مشروع خطب الجمعة في إفريقيا
رقم عنوان الخطبة معد الخطبة التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة المراجعة والنشر
294 سَبِيلُ النَّجاةِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ قسم المشاريع 14/04/1448هـ  الموافق 25/09/2026م الأمانة العامة

 

 

الموضوع:  “سَبِيلُ النَّجاةِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ“

الحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنْسَتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَه،

وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71].

 

أَمَّا بَعْدُ:  عِبَادَ اللهِ: إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلا قَد أَنْزَلَ كِتابَهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَتَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ إِلَى قِيامِ السَّاعَةِ، وَأَمَرَنا رَبُّنا جَلَّ وَعَلا أَنْ نَتَعَلَّمَ وَنُرَتِّلَ الْقُرْآنَ؛ فَقالَ فِي مُحكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿‌وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ المزمل: 4. وَنَبِيُّنا ﷺ أَطْلَقَ الْخَيْرِيَّةَ لِأَهْلِ الْقُرْآنِ؛ قالَ ﷺ: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ) أخرجه البخاري، بَلْ إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا أَمَرَنا بِتَدَبُّرِ هَذا الْكِتابِ وَالْعَمَلِ بِما فِيهِ فَقالَ: ﴿أَفَلَا ‌يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ﴾ محمد:24. أخرج أحمد بن حنبل في الزهد: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: “إِذَا سَمِعْتَ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ﴾  فارْعِها سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ”. وَسَوْفَ نَقِفُ الْيَوْمَ مَعَ آياتٍ كَرِيمةٍ لَوْ نَزَلَتْ عَلَى الْجِبالِ لَدَكَّتْها؛ ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعًا ‌مُّتَصَدِّعًا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ﴾ الحشر:21.

عِبادَ اللهِ: هَذِهِ آياتٌ مِنْ آخِرِ سُورَةِ المؤْمِنونَ، مَنْ تَدَبَّرْها وَتَأَمَّلْها وَعَمِلَ بِما فِيها أَصْلَحَ اللهُ لَهُ دِينَهُ وَدُنْياهُ وَأُخْراهُ؛ يَقُولُ اللهُ تَعالَى: ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ‌ٱلسَّيِّئَةَۚ ‌نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ المؤمنون: 96. ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ ‌هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ﴾ المؤمنون:97- 98. يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِهِ عَنْ هَذِهِ الْآياتِ: “ثَلاثُ آياتٍ لَا رابِعَ لَها أَمَرَ اللهُ جَلَّ وَعَلا بِمُصانَعَةِ الْعَدُوِّ الْإِنْسِيِّ”. وَالْمُصانَعَةُ بِمَعْنَى الْمُداراةِ. وَها هُوَ رَسُولُنا ﷺ يُعَلِّمُنا كَيْفَ نَتَعامَلُ مَعَ مَنْ هُمْ مَصْدَرُ أَذًى لَنا. جاءَ عِنْدَ الْبُخارِيِّ أَنَّ رَجُلًا -وَقِيلَ مِنَ المنافِقِينَ- اسْتَأْذَنَ علَى النَّبيِّ ﷺ فقالَ ﷺ: ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ – أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ- فَلَمَّا دَخَلَ الرَّجُلُ أَلانَ لَهُ الْكَلامَ وَانْبَسَطَ إلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يا رَسولَ اللَّهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ كَذَا وكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: يا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟ -ثُمَّ قالَ ﷺ مَقُولَتَهُ الْخالِدَةَ، وَالَّتِي بِمَثابَةِ خارِطَةِ الطَّرِيقِ فِي التَّعامُلِ مَعَ النَّاسِ- إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فحشه).

ثُمَّ نُتابِعُ الْآياتِ فَنَجِدُ الَّذِي فَرَّطَ فِي حَياتِهِ يَنْدَمُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ ‌رَبِّ ‌ٱرۡجِعُونِ﴾ المؤمنون: 99.  لِماذا تَمَنَّى الرُّجُوعَ؟ أَلِكَيْ يُكْمِلَ مُتْعَتَهُ بِالدُّنْيا؟ أَمْ لِيَبْقَى مَعَ أَهْلِهِ؟ لا، قال: ﴿لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ المؤمنون: 99. وَلاحِظُوا –نَفَعَنا اللهُ بِكِتابِهِ- أَنَّهُ قالَ (لَعَلِّي)، وَلَمْ يُؤَكِّدْ كَلامَهُ وَأُمْنِيَتَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَمُ أَنَّ هَذا الْعَبْدَ لَوْ أُعِيدَ إِلَى الدُّنْيا مِئاتِ المرَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَبْعُهُ وَمَسْلَكُهُ، وَلَنْ يُصْلِحَ ما تَمَنَّى الرُّجُوعَ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عاشَ عابِدًا لِدُنْياهُ وَشَهَواتِهِ زاهِدًا فِي آخِرَتِهِ، فَأَظْلَمَ قَلْبُهُ فَأَصْبَحَ أَسْوَدَ مِرْبادًّا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، ﴿قَالَ ‌رَبِّ ‌ٱرۡجِعُونِ * لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكۡتُۚ﴾ ما كانَ الرَّدُّ علَى طَلَبِهِ؟ جاءَ الرَّدُّ صاعِقًا مِنْ رَبِّنا جَلَّ وَعَلا: ﴿كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ وَهُنا لَفْتَةٌ نافِعَةٌ: عُمَرُ t يَقُولُ: إِيَّاكَ وَما يُعْتَذَرُ مِنْهُ. أَيْ: عَوِّدْ نَفْسَكَ عَلَى أَلَّا تَفْعَلَ ما يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِذارَ إِلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَذِرَ غالِبًا مُنْكَسِرٌ ذَلِيلٌ، هَذا فِي الدُّنْيا، فَما بالُكَ بِمَوْقِفِ الْآخِرَةِ؟!.

صَوَّرَ لَنا نَبِيُّنا ﷺ هَذِهِ الدُّنْيا فَقالَ: (يُؤْتَى بأَنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيا مِن أهْلِ النَّارِ يَومَ القِيامَةِ، فيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً -أَيْ: يُغْمَسُ فِي النَّارِ غَمْسَةً- ثُمَّ يُقالُ: يا ابْنَ آدَمَ، هلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا واللَّهِ يا رَبِّ، ويُؤْتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنْيا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فيُقالُ له: يا ابْنَ آدَمَ، هلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا واللَّهِ يا رَبِّ، ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ( صحيح مسلم.

يُصَوِّرُ لَنا رَبُّنا جَلَّ وَعَلا حَقِيقَةَ هَذِهِ الدُّنْيا، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ لا يَنْفَعُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ؛ لِذَلِكَ يَقُولُ رَبُّنا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ‌ٱلۡقِيَٰمَةِ ‌كِتَٰبًا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا * ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبًا﴾ الإسراء: 13- 14. وَالطَّائِرُ هُنا الْعَمَلُ، فَمَنْ كانَ فِي الدُّنْيا قائِمًا بِالْعُبُودِيَّةِ كَمَا أَمَرَهُ رَبُّهُ، مُبْتَعِدًا عَنِ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَأَكْلِ الْحَرامِ، مُلْتَزِمًا بِصَلاةِ الْفَرائِضِ وَالتَّطَوُّعِ وَقِيامِ اللَّيْلِ وَصَدَقَةِ السِّرِّ، بَعْدَ أَنْ كانَ يُخْفِي عَمَلَهُ الصَّالِحَ فِي الدُّنْيا فَهَوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَعِنْدَ أَخْذِهِ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ يَفْتَخِرُ، وَيُعْلِنُ أَمامَ كُلِّ مَعارِفِهِ ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ ‌كِتَٰبِيَهۡ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ﴾ الحاقة: 19- 20.

فَهَنِيئًا ثُمَّ هَنِيئًا لِمَنْ عَلِمَ حَقِيقَةَ الدُّنْيا ثُمَّ قالَ جَلَّ وَعَلا مُصَوِّرًا لَنا مِيزانَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ * وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ * ‌تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ * أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡماً ضَآلِّينَ * رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ * قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيق مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ * فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ * إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ المؤمنون: 102- 111.

 

وَمِنْ أَحْداثِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ذَلِكَ السُّؤالُ لِتَوْبِيخِ وَتَخْجِيلِ أَهْلِ النَّارِ: ﴿مَا ‌سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ﴾ المدثر: 42. فَما كانَ جَوابُهُمْ؟ ﴿قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ * وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ﴾ المدثر: 43- 44. أَيْ: لَمْ نَكُنْ فِي الدُّنْيا نُصَلِّي وَلَمْ نَكُنْ نُزَكِّي ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ﴾ المدثر: 45. كُنَّا نَمْشِي وَنَتَكَلَّمُ فِي الْباطِلِ؛ كَالِاسْتِهْزاءِ بِسُنَّةِ النَّبِي ﷺ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية

الحمْدُ للهِ عَلَى فَضْلِهِ وَإِحْسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ،

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحابِهِ وَأَزْواجِهِ وَإِخْوانِهِ وَمَنْ سارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

ثُمَّ يَخْتِمُ رَبُّنا جَلَّ وَعَلا هَذِهِ الْآياتِ بِسُؤالٍ مُوَجَّهٍ لِلْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيامَةِ: ﴿قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٍ فَسۡـَٔلِ ‌ٱلۡعَآدِّينَ * قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلًاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الدُّنْيا لَعَلِمْتُمْ أَنَّها قَصِيرَةٌ، فَهَذا نُوحٌ -عَلَيْهِ السَّلامُ- عَمَّرَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عامٍ، وَلَمَّا سُئِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: كَيْفَ وَجَدْتَ الدُّنْيا؟ قالَ –عَلَيْهِ السَّلامُ- وَجَدْتُ الدُّنْيا كَدارٍ لَها بابانِ، دَخَلْتُ مِنْ أَحَدِهِما وَخَرَجْتُ مِنَ الْآخَرِ. وَأَنْتَ يَا عَبْدَ اللهِ تَمُرُّ عَلَيْكَ السُّنُونُ مُرُورَ الْبَرْقِ فَلا تَنْتَبِهُ إِلَّا وَقَدْ خَطَّ عارِضَيْكَ الْمَشِيبُ، وَلَا تَشْعُرُ إِلَّا وَأَبْناؤُكَ قَدْ كَبِرُوا وَتَفَرَّقُوا مِنْ حَوْلِكَ، يَقُولُ رَبُّنا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثاً وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ﴾ أَيْ: هَلْ كُنْتَ تَظُنُّ أَيُّها الْعَبْدُ أَنَّ الْحَياةَ تَمُرُّ بِلَا حِسابٍ وَلا مُسَاءَلَةٍ؟!

﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ * فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ * وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ * وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾.

 

اِعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ الْعَبْدَ مَتَى ابْتَعَدَ عَنِ الشِّرْكِ، وَحَقَّقَ التَّوْحِيدَ، وَوُفِّقَ لِلِاسْتِغْفارِ، فَقَدْ أَرادَ اللهُ بِهِ الْخَيْرَ وَالْفَلاحَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ؛ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا ‌يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَاماً * يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَٰلِحاً فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰت وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورا رَّحِيما﴾ الفرقان: 68- 70.  وَقالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا * يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارًا * وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰل وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٍ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرًا﴾ نوح: 10- 12. فَالِاسْتِغْفارُ يَغْسِلُ الذَّنْبَ، وَيَرْفَعُ الدَّرَجاتِ، جَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ هَرِمٌ قَدْ سَقَطَتْ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَدَرَ وَفَجَرَ، لَمْ يَدَعْ حَاجَةً وَلا دَاجَةً إِلا اقْتَطَعَهَا بِيَمِينِهِ، لَوْ قُسِّمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ الأَرْضِ لَأَهْلَكَتْهُمْ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَسْلَمْتَ؟ فَقالَ: أَمَا أَنا، فَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَإِنَّ اللَّهَ غَافِرٌ لَكَ مَا كُنْتَ كَذَلِكَ، وَمُبِدِّلٌ سَيِّئَاتِكَ حَسَنَاتٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَغَدْرَاتِي وَفَجْرَاتِي؟ قَال: وَغَدَرَاتَكَ وَفَجْرَاتَكَ، قَالَ: فَوَلَّى الرَّجُلُ يُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ. ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا ‌فَعَلُواْ ‌فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَة مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰت تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ﴾ آل عمران: 135- 136.

 

فَاحْرِصُوا بارَكَ اللهُ فِيكُمْ عَلَى التَّزَوُّدِ بِالْأَعْمالِ الصَّالِحَةِ؛ فالْعُمرُ مَهْمَا طالَ فَهُوَ قَصِيرٌ، وَالدُّنْيا مَهْمَا طالَتْ فَهِيَ راحِلَةٌ مُدْبِرَةٌ، وَالجنَّةُ وَالنَّارُ هُما الْمُسْتَقَرُّ فِي الْآخِرَةِ، فَجاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ، وَقَدِّمُوا أَعْمالًا صالِحَةً تُرْضِي رَبَّكُمْ؛ لِتَنالُوا جَنَّةً عَرْضُها السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. جَعَلَنا اللهُ وَإِيَّاكُمْ وَوَالِدِينا وَوَالِدِيكُمْ وَأَزْواجَنا وَذُرِّيَّاتِنا وَجَمِيعَ المسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْجِنانِ الْعالِيَةِ.

 

 

 

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالـمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالـمُشْرِكِينَ.

رَبَّنَا تَقَبلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَتُبْ عَلِينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ، وَاغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ الـمُسلِمِينَ وَالـمُسلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُم وَالأَمْواتِ إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ المسْتَعانُ، وَبِكَ المسْتَغاثُ، وَعَلَيْكَ التُّكْلانُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.

رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالمينَ، وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

اللَّهُمَّ ثَبِّتْنا عَلَى نَهْجِ الِاسْتِقامَةِ، وَأَعِذْنا مِنْ مُوجِباتِ النَّدامَةِ يَوْمَ الْقِيامَةِ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ الْلَّهِ: اذْكُرُوا الْلَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ عَلَىَ وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ الْلَّهِ أَكْبَرُ وَالْلَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ.

 

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *