التاريخ: 14/04/1448هـ الموافق 26/10/2026م  

فتوى رقم 21-48

فتوى بشأن إجراء فحوصات البصمة الوراثية لإثبات النسب أو نفيه خارج نطاق القضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد عُرض على لجنة الإفتاء والإرشاد باتحاد علماء إفريقيا طلبُ بيان الحكم الشرعي لإجراء فحوصات البصمة الوراثية (الحمض النووي ADN) بقصد إثبات النسب أو نفيه خارج إطار القضاء، وذلك في ضوء ما لوحظ في بعض المجتمعات الإفريقية من لجوء أفراد إلى إجراء هذه الفحوصات بصورة شخصية، وما قد يترتب على ذلك من إثارة الشكوك، وزعزعة الثقة بين الزوجين، وتهديد استقرار البيوت وتماسك الأسر.

 

وبعد النظر في المسألة، ومراعاة أصول الشريعة ومقاصدها في حفظ الأنساب والأعراض وصيانة الأسرة والمجتمع، قررت اللجنة ما يأتي:

 

أولًا: اعتبار البصمة الوراثية وضوابط الاستفادة منها:

البصمة الوراثية وسيلة علمية معتبرة في مجال التعرّف على القرابة البيولوجية، ويمكن الاستعانة بها عند الحاجة وفي الحالات التي تقررها الجهات المختصة، بوصفها قرينةً في مجال الإثبات، ولا سيما عند عدم توافر الأدلة الشرعية أو تعذّر الوصول إليها؛ ومن أمثلة ذلك التحقق من هوية مجهولي النسب، ومعالجة حالات اختلاط المواليد، والتعرّف على المفقودين في الكوارث والحروب، والنظر في بعض صور التنازع التي تُعرض على الجهات القضائية المختصة.

 

ثانيًا: مراعاة احتمالات الخطأ وسلامة الإجراءات

على الرغم من دقة فحوصات البصمة الوراثية في الجملة، فإن الاعتماد عليها يقتضي مراعاة ما قد يعتري إجراءاتها من أخطاء بشرية عند جمع العينات أو حفظها، أو تلوث مخبري، أو تدليس وتزوير، ولا سيما عند غياب الرقابة والضوابط الفنية والقانونية. وبناءً عليه، فإن الفحوصات الفردية العشوائية لا تُعدّ حجةً ملزمةً بذاتها ما لم تُجرَ وفق المعايير المعتمدة، وتحت إشراف الجهات المختصة.

 

ثالثًا: صيانة الأنساب الثابتة شرعًا:

الأصل في الشريعة العناية بإثبات الأنساب وصيانتها، والتشديد في نفيها أو الطعن فيها؛ تحقيقًا لمقاصد حفظ النسل والعِرض، وحمايةً لاستقرار الأسرة. وقد قال النبي ﷺ: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (متفق عليه). ومقتضى هذا الأصل صيانة النسب الثابت بالفراش الشرعي، وعدم المساس به إلا بمسوّغ شرعي معتبر، فلا يُنقَض حكم الفراش بمجرد فحص فردي أو قرينة مخبرية تُستعمل خارج الضوابط الشرعية والقضائية.

 

رابعًا: الطريق الشرعي لنفي النسب القائم على الفراش:

المتقرر عند اللجنة أن نفي النسب الثابت بالفراش الشرعي يكون بالطريق الذي قررته الشريعة، وهو اللعان أمام القضاء الشرعي المختص، ولا يجوز جعل نتائج البصمة الوراثية بديلًا عن هذا الطريق أو مقدَّمةً عليه.

 

خامسًا: منع الذرائع المفضية إلى الإضرار بالأسرة والمجتمع:

إن فتح المجال للفحوصات الفردية غير المنضبطة سيفضي إلى إشاعة سوء الظن، وإثارة الاتهامات، وزعزعة السكينة الزوجية، والإضرار بسمعة الأفراد وتفكيك الأسر. ومن ثمّ، فإن منع الوسائل التي تفضي إلى هذه المفاسد داخل في اعتبار مقاصد الشريعة وسدّ الذرائع المؤدية إلى الضرر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].

 

سادسًا: التحذير من إساءة استعمال الفحوصات ونتائجها:

تحذّر اللجنة من إجراء هذه الفحوصات بدافع سوء الظن أو الانتقام أو التشهير، أو توظيف نتائجها للإيذاء أو الضغط على أفراد الأسرة. كما تؤكد ضرورة الالتزام بالأنظمة المعمول بها في كل بلد، وبالأخص ما يتعلق بحماية الخصوصية والبيانات الوراثية، وضوابط الإثبات والإجراءات القضائية.

 

الحكم والنتيجة:

بناءً على ما تقدم، لا يجوز للأفراد أو الأزواج إجراء فحوصات الحمض النووي بقصد التحقق الشخصي من صحة الأنساب الثابتة شرعًا أو نفيها، خارج الضوابط الرسمية ودون إذن قضائي من الجهة المختصة؛ صيانةً للأنساب والأعراض، وحفظًا لاستقرار الأسر، وسدًّا للذرائع المفضية إلى الفتنة والاضطراب، مع التأكيد أن الاستفادة من البصمة الوراثية في الحالات المعتبرة تكون وفق الإجراءات الشرعية والقضائية المعتمدة، ولا سيما في مسائل نفي النسب القائم على الفراش.

 

توصيات اللجنة:

1.    دعوة السلطات المختصة والجهات التشريعية في البلدان الإفريقية إلى حظر الممارسات التجارية غير المنضبطة المتعلقة بفحوصات البصمة الوراثية.

2.    وضع ضوابط قانونية تمنع إجراء هذه الفحوصات لأغراض إثبات النسب أو نفيه دون إذن رسمي من الجهة القضائية المختصة.

3.    تعزيز الرقابة على المختبرات المعتمدة، وضمان سلامة إجراءات جمع العينات وحفظها وتحليلها، صونًا للأعراض وحمايةً للنسيج الأسري والاجتماعي.

4.    تعزيز التعاون بين الجهات الشرعية والقضائية والطبية لوضع ضوابط واضحة لإجراء الفحوصات وتفسير نتائجها واستعمالها، وتحديد الحالات التي يجوز الاستناد إليها فيها، وآليات التحقق والاعتراض عند النزاع.

والله أعلم والرد إليه أسلم.

 

أعضاء لجنة الإفتاء والإرشاد في اتحاد علماء إفريقيا:

1

أ.د/ محمد أحمد لوح  

السنغال

رئيسًا

2

د/ جيلان خضر    

إثيوبيا

مقرّرًا

3

أ/ أبو بكر موري سوماورو  

ليبيريا

عضوًا

4

د/ أبو بكر باه   

السنغال

عضوًا

5

د/ حسين محمد بوا  

يوغندا

عضوًا

6

د/ ديارا سياكا       

كوت ديفوار

عضوًا

7

د/ عبد الرزاق حسين

جيبوتي

عضوًا

8

د/ عبد الله سيدجمل الليل

جزر القمر

عضوًا

9

د. محمد إسحاق كندو

بوركينا فاسو

عضوًا

10

أ/ محمد تراوري

مالي

عضوًا

11

د/ سويد جمعة

يوغندا

عضوًا

12

د/سراج الدين بلال الأسرع

نيجيريا

عضوًا

13

أ/ بشير أحمد صلاد

الصومال

عضوًا

14

د/ عبد الله لام

السنغال

عضوًا

عنهم:

فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد أحمد لوح

                                                                                                           رئيس اللجنة

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *