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

 

ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعدل والحق والرحمة، وأعنهم على أداء الأمانة، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفقهم لما فيه خير البلاد والعباد.

 

البيان رقم: 33                                                                                                 الجمعة: 6/4/1448هـ  18/9/2026م

 

بيان اتحاد علماء إفريقيا حول استهداف مكة والأراضي المقدسة بالأعمال العدائية

الحمد لله الذي شرف مكة وجعلها خير البقاع، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فقد تابع اتحاد علماء إفريقيا مع الأمة الإسلامية أخبار استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة بأعمال عدائية في عملية إجرامية تخالف ما أمر به الشارع من تعظيم هذه الشعائر؛

كما في قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } [الحج: 32].

 

واتحاد علماء إفريقيا انطلاقا من مبادئه ورسالته أصدر هذا البيان حول تل ك الاعتداءات في النقاط الآتية:

  1. يعلن اتحاد علماء إفريقيا تنديده واستنكاره لهذا الاستهداف، لما فيه من اعتداء على مشاعر المسلمين في أرجاء المعمورة.
  2. يؤيد الاتحاد المملكة العربية السعودية فيما اتخذت من تدابير لحماية أراضيها بصفة عامة، والحرمين الشريفين بصفة خاصة.
  3. يدعو الاتحاد عامة المسلمين شعوبا وحكومات إلى التكاتف والتآزر لحماية المقدسات الإسلامية في الحرمين وفي بيت المقدس.
  4. يناشد الاتحاد المنظمات والهيئات الإسلامية بالعمل لاتخاذ التدابير اللازمة لحل المشكلات القائمة بين الدول أو التجمعات بما يضمن حل النزاعات بالطرق السلمية العادلة؛ ويعلن الاتحاد استعداده التام للإسهام في هذا المسار؛ حقنا للدماء وحماية لمقدرات الشعوب.
  5. وختاما نسأل المولى الكريم أن يعين القائمين على أمن الحرمين الشريفين في رد اعتداءات المعتدين، لتمكين الحجاج والمعتمرين والزوار من أداء شعائرهم في أمن وأمان.

والله ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

             الأمين العام                                                     الرئيس

الدكتور سعيد محمد بابا سيلا                      الدكتور سعيد برهان عبد الله