الخطبة الأولى:

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ حقَّ التَّقْوَى كَمَا أَمَرَكُمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾آل عمران:102؛

إِخْوَةَ الْإسْلاَمِ: لم يَفتَرِضِ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ بَعدَ تَوحِيدِهِ وَالتَّصدِيقِ بِرُسُلِهِ فَرِيضَةً أَجَلَّ وَلا أَعظَمَ مِنَ الصَّلاةِ، أَوصَى بها أَنبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، وَوَصَفَ بِإِقَامَتِهَا الصَّالحِينَ مِن عِبَادِهِ، وَجَعَلَهَا أَوَّلَ فَرِيضَةٍ بَعدَ إِخلاصِ التَّوحِيدِ لَهُ وَالخُلُوصِ مِنَ الشِّركِ بِهِ، وَالفَارِقَةَ بَينَ مَن آمَنَ بِهِ وَمَن كَفَرَ، قَالَ -تَعَالى- عَن إِبرَاهِيمَ -عَلَيهِ السَّلامُ-: ﴿وَإِذْ بَوَّأنَا لإِبرَاهِيمَ مَكَانَ البَيتِ أَنْ لَا تُشرِكْ بي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾الحج 26،وهيَ منَ الميثاقِ الذي أُخذَ على الأممِ السابقةِ، وأُمرتْ هذهِ الأمةُ بالمحافظةِ عليها: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾البقرة: 238، وهيَ أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ؛ سُئِلَ النبيُّ ﷺ: أيُّ العملِ أحبُّ إلى اللهِ؟! قالَ: “الصلاةُ على وقتِهَا، ثم برُّ الوالدينِ”. متفقٌ عليهِ.

وخُصَّتْ منْ بينِ سائرِ العباداتِ بفرضيَتِها في السماءِ، فلمْ ينزلْ بهَا مَلَكٌ إلى الأرضِ، بل كلَّمَ اللهُ نبيَنَا محمدًا ﷺبفرضيَتِهَا منْ غيرِ واسطةٍ؛ قالَ -عليهِ الصلاةُ والسلامُ-: “ثمَّ ذَهَبَ بي إلى سدرةِ المنتهى، فأَوْحَى اللهُ إليَّ ما أوحَى، ففرضَ عليَّ خمسينَ صلاةً في كلِّ يومٍ وليلةٍ”. متفقٌ عليهِ.

عَظُمَتْ منزلتُها فَفُرِضَتْ خمسينَ صلاةً، ثمَّ خُفِّفَتْ إلى خمسٍ في العددِ وبَقِيَتْ خمسينَ في الثوابِ، خيرُ عونٍ على أمورِ الدنيا والدينِ؛ تُجَمِّلُ المرءَ بمكارمِ الأخلاقِ وتنهاهُ عنِ الْفحشاءِ والمنكراتِ، ماحيةٌ للخطايا مكفرةٌ للسيئاتِ، شَبَّهَهَا النبيُّ ﷺبالنهرِ الجاري المزيلِ للأدرانِ، تحفظُ العبدَ منَ الشرورِ ومهالكِ الرَّدَى، قالَ ﷺ: “مَنْ صلَّى الصبحَ فهوَ في ذمةِ اللهِ حتى يُمْسِي” رواهُ مسلمٌ.

وصفَهَا النبيُّ ﷺبأنَّهَا نورٌ: فقالَ: “والصلاةُ نورٌ”. رواهُ مسلمٌ.وهيَ منْ مُوجِبَاتِ دخولِ الجنةِ والرفعةِ فيهَا؛ سألَ ثوبانُ tالنبيَّ ﷺ: فقالَ: أخبرني بعملٍ أعملُهُ يدخلُنِي اللهُ به الجنةَ، أو قالَ: بأحبِّ الأعمالِ إلى اللهِ، قال: “عليكَ بكثرةِ السجودِ للهِ؛ فإنَّكَ لا تسجدُ للهِ سجدةً إلا رفعَكَ اللهُ بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً” رواه مسلم.

كانت قرةَ عينِ النبيِّ ﷺوجعلَهَا آخرَ وصيَّتِهِ في حياتِهِ لأمتِهِ؛ قالَ أنسٌ : كانَ عامةُ وصيةِ النبيِّ ﷺحينَ حضرَهُ الموتُ: “الصلاةَ وما ملكتْ أيمانُكُمْ”. متفقٌ عليهِ.

فضائِلُهَا جمةٌ، ومنافعُهَا متعددةٌ: قالَ عنهَا -عليهِ الصلاةُ والسلامُ-: “لو يعلمونَ مَا فيهِمَا لأَتَوْهُمَا ولو حَبْوًا”؛ أيْ زحفًا على الأيدِي والرُّكَبِ”. متفقٌ عليهِ.

وشُهُودُهَا أَمَارَةٌ على الإيمانِ، قالَ -جلَّ شأنُهُ-: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ﴾التوبة: 18، وكانَ الصَّحَابةُ يُؤَدُّونَها جماعةً -ولو معَ المشقةِ- قالَ ابنُ مسعودٍ t: لقدْ رأيتُ الرجلَ يُؤْتَى بِهِ يُهادَى بينَ الرجلينِ حتَّى يُقَامَ في الصفِ.

أقول ما سمعتم، وَاسْتَغْفِرُ اللهَ لِي، وَلَكُمْ، وَلِسَائِرِ المُسْلِمينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

  الخطبة الثانية:

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهِ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ.

أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ وَتَزَوَّدُوا مِنَ النَّوافِلِوَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا يُحبِبْكُمُ اللهُ، ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾الحديد:28.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: دِيننا يَعْتَنِي بِجَانِبِ الْقِيَمِ الْجَمِيلَةِ والْآدَابِ السَّامِيَةِ النَّبِيلَةِ، وَمِنْ هَذِهِ الْقِيَمِ الْجَمِيلَةِ والْآدَابِ السَّامِيَةِ النَّبِيلَةِ احْتِرَامُ بُيُوتِ اللهِ وَتَوْقِيرُهَا؛ بِالتَّجَمُّلِ لَهَا بِلُبْسِ الْمَلاَبِسِ النَّظِيفَةِ، وَالتَّطَيُّبِ، وَاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوازِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾الأعراف: 31.قال ابن كثير: يُسْتَحَبُّ التَّجَمُّلُ عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَلَا سِيَّمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْعِيدِ، وَالطِّيبُ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ، وَالسِّوَاكُ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ ذَلِكَ”.

وقَالَ ﷺ: «إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثوْبَيْهِ، فَإنَّ اللهَ أَحَقُّ مَن تُزُيِّنَ لَهُ»  السلسلة الصحيحة.قال أبن عمر: (فَاَللَّهُ أَحَقُّ مَنْ يُتَجَمَّلُ لَهُ) مجموع الفتاوى 22.

فَكَمَا تَسْتَحِي مِنَ اَلنَّاسِ فَاَللَّهُ أَحَقُ أَنَّ يُسْتَحَىَ مِنْهُ، فَلَيْسَ مِنَ أَدَبِ الْإِسْلَامِ ارْتِدَاءُ مَلاَبِسِتَحْمِلُ عِبَارَاتٍ أَوْ صُوَرًا أَوْ أَشْكَالاً لَا تَلِيقُ لِبُيُوتِ اللهِ.

 وَمِنَ الْقِيَمِ الْجَمِيلَةِ والْآدَابِ السَّامِيَةِ النَّبِيلَةِ تِجَاهَ بُيُوتِ اللهِ:تَجَنُّبُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ، وَمِنْهَا: الثُّومُ وَالْبَصَلُ؛ فَإِنَّهُمَا أَذِيَّةٌ لِلْمُصَلِّي وَالْملاَئِكَةِ؛ قَالَ ﷺ:

«مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْـمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يتأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» رواه مسلم.

فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – وَاحْتَسِبُوا الأَجْرَ بِحُسْنِ الأَدَبِ فِي بُيُوتِ اللهِ؛ رِضًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمُرَاعَاةً لِمَشَاعِرِ إِخْوَانِكُمُ الْمُصَلِّينَ.

عِبَادَ اللهِ: اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْأَمِينِ، فَقَالَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيْلِ:

﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا﴾.

اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ قَضَوا بِالْحَقِّ وَبِهِ كَانُوا يَعْدِلُونَ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الْآلِ وَالصَّحَابةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَدِمْ الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ فِي بِلَادِنَا وَبِلَادِ الْـمُسْلِمِينَ، وَاصْرِفْ عَنَّا وَعَنْهُمْ كُلَّ شَرٍّ وَبَلَاءٍ، وَاكْفِنَا وَإِيَّاهُمْ سَائِرَ الْأَهْوَاءِ وَالْأَدْوَاءِ.

عباد الله:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾النحل: 90 – 91.

فَاذْكُرُوا اَللَّهَ اَلْعَظِيمَ اَلْجَلِيلَ يَذْكُرُكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلِذِكْرُ اَللَّهِ أَكْبَرُ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *