مشروع خطب الجمعة في إفريقيا
رقم الخطبة عنوان الخطبة معد الخطبة تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة المراجعة والنشر
268 التَّسَامُح فَضَائِلِه وَآثَارُه قسم المشاريع  17/08/1447هـ  الموافق 06/02/2026م الأمانة العامة

 

الموضوع: “التَّسَامُح فَضَائِلِه وَآثَارُه”

الْحَمْد لِلَّه الرؤوف الرَّحِيم ، البرّ، الْجَوَاد ، الْكَرِيم ، أَحْمَدُه تَعَالَى وَأَشْكُرُه ، وَأَشْهِد أن لا إلَه إلَّا اللَّه الْمِلْك الْعَظِيم ، وَأَشْهِد أن محمدًا عَبْدَه وَرَسُوله، الْهَادِي إِلَى صراطٍ مستقيمٍ، صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَعَلَى آلِه وَصَحِبَه وَسُلِّم تسليمًا كثيرًا.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبً﴾ سورة النساء 4، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران 102، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب 71.

أَمَّا بَعْدُ:

عِبَاد اللَّه: لَمَّا خَلَق اللَّه تَعَالَى النَّاس جَعَلَهُم مُختلفين فِي خَلَقَهُم، وُفِّي صُوَرِهِم، وُفِّي تفكيرهم ومشاعرهم، وُفِّي سُلُوك حَيَاتِهِم، فَالنَّفْس الْبَشَرِيَّة هَذِه طَبِيعَتُهَا؛ وَلَهَذَا تَمَايُز النَّاس فِي أَخْلَاقِهِم، وتشاكلوا فِي طِبَاعِهِم، يَقُوْل رَبَّنَا سُبْحَانَه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشَّمْس :7-8].

وَالْمُؤْمِن عَلَيْه أن يَسْعَى لِنَيْل أَفْضَل الصِّفَات، وَأَزْكَى السَّجايا، أَلَا وَإِنّ مَن أَحْسَن صِفَات الْمَرْء، وَمَنّ خَيْر مَا يتحلَّى بِه فِي حَيَاتِه: صِفَة التَّسَامُح، فَهِي صفةٌ كريمةٌ، وَالسَّعْي لَهَا كَرِيم النَّفْس.

النَّفْس المُتسامحة مَن أَصْفَى النُّفُوس وأسعدها، فَهِي تَحْمِل روحًا مُحبةً لِلْخَيْر، تَبْذُل الْإِحْسَان لِلنَّاس، إنَّهَا نفسٌ تَحْمِل بَيْن جوانحها قلبًا رحيمًا يُحب السَّعَادَة لِلْآخَرِين، وَيَرْجُو الْخَيْر لِكُلّ الْمُسْلِمِين، يَتَأَلَّم لآلامهم، وَيَفْرَح لِفَرَحِهِم.

أَخْرَج ابْن مَاجَه بسندٍ صحيحٍ عَن عبد الله بن عَمْرٍو رَضِي اللَّه عَنْهُمَا: أن النَّبِيّ ﷺ سُئل: أَي النَّاس أَفْضَل؟ فَقَال عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام: كَلّ مَخْمُوم الْقَلْب، صَدُوق اللِّسَان، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه، صَدُوق اللِّسَان نَعْرِفُه، فَمَا مخموم الْقَلْب؟ قَال: هُو التَّقي، النَّقي، لا إثمَ فِيه، ولا بَغْي، ولا غِلَّ، ولا حَسَد.

صَاحِب النَّفْس المُتسامحة السَّمحة تَرَاه بَرِقَ الثَّنايا، يَبْتَسِم لِكُلّ مَن يَرَاه، ليِّن الْعَرِيكَة، ودودًا، لطيفًا، يَأْلَف ويُؤْلَف.

صَاحِب الْقَلْب المُتسامح تَرَاه سهلًا، قريبًا مَن النَّاس، غَيَّر فَظٍّ، ولا غليظٍ، وَهَذِه مَن صِفَات أَهْل الْجَنَّة، يَقُوْل النَّبِيّ ﷺ فِي بَعْض صِفَات أَهْل الْجَنَّة: (أَهْل الْجَنَّة ثلاثةٌ، وَذِكْر مِنْهُم رجلًا رحيمًا رَقِيق الْقَلْب لِكُلّ ذي قُرْبَى ومسلمٍ) أَخْرَجَه مسلمٌ فِي “صَحِيحِه “.

التَّسَامُح معنًى عظيمٌ، مَن وُفِّقَ لَه وُفِّقَ لخيرٍ كثيرٍ، فَإِذَا تسامحتَ وتنازلتَ عَن بَعْض حقِّك، إِذَا تنازلت عَن حقِّك أَو بَعْض حقِّك تَرْجُو بِذَلِك الْأَجْر مَن اللَّه؛ فَإِن الْأَجْر يَكُون عِنْد اللَّه عظيمًا، يَقُوْل اللَّه تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى :40].

إن التَّسَامُح وَالتَّنَازُل خلقٌ يَدُلّ عَلَى رُوح الْحَيَاة فِي تِلْك النَّفْس، بَل هُو عِنْوَان صَفَائِهَا، وَبُرْهَان نَقَائِهَا.

وَتَأَمَّل مَعِي هَذَا الْحَدِيث الْعَظِيم الَّذِي يَدُلّ عَلَى عَظِيم شَأْن التَّسَامُح ؛ جَاء فِي الصَّحِيحَيْن عَن أَبِي مسعودٍ  قَال : قَال رَسُول اللَّه ﷺ: حُوسِبَ رجلٌ مِمَّن كَان قِبَلِكُم ، فَلَم يُوجِد لَه مَن الْخَيْر شيءٌ إلَّا أَنَّه كَان يُخالط النَّاس ، وكان مُوسِرًا، فَكَان يَأْمُر غِلْمَانِه أن يُيَسِّروا عَلَى المُوسِر،وَأَن يَتَجَاوَزُوا عَن المُعْسِر، فَقَال اللَّه : نَحْن أحقُّ بِذَلِك مِنْك، تَجَاوَزُوا عَن عَبْدِي.

إنَّه رجلٌ كَان يُداين النَّاس ، فَإِذَا جَاءُوا بِمَا عِنْدَهُم وَإِلاّ صَبَر ، وَيَأْمُر غِلْمَانِه بِأَلَّا يُعَسِّروا عَلَى الْمَدِينِين ، بَل يُيَسِّروا عَلَى المُوسِرين، ويُسقطوا الدَّين عَن المُعْسِرين، فَكَان جَزَاؤُه أن غَفَر اللَّه لَه، وَقَال : نَحْن أحقُّ بِذَلِك مِنْك، تَجَاوَزُوا عَن عَبْدِي.

عِبَاد اللَّه: إِذَا جَاء الْحَدِيث عَن التَّسَامُح فَإِن أَوَّل مَن يُذْكَر فِي هَذَا الشَّأْن رَسُول اللَّه، الَّذِي قَال اللَّه عَنْه : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [الْقَلَم :4]، لَم يَكُن فَظًّا، ولا غليظًا: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عِمْرَان :159].

يَقُوْل رَبَّنَا تبارك وتعالى عَن نَبِيِّه ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَة :128].

جَاء فِي الصَّحِيحَيْن : أن أعرابيًّا أَتَى النبيَّ ﷺ مِن خَلْفِه وجَبَذَه جَبْذَةً شديدةً، وَقَال : يَا مُحَمَّد ، مُرْ لِي مِن مَال اللَّه الَّذِي عِنْدَك. فَالْتَفَت إلَيْه النَّبِيّ ﷺ، وَتَبَسَّم ، وَأَمَّر لَه بعطاءٍ.

كَان بِإِمْكَانِه أن يَأْمُر مَن مَعَه مَن الصَّحَابَة أن يُعاقبوه، لَكِنَّه عَلَيْه الصَّلَاة وَالسَّلَام آثَر أن يَخْتَار خَلَق التَّسَامُح ، فابتسم، وَأَمَّر لَه بعطاءٍ.

وَعَلَى هَذَا الْخَلْق النَّبيل الْكَرِيم صَار صَحَابَتِه، وَقَد كَان مُجْتَمَعُه مجتمعًا مُتصافيًا، مُتسامحًا، فَلا عَدَاوَة ، ولا انْتِقَام ، حَتَّى ذُكِرُوا أن عُمَر رَضِي اللَّه عَنْهُ جَلَس زَمَن خِلَافَة أَبِي بكرٍ رَضِي اللَّه عَنْهُ لِلْقَضَاء ، فَمَكَث عامًا كاملًا لَم يأتِ إلَيْه أحدٌ يَرْفَع شَكْوَى أَو مظلمةً؛ لأَنّ التَّسَامُح وَأَخْلَاق الْمُؤْمِنِين كَان هُو السائد بَيْنَهُم .

عِبَاد اللَّه: رُبَّمَا يَظُنّ بَعْض النَّاس أن التَّسَامُح لُغَة الضُّعَفَاء ، وَهَذًّا مفهومٌ مُخالفٌ لِلصَّوَاب ، بَل بتسامحك عَن حقِّك أَو بَعْض حقِّك، وتسامحك مَع إخْوَانَك الْمُؤْمِنِين ، أَنْت بِهَذَا تُنَال فِي الدُّنْيَا وسامًا رفيعًا لَك عِنْد النَّاس، وُفِّي الْآخِرَة لَك الثَّوَاب الْعَظِيم وَالْأَجْر الْجَزِيل مَن اللَّه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى :40].

وَتَأَمَّل يَا أَخِي الْكَرِيم عِنْدَمَا تَكُون هُنَاك خصومةٌ بَيْن اثْنَيْن ، وكلٌّ مِنْهُمَا مُتمسكٌ بِرَأْيِه ، مُطالبٌ بحقِّه، غَيَّر ناظرٍ لِفَضْل الصُّلح وَالْإِصْلَاح ، وَغَابَت عَنْهُمَا فَضَائِل التَّسَامُح ؛ فَإِنَّه لَن يَكُون بَيْنَهُمَا إلَّا الْقَطِيعَة الطَّوِيلَة، وَالْهَجْر الْمُقِيت، وتوتر النُّفُوس، وَتَكُون بَيْنَهُمَا معركةٌ، كلٌّ مِنْهُمَا خاسرٌ فِيهَا، لَيْس فِيهَا مُنتصرٌ.

نَعَم كلٌّ مِنْهُمَا خاسرٌ، خَسِر رِضًا اللَّه، وَخَسِر رَاحَة قَلَبَه ، وطُمأنينة ضَمِيرِه ، وَثَنَاء النَّاس عَلَى عَقْلِه وَحِلْمِه : ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [الْبَقَرَة :237]، ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النِّسَاء :128].

عِبَاد اللَّه: إلَيْكُم هَذَا النَّمُوذَج الرَّائِع مَن أَعْظَم عُلَمَاء الإسلام: الإمام ابْن تَيْمِيَّة رَحِمَه اللَّه تَعَالَى، يَقُوْل عَنْه أَحَد تَلَامِذَتِه : “جئتُه يومًا مُبَشِّرًا لَه بِمَوْت أَكْبَر أَعْدَائِه وَأَشَدُّهُم عداوةً وأذًى لَه ، فنَهَرَني وَاسْتَرْجَع، ثُمّ قَامّ مَن فَوْرِه إِلَى بَيْت أَهْلِه فعزَّاهم، وَقَال لَهُم : إنِّي لَكُم مَكَانَه ، ولا يَكُون لَكُم أمرٌ تَحْتَاجُون فِيْه إِلَى مساعدةٍ إلَّا ساعدتُكم فِيْه “.

إنَّهَا أَخْلَاق الْكِبَار، التَّسَامُح وَالتَّنَازُل عَن بَعْض الْحُقُوق هِي أَخْلَاق الْكِبَار وَالْعُظَمَاء:

لاَ يَحْمِل الْحِقْد مَن تَعْلُو بِه الرُّتَبُ  وَلَا يَنَالُ الْعُلاَ مَنْ دَأْبُهُ الْغَضَبُ.

أَقُول قَوْلِيّ هَذَا، وَأَسْتَغْفِر اللَّه لِي وَلِكَم وَلِسَائِر الْمُسْلِمِين مَن كَلّ ذنبٍ، فَاسْتَغْفِرُوه، وَتُوبُوا إلَيْه، إنَّه هُو التَّوَّاب الرَّحِيم.

الخطبة الثانية

الْحَمْد لِلَّه عَلَى إحْسَانِه، وَالشُّكْر لَه عَلَى تَوْفِيقِه وَامْتِنَانِه، وَأَشْهِد أن لا إلَه إلَّا اللَّه وَحَدَّه لا شَرِيك لَه تعظيمًا لَشَانَه، وَأَشْهِد أن محمدًا عَبْدَه وَرَسُوله الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانَه،

 صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَعَلَى آلِه وَصَحِبَه وَسُلِّم تسليمًا كثيرًا.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِن خَيْر الْحَدِيث كُتَّاب اللَّه، وَخُيِّر الْهَدْي هَدْي محمدٍ ﷺ، وشرَّ الْأُمُور مُحدثاتها، وُكِل محدثةٍ بدعةٌ.

عِبَاد اللَّه: إن النُّفُوس قَد جُبِلَتْ عَلَى الشُّح وَالِاسْتِقْصَاء فِي أَخَذ الْحُقُوق، كَمَا قَال رَبَّنَا سُبْحَانَه : ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النِّسَاء :128] أَي: جُبِلَتْ عَلَى الشُّح، وَلَكِن عِنْدَمَا يُعود الْإِنْسَان نَفْسَه عَلَى التَّسَامُح، وَعَلَى الغَضِّ عَن الْهَفَوَات، وَعُدِم تَتْبَع الزَّلات، فَلا يُحاسِب عَلَى كَلّ كلمةٍ، ولا يَهْجُر لِمُجَرَّد هفوةٍ، ولا يَقْطَع رحمًا لِأَجْل لُعاعةٍ مَن الدُّنْيَا؛ فَإِنَّه بِذَلِك يَكُون مُتسامحًا، وَيَنَال الرَّاحَة وَالطُّمَأْنِينَة وَالسَّعَادَة فِي الدُّنْيَا، وَالْأَجْر وَالثَّوَاب مَن اللَّه تَعَالَى.

إن بَعْض النَّاس لِمُجَرَّد أن صَاحِبِه لَم يُحْسِن اخْتِيَار الْكَلِمَة الْمُنَاسَبَة لِلْحَدِيث مَعَه يُقاطعه، وَيَتَغَيَّر عَلَيْه، ويتنكر عَلَيْه، وَيَهْجُرُه، وَإِذَا اخْتَلَف مَعَه عَلَى لُعاعةٍ مَن الدُّنْيَا قَاطِعِه وتَنَكَّر لَه، وَقَد يَكُون رَحِمًا تَجِب صِلته.

فَكُن يَا أَخِي مُبادرًا، مُتسامحًا، مُبادرًا لِلْعَفْو، وَلِتَكُنّ رُوحُك روحًا مُتسامحةً مَع الْآخَرِين، ولا تَكُن عَنِتًا وصعبًا مَع أرحامك، وَأَقَارِبَك، وَأَهْلَك، وأصدقائك؛ فَيَنْفِرُوا مِنْك، حَتَّى لَو فَاتَك بَعْض حقِّك كِنّ مُتسامحًا، فَإِن الِاسْتِقْصَاء فِي الْمُطَالَبَة بِالْحُقُوق يُورث الْعُقُوق، ويُورث الْقَطِيعَ ، وَخُيِّر النَّاس وَأَسْعَدَهُم أَكْثَرُهُم تسامحًا، وكما قَال رَبَّنَا سُبْحَانَه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الْأَعْرَاف :199] أَي : خُذْ مَا عَفَا وَصَفَا لَك مَن أَخْلَاق النَّاس، وما سمحتْ بِه طِبَاعِهِم، ولا تَسْتَقْصِي فِي الْمُطَالَبَة بحقوقك.

إن بَعْض النَّاس يَضَع مَعَايِير صارمةً لمَن يَتَعَامَل مَعَه، فَإِن أخلَّ بِهَا عَتَبَ عَلَيْه، وَرُبَّمَا قَاطِعِه، وَهَذًّا الصِّنْف مَن النَّاس يَعِيش قَلِقًا، مُتوترًا، قليلًا أَصْدِقَاؤُه، بَل يَنْبَغِي تَغْلِيب جَانِب التَّسَامُح، والتركيز عَلَى الْمَحَاسِن، وغَضّ الطَّرَف عَن الْمَسَاوِئ، وَالتَّغَافُل عَن الْهَفَوَات، كَمَا قَال النَّبِيّ: لا يَفْرَك أَي: لا يُبْغِض مؤمنٌ مؤمنةً، إن كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِي مِنْهَا آخَر.

وَهَذِه قاعدةٌ عظيمةٌ فِي التَّعَامُل مَع الْآخَرِين: إن كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَر، ذَكَرهَا النَّبِيّ مَع الزَّوْجَة، فَيَنْظُر الزَّوْج لَمَّا فِيهَا مَن الْمَحَاسِن، ويَغُضّ الطَّرَف عَن الْمَسَاوِئ.

وهكذا فِي تُعَامِلُه مَع وَالِدِيه، وَأَوْلَادَه، وَأَرْحَامِه، وَأَصْحَابه، وَجِيرَانِه، يُركز عَلَى الْمَحَاسِن، ويَغُضّ الطَّرَف عَن الْمَسَاوِئ، وَيَكُون مُتسامحًا، فَإِنَّه بِذَلِك يَكُون سعيدًا، وَيَكُون محبوبًا، وَلِه مَن اللَّه تَعَالَى الْأَجْر الْعَظِيم، وَالثَّوَاب الْجَزِيل.

أَمَّا مَن يَضَع مَعَايِير صارمةً لِلتَّعَامُل مَعَه، ويعتب عَلَى مَن لَم يُطبق هَذِه المعايير؛ فَإِنَّه يَبْقَى قَلِقًا، مُتوترًا، وَيُبْقَى بعيدًا عَن السَّمَاحَة وَالتَّسَامُح:

إِذَا أَنْت لَم تَشْرَب مرارًا عَلَى القَذَى  ظَمِئْتَ وَأَيّ النَّاس تَصْفُو مَشَارِبَه ؟!

فَيَنْبَغِي أن يُعود الْمُسْلِم نَفْسَه عَلَى السَّمَاحَة وَالتَّسَامُح، وَأَن يَكُون هَيِّنًا، لَيِّنًا، يَأْلَف ويُؤْلَف.

أَلَا وَأَكْثَرُوا مَن الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَى الْبَشِير النَّذِير، وَالسِّرَاج المُنير، فَقَد أَمَرَكُم اللَّه بِذَلِك فَقَال سُبْحَانَه:

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَاب :56].

اللَّهُمّ صلِّ وَسُلِّم وبارك عَلَى عَبْدَك وَرَسُولُك محمدٍ،

اللَّهُمّ ارضَ عَن صَحَابَة نَبِيِّك أَجْمَعِين، وَعَن التَّابِعِين، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إِلَى يُوم الدّيْن، وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفْوِك وَكَرَمِك يَا رَبّ الْعَالَمِين.

اللَّهُمّ أعزَّ الإسلام وَالْمُسْلِمَيْن، اللَّهُمّ أذلَّ الْكُفْر وَالْكَافِرِين،

اللَّهُمّ اُنْصُر مَن نَصْر دِين الإسلام فِي كَلّ مكانٍ، وَاخْذُل مَن خَذَل دِين الإسلام فِي كَلّ مكانٍ، يَا حيُّ، يَا قَيُّوم، يَا ذَا الْجَلَال وَالْإِكْرَام.

اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمّ إنَّا نَعُوذ بِك مَن زَوَال نِعْمَتَك، وَتَحَوَّل عَافِيَتِك، وفُجاءة نِقْمَتِك، وَجَمِيع سَخَطِك.

نَعُوذ بِك مَن مُضلات الْفِتَن، مَا ظَهَر مِنْهَا وما بَطْن،

اللَّهُمّ إنَّا نَسْأَلُك مَن الْخَيْر كُلّه: عَاجَلَه وَآجِلِه، مَا عَلِمْنَا مِنْه وما لَم نَعْلَم، ونعوذ بِك مَن الشَّرّ كُلّه: عَاجَلَه وَآجِلِه، مَا عَلِمْنَا مِنْه وما لَم نَعْلَم.

اللَّهُمّ اغْفِر لَنَا ولوالدينا، وللمؤمنين وَالْمُؤْمِنَات، وَالْمُسْلِمَيْن وَالْمُسْلِمَات، الْأَحْيَاء مِنْهُم وَالْأَمْوَات. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالْحَمْدِ للهِ رَبِّ العَالَمِين.

 

حفل تخرج الدفعتين الحادية عشرة والثانية عشرة في جامعة الساحل

أشرف الأمين العام لاتحاد علماء إفريقيا والمدير العام  لجامعة الساحل في باماكو الدكتور سعيد محمد بابا سيلا يوم السبت 11 شعبان 1447هـ الموافق  31 جانفي  2026م على حفل تخرج الدفعتين الحادية عشرة والثانية عشرة في جامعة الساحل بباماكو-مالي
المسماة بدفعة السيد سولومانا كانتى (رحمه الله) شخصية إفريقية بارزة مخترع أبجدية   “انكو”  وصاحب المؤلفات الكثيرة في تاريخ منطقة غرب إفريقيا المزيد…

حفل تخرج الدفعتين الحادية عشرة والثانية عشرة في جامعة الساحل بباماكو-مالي

أشرف الأمين العام لاتحاد علماء إفريقيا والمدير العام  لجامعة الساحل في باماكو الدكتور سعيد محمد بابا سيلا يوم السبت 11 شعبان 1447هـ الموافق  31 جانفي  2026م على حفل تخرج الدفعتين الحادية عشرة والثانية عشرة في جامعة الساحل بباماكو-مالي
المسماة بدفعة السيد سولومانا كانتى (رحمه الله) شخصية إفريقية بارزة مخترع أبجدية   “انكو”  وصاحب المؤلفات الكثيرة في تاريخ منطقة غرب إفريقيا، الذي ترك أثره في الحياة العلمية والثقافية في غرب إفريقيا والقارة الإفريقية وخارجها، برعاية الشيخ محمود بامبا  الخبير في كتابة لغة انكو في مالي  وفي العالم الذي شارك ومثل الناطقين بلغة انكو في كثير من الملتقيات الدولية والإقليمية والمحلية.

 

وشارك في  هذا الحفل كل من ممثل وزير التعليم العالي والبحث العلمي السيد دريسا كانتاو، والمدير التنفيذي لمنظمة الفاروق  الدكتور يحي غوري ممثلا لمساعد الأمين العام للشؤون المالية الشيخ إبراهيم كونتاو، وشارك كذلك ممثل مكتب  اللجنة الدولية لصليب الأحمر في مالي ، وممثل جمعية المؤسسات التعليمية العليا الخاصة في مالي ممادو لامين جاوارا وكثير من الأعضاء اتحاد علماء إفريقيا في بلد المقر، وممثلي بعثات السلك الدبلوماسية  والمنظمات والهيئات والجمعيات الدولية والمحلية في باماكو، ومديري الجامعات والمعاهد العليا ورؤساء الأقسام في الكليات في مالي، والبعثة الأزهرية في مالي، وهيئة التدريس والإداريين بجامعة الساحل بباماكو وغيرها، وكثير من الجهات الإعلامية الحكومية والخاصة في مالي، وجهات أخرى، والدكاترة والكوادر العلمية في العديد من الجامعات المحلية وخبراء أكاديميون، ومديري المدارس العامة وشخصيات دينية وعشائرية في مالي، وعدد كبير من الطلبة وأسرة الخريجين والخريجات.

 

ويجدر الإشارة أن عدد الخريجين والخريجات من الدفعة الحادية عشرة بلغ (140)  طالبا وطالبة، و من الدفعة الثانية عشرة (121) طالبا وطالبة حاملين شهادة الليسانس حسب نظام  أمد LMD من كلية الدراسات الإسلامية واللغة العربية وكلية الحاسوب وكلية العلوم القانونية والإقتصادية من مجموع 943 طالبا وطالبة  هم عدد طلاب الجامعة اليوم، وبذلك يصل عدد الخريجين في الجامعة منذ إنشائها إلى 1211 خريجا وخريجة.

 

وإلى جانب البرامج الأكاديمية في الكليات؛ تقيم الجامعة دورات تكوين متطورة في اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والبمبارية وانكو، وكذلك الدورات الحاسوبية مثل الميكروسوفت والوورد وإيكسيل والأكسيس والباوير بوينت وفوتوشوب وغيرها.

وقد أشار المدير العام للجامعة أنها تتطور وتتوسع بثبات، بعد افتتاح كلية علوم القانونية والاقتصادية وكلية علوم القرآن الكريم والعلوم التربوية في كاتي  Kati، مع استمرار برنامج الماستير في عدة تخصصات.

 

واختتم الحفل بتكريم الطلاب المتميزين حسب الكليات وبالدعاء للحضور والطلاب والدولة تلاه الإمام الشيخ الأستاذ موسى كمارا مسؤول قسم التعليم في منظمة الفاروق.

 

وإليكم بعض اللقطات من الفعالية
مع خالص الشكر والتقدير وتحيات مكتب الأمانة العامة/ قسم الإعلام والمعلوماتية.

 

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم الخطبة

عنوان الخطبة

معد الخطبة

تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

257

كَيْف نَعِيشُ مَعَ الْقُرْآنِ؟

قسم المشاريع 

10/08/1447هـ  الموافق 30/01/2026م

الأمانة العامة

 

الموضوع: ” كَيْف نَعِيشُ مَعَ الْقُرْآنِ؟”

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ نَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبً﴾ سورة النساء 4، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران 102، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب 71.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ النُّورُ الْمُبِينُ، أَعْظَمُ كِتَابٍ وَأَصْدَقُ خِطَابٍ وَأَحْسَنُ جَوَابٍ، نِعْمَةٌ أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْنَا وَمِنَّةٌ تَفَضَّلَ الْمَوْلَى بِهَا بَيْنَ يَدَيْنَا، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَلَهُ الشُّكْرُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ ، وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ سورة المائدة 15. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة يونس 57، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-يَقُولُ: (اقْرَؤُوا القُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعاً لأَصْحَابِهِ) رَوَاهُ مُسْلِم. وعَنِ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-يَقُولُ: (يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِالقُرْآنِ وَأَهْلِهِ الذينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ في الدُّنْيَا تَقْدُمُه سورَةُ البَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا) رَوَاهُ مُسْلِم. وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-(خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ t أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: (إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقْوَاماً وَيَضَعُ بِهِ آخرِينَ) رَوَاهُ مُسْلِم.

 

قَالَ عَلِىٌّ t: كِتَابُ اللَّهِ: فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ سورة الجن 1، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَتَعَلَّمُوهُ وَعَلِّمُوهُ أَبْنَاءَكَمُ، فَإِنَّكُمْ عَنْهُ تُسْأَلُونَ، وَبِهِ تُجْزَوْنَ وَكَفَى بِهِ وَاعِظَاً لِمَنْ عَقِل). وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ t: (يَنْبَغِي لِقَارِئِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إِذَا النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إِذَا النَّاسِ مُفْطِرُونَ، وَبِبُكَائِهِ إِذَا النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِوَرَعِهِ إِذَا النَّاسُ يُخَلِّطُونَ، وَبِصَمْتِهِ إِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ، وَبِخُشُوعِهِ إِذَا النَّاسِ يَخْتَالُونَ، وَبِحُزْنِهِ إِذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ).

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ : كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعْتَنِي بِالْقُرْآنِ طُوَالَ حَيَاتِهِ كُلِّهَا، كَيْفَ لَا ؟ وَالقُرْآنُ عَلَيْهِ أُنْزِلَ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَالَمْ يَكُنْ جُنَبَاً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا حَائِضٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : وَأَمَّا السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ اللهِ فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ قَصَبُ السَّبْقِ، حَيْثُ كَانُوا يُولُونَ الْقُرْآنَ عِنَايَةً عَظِيمَةً فِي التِّلَاوَةِ وَالتَّدَبُّرِ وَالْقِيَامِ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَكَانَ عَامَّتُهُمْ يَخْتِمُونَ الْقُرْآنَ كُلَّ سَبْعِ لَيَالٍ، فَعَنْ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ t– وَهُوَ صَحَابِيٌّ أَسْلَمَ مُتَأَخِّرَاً – قَالَ : سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-كَيْفَ يُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ ؟ قَالُوا : ثَلاَثٌ وَخَمْسٌ وَسَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلاَثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَجَوَّدَ إِسْنَادَهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.

فَيَنْبَغِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَجْتَهِدَ مَا اسْتَطَاعَ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَنَازِلِ أُولَئِكَ، لَكِنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الذِي يَسْتَطِيعُ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ (أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) وَقَالَ (اكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُ: اجْعَلْ لَكَ وِرْدَاً يَوْمِيَّاً مِنَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ لا تَخْلَّ بِهِ لا سَفَرَاً وَلا حَضَرَاً، وَلْيَكُنْ جُزءاً يَوْمِيَّاً علَىَ تَرْتِيبِ الشَّهْرِ، وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ : أَنَّ الْقُرْآنَ ثَلاثُونَ جُزْءاً وَالشَّهْرُ 30 يَوْمَاً أَوْ 29 يَوْمَاً، فَكُنْ مُرَتَّبَاً فَتَقْرَأَ كُلَّ  يَوْمٍ جُزْءاً مِنَ الْقُرْآنِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُوَافِقَاً لِتَارِيخِ الْيَوْمِ الذِي أَنْتَ فِيهِ.

فَإِذَا نَقَصَ الشَّهْرُ فَاقْرَأْ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ جُزْأَيْنِ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ، أَوْ تَقْرَأْ مِنْ أَوِّلِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ الْجَدِيدِ، الْجُزْءَ الثَّلَاثِينَ وَالْجُزْءَ الْأَوَّلَ، وَهَكَذَا تُرِتِّبْ نَفْسَكَ.

ثُمَّ لَوْ وَجَدْتَ نَفْسَكَ يَوْمَاً قَدْ تَخَلَّفْتَ وَنَسِيتَ وِرْدَكَ الْيَوْمِيَّ، فَهُنَا : تَبْدَأَ بِوِرْدِ الْيَوْمِ الذِي أَنْتَ فِيهِ، ثُمَّ مَا فَاتَكَ مِنَ الْأَجْزاءِ تَتَدَارَكَهُ فِيمَا بَعْدُ، لَكِنْ مِنَ الْمُهَمِّ أَنْ تَنْضَبِطَ وَتُجَاهِدَ نَفْسَكَ، وَبِإِذْنِ اللهِ تَجِدْ بَرَكَةً فِي وَقْتِكَ وَانْشِرَاحَاً فِي صَدْرِكَ.

ثُمَّ مَعَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي سَتَجِدُ نَفْسَكَ مُنْشَرِحَةً لِزَيَادَةِ الْوِرْدِ فَزِدْهُ  إِلَى جُزْأَيْنِ لَكِنْ أَيْضَاً (عَلَى تَرْتِيبِ الشَّهْرِ)، بِحَيْثُ تَخْتِمُ كُلَّ أُسْبُوعَيْنِ، فَمَا أَجْمَلَ هَذَا وَمَا أَحْسَنَ مَرْدُودِهِ عَلَى إِيمَانِكَ وَطُمَأْنِينَةِ نَفْسِكَ وَسَعَادَةِ قَلْبِكَ، وَمَنْ جَرَّبَ عَرَفَ وَمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ حَصَّلَ خَيْرَاً، وَمَنْ تَرَكهَا ضِيَّعَتْهُ وَقَتَلَهُ الْكَسَلُ وَتَفَلَّتَتْ عَلَيْهِ أَوْقَاتُهُ وَضَاعَتْ عَلَيْهِ سَاعَاتُهُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ .

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ مِنْ آدَابِ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ عَلَى طَهَارَةٍ، فَإِنْ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ حِفْظِهِ فَالطَّهَارَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَإِنْ كَانَ يَقْرَأَ مِنَ الْمُصْحَفِ فَالطَّهَارَةُ وَاجِبَةٌ، فَإِنْ كَانَ الإِنْسَانُ عَلَى جَنَابَةٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مُطْلَقَاً لا مِنَ الْمُصْحَفِ وَلا مِنْ حِفْظِهِ . وَأَمَّا الْحَائِضُ فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لَهَا أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ، وَهَذَا اخْتَيَارُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ.

وَتُسْتَحَبُّ الاسْتِعَاذَةُ عِنْدَ بِدَايَةِ الْقِرَاءَةِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ سورة النحل 98. ثُمَّ إِنْ كَانَ يَقْرَأُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ قَرَأَ الْبَسْمَلَةَ إِلَّا سُوْرَةَ التَّوْبَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ وَسَطِ السُّورَةِ فَلا تُشْرَعُ لِلْبَسْمَلَةِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ ، ثُمَّ إِذَا انْتَهَى مِنَ الْقِرَاءَةَ سَكَتَ، وَلا يَقُولُ: صَدَقَ اللهُ الْعَظِيم، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّيْخَانُ ابْنُ بَازٍ وَالْعُثَيْمِينُ رَحِمَهُمَا اللهُ عَلَى أَنَّهَا بِدْعَةٌ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : وَيَنبَغِي لِلْقَارِئِ اسْتِحْضَارُ عَظَمَةِ الْقُرْآنِ وَأَنَّهُ كَلامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فُيُرَتِّلُ وَيُحَسِّنُ صَوْتَهَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، وَلا يَصْلُحُ أَنْ يَعْبَثَ بِنَظَرِهِ يَمِينَاً وَشِمَالاً أَثْنَاءَ الْقِرَاءَةِ وَيَرَى الْغَادِيَ وَالرَّائِحَ أَوْ يُطَالِعُ فِي الْجَوَّالِ لِيَقْرَأَ الرَّسَائِلَ أَوْ يَرُدُّ عَلَى الْمُكَالَمَاتِ إِلَّا لِحَاجَةٍ شَدِيدَةٍ، فَلَيْسَ هَذَا مِنَ احْتِرَامِ الْقُرْآنِ.

فَإِذَا مَرَّ بِسَجْدِةِ تِلاوَةٍ سَجَدَ وَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، كَسُجُودِ الصَّلاةِ، وَإِنْ حَفِظَ شَيْئَاً مِنَ الأَدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ قَالَهَا وَإِلَّا كَفَاهُ التَّسْبِيحُ . وَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَتَدَبَّرَ مَعَانِيَ كَلامِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَتَأَثَّرَ بِهِ، فَإِذَا مَرَّ بِآيَاتٍ فِيهَا رَحْمَةٌ سَأَلَ أَوْ عَذَابٌ اسْتَعَاذَ باِللهِ مِنْه، فَعَنْ حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَكَانَ ، يَقرَأُ مُتَرَسِّلاً : إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسبيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَاللَّهُمَّ اجْعَلِ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا وَنُورَ صُدُورِنَا وَذَهَابَ غُمُومِنَا وَهُمُومِنَا.

اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مِنْهُ مَا جَهِلْنَا وَذَكِّرْنَا مِنْهُ مَا نُسِّيْنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ أَحَلَّ حَلالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، وَعَمِلَ بِمُحْكَمِهِ وَآمَنَ بِمُتَشَابِهِهِ،

 اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ شَاهِدَاً لَنَا لا شَاهِداً عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ شَفِيعاً لَنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ آتِ نفوسنا تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا.

الَّلهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالفَوْزَ بِالجَنَّةِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ.

اللَّهُمَّ اهْدِ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ وَشيَّابَهُمْ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ رِجَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلاَيَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

عباد الله: اذْكُرُوْا الْلَّهَ الْعَظِيْمَ الْجَلِيْلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ عَلَىَ وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ الْلَّهِ أَكْبَرُ وَالْلَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ.

 

Comعضو لجنة الاعلام والعلاقات العامة الدكتور أبو صالح الإمام عثمان صالح تراوري من دولة المقر مع رئيس لجنة الحواس والمساعي الحميدة الشيخ الدكتور موسى فاديغا (حفظه الله ورعاه ) والدكتور ديارا سياكا عضو لجنة الفتوى في من كوت ديفوار في افتتاح مسجد إثر زيارة أخوية له لأهالي كوت ديفوار.
أدام الله الأخوة الإسلامية.

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم الخطبة

عنوان الخطبة

معد الخطبة

تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

256

شَهَر شَعْبَانَ فَضَائِلُ وَمَحَاذِيرُ

  قسم المشاريع

04/07/1447هـ  الموافق 23/01/2026م

الأمانة العامة

 

الموضوع: ” شَهَر شَعْبَانَ فَضَائِلُ وَمَحَاذِيرُ “

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ نَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبً﴾ سورة النساء 4، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران 102، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب 71.

 

أَمَّا بَعْدُ:

عِبادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ يومٍ تُدْرِكُونَه في هَذِهِ الدُّنيا الْفانِيَةِ وَالظِّلِّ الزَّائِلِ غَنِيمَةٌ لَكُمْ، فَتَزَوَّدُوا فِيهِ مِنَ الطَّاعاتِ، وَحاسِبُوا فِيهِ أنفُسَكُمْ، وَاسْتَدْرِكُوا فِيهِ شَيئًا مِمَّا فاتَكُم، خاصَّةً إِذَا أَدْرَكْتُمْ أَزْمِنَةَ الطَّاعاتِ، فَفِيها مَزِيَّةٌ عَنْ غَيْرِها، فَهِيَ مُبارَكَةٌ، تُغْفَرُ فِيها السَّيِّئاتُ، وَيُعْتَقُ فِيها مِنَ النِّيرانِ، وَتُرْفَعُ فِيها الدَّرَجاتُ، وَتُضاعَفُ فِيها الحسَناتُ، وَمِنْ تِلْكُمُ الأزمِنَةِ شَهْرُ شَعْبانَ، فَفِيهِ تَتَحَرَّكُ الْقُلُوبُ الْحَيَّةُ، وَتَتَأَهَّبُ شَوْقًا لِسَيِّدِ الشُهُورِ وَأَفْضَلِها، شَهْرِ رَمَضانَ.

 

وَهُناكَ أُمُورٌ تَتَعَلَّقُ بِشَهْرِ شَعْبانَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ مَعْرِفَتُها:

أَوَّلُها: رَفْعُ أَعْمالِ الْعِبَادِ، كَما قالَ رَسُولُ اللهِ : «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمالُ إِلَى رَبِّ الْعالَمِينَ» [حسنه الألباني].

 

ثانِيًا: الصِّيامُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ ما يَدُلُّ عَلَى عِنايَةِ النَّبِيِّ  بِالصِّيامِ فِي هَذَا الشَّهْرِ، كَما فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، أَنَّ النَّبِيَّ : «كانَ يَصُومُ شَعْبانَ كُلَّهُ»، وَفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «كانَ يَصُومُ شَعْبانَ إِلَّا قَلِيلًا»، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ  كانَ تَارَةً يَصُومُ شَعْبانَ كُلَّهُ، وَتارَةً يَصُومُ أَكْثَرَهُ، وَفِي سُنَنِ أَبِي داوُدَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ: “كانَ أَحَبُّ الشُّهُورِ إِلَيْهِ أَنْ يَصُومَهُ شَعْبانَ، ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضانَ”.

 

ثالِثًا: أَنَّ مِنْ أَسْبابِ الْعِنايَةِ بِصِيامِ شَهْرِ شَعْبانَ أَنَّهُ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبابِ عِمارَةِ أَوْقاتِ غَفْلَةِ النَّاسِ بِالطَّاعَةِ، كَمَا كانَ طائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَسْتَحِبُّونَ إِحْياءَ ما بَيْنَ المغْرِبِ وَالْعِشاءِ بِالصَّلاةِ، وَيَقُولُونَ هِيَ ساعَةُ غَفْلَةٍ، ومِثْلُ ذَلِكَ اسْتِحْبابُ ذِكْرِ اللهِ تَعالَى فِي السُّوقِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ فِي مَوْطِنٍ تَكْثُرُ فِيهِ الْغَفْلَةُ، وَكَذَلِكَ قِيامُ اللَّيْلِ، فَإِنَّ أَجْرَهْ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ وَالرَّاحَةِ وَالْغَفْلَةِ عَنِ الْعِبادَةِ.

كُلُّ ذلك يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِي أَوْقاتِ الْغَفْلَةِ أَعْظَمُ ثَوابًا، وَهُوَ أَشَقُّ عَلَى النُّفُوسِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّ الْعَمَلَ إِذَا كَثُرَ المشارِكُونَ فِيهِ سَهُلَ، وَإِذَا كَثُرَتِ الْغَفَلاتُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُتَيَقِّظِينَ.

 

رابعًا: لا يجوزُ صيامُ آخِرِ يَوْمَيْنِ مِنْ شَعْبانَ، إِلَّا إِذَا كانَ الشَّخْصُ قَدِ اعْتَادَ صَوْمًا مُعَيَّنًا فَوافَقَ آخِرَ يَوْمٍ أَوْ آخِرَ يَوْمَيْنِ، كَمَنِ اعْتَادَ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَوافَقَ ذَلِكَ آخِرَ شَعْبانَ، وَكَذَلِكَ مَنِ اعْتَادَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا وَيُفْطِرَ يَوْمًا، أَوْ أَنْ يَصُومَ آخِرَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، أَوْ كانَ عَلَيْهِ قَضاءٌ مِنْ رَمَضانَ الْفَائِتِ، وَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَى أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ المسْلِمِينَ يَتَساهَلُ فِي قَضاءِ رَمَضانَ الْفَائِتِ، حَتَّى يَضِيقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ، فَلا يَتَمَكَّنَ مِنْ قَضاءِ ما عَلَيْهِ مِنْ أَيَّامٍ، وَلا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْقَضاءَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَهُ رَمَضانُ الْآخَرُ إِلَّا لِعُذْرٍ، فَإِنْ أَخَّرَ الْقَضاءَ بِلَا عُذْرٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ التَّوْبَةِ وَالْقَضاءِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ أَخَّرَهُ مِسْكِينًا.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

اَلْحَمْدُ للهِ عَلىَ إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلىَ تَوْفِيْقِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ اِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلىَ رِضْوَانِهِ.

 

أَمَّا بَعْدُ:

عَبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ  وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعْصُوهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ سورة التحريم 6، تَقَرَّبوُا إِلَىَ اللهِ تَعالَىَ بِالصَّالحاتِ، وَبَادِروُا أَعْماركُمْ بما يُقَرِّبُكُمْ إِلَىَ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّماواتِ، واطْلُبوُا ما عِنْدَهُ مِنَ الخيْرِ؛ فَإِنَّهُ لا يُسْتَجْلَبُ ما عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِطاعَتِهِ وَتَقْواهُ، ثُمَّ اعْلَمُوا إِنَّهُ مِمَّا شاعَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ما يَتَعَلَّقُ بِفَضْلِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبانَ، وَقَدْ جاءَ فِيها جُمْلَةٌ مِنَ الْأَحادِيثِ لا يَصِحُّ مِنْها شَيْءٌ، وَلِهَذَا ذَهَبَ جَماهِيرُ الْعُلَماءِ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذِهِ الَّليْلَةِ فَضْلٌ، ذَهَبَ إِلَىَ ذَلكَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَديثًا، فَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبانَ كَسائِرِ لَيالِي الزَّمانِ لَيْسِ لهَا فَضْلٌ يَخُصُّها، وَلا لهَا مَزِيَّةٌ تُمَيِّزُها عَنْ غَيْرِها.

 

وَكَذَلِكَ ما وَرَدَ مِنْ مَشْرِوعِيَّةِ صِيامِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبانَ، أَوْ إِحْياءِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْهُ بِالْقِيامِ وَالتِّلاوَةِ وَالدُّعاءِ؛ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ .

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل:

﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ،

وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا،

وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

عباد الله: اذْكُرُوْا الْلَّهَ الْعَظِيْمَ الْجَلِيْلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ عَلَىَ وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ الْلَّهِ أَكْبَرُ وَالْلَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ.

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم الخطبة

عنوان الخطبة

معد الخطبة

تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

255

حقوق الإنسان في الإسلام

  قسم المشاريع

27/07/1447هـ  الموافق 16/01/2026م

الأمانة العامة

 

الموضوع: “حقوق الإنسان في الإسلام”

الحمد لله الذي كرّم الإنسان بالتوحيد والإيمان، وعلمه البيان، ومَيّزه بالعقل على سائر المخلوقات، فجعله يعيش بهدف سامٍ، وجَعَله مُفكِّراً، يَسمو بِفكره، ويُعمِل عقله؛ لذا قال الله -سبحانه-: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:70].

هذا التكريم الرباني هو في الأصل للأصل، أي لِجنس النوع الإنساني، إلا أن الإنسان بِنفسه يسمو بالإيمان، أو يَنحطّ بانعدامه.

فمن مقتضى تكريم الله الإنسان تحريم إهانته وإذلاله بغير حق، بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه أو بلده، فهذا حق كفله الإسلام لبني آدم كلهم.

وقد جَعَل الله له اختياراً، وأعطاه عقلاً، وأوضح له السَّبيل، وأبَان له الطريق: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:3].

ومِن عدل الله وحِكمته أن أرسل الرُّسُل، وأنْزَل الكُتب، وأقام البيّنات، ونَصَب الأدلّـة على وحدانيته.

عباد الله: إن قضية “حقوق الإنسان”، أشغلت العالم اليوم بجميع أممه ودوله ولا تزال، وهي قضية كبرى، ومسألة عظمى، جديرة بالبحث والدراسة والعناية والرعاية من وجهة النظر الشرعية الإسلامية، ذلك أنّ تسلط العالم الغربي واستبداده، فرض هيمنته الفكرية والإعلامية على كثير من دول العالم، مع ماخالطه من ظلم وتهميش للمسلمين.

ومن جهة أخرى فإن مبادئ “حقوق الإنسان” السائدة في العالم، قد أعدَّها وصاغها ساسة العالم الغربي، فهي من نتاج ثقافته وأفكاره، التي تقوم على أساس الحرية المطلقة -غير المنضبطة- في جميع ميادين الحياة.

 

الممعن في النظر لعالمنا اليوم يرى أنه عالم غارق في أوحال المادية، والذي أصبح في حاجة ماسة إلى من يُسمعه صوت السماء، وينقذه من الضياع، ويشق له الطريق إلى السلام الآمن من غير خوف، ضمن أسرة دولية إنسانية واحدة، جعلهم الله -سبحانه وتعالى- شعوباً وقبائل؛ ليتعارفوا، وليتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، كما قال -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:2]؛ لأن التعاون على الإثم والعدوان يمحو كل كرامة للإنسان.

 

فالمقصود بحقوق الإنسان الحقيقية: (تلك المبادئ والقوانين العامة التي اتفقت عليها الأديان والقوانين الدولية فيما يتعلق باحترام الإنسان في مجال عقيدته، وحريته، وثقافته، وفي مجال حقوق المرأة والطفل، والقضايا السياسية، وحرية التفكير… وهي حقوق كفلتها الشريعة الإسلامية، وجميع الأديان، والقوانين الدولية)، ويخرج منها ما خالف الشرع.

 

عباد الله: إن الإسلام اعتبر المرأة النصف الآخر للإنسان، فبوأها مكانة سامية، وأكرمها بنتاً، وزوجةً، وأماً؛ فأعطاها حق الحياة كالرجل، والتصرف بالملكية، وحق العمل الشريف الذي يحفظ كرامتها، والعودة الصحيحة إلى الشرع الحنيف والاستفادة منه في بعض القضايا والمعضلات التي تخص المرأة.

 

أيها المسلمون: هذا هو دينكم العظيم، دين العدل، دين الحرية، دين الكرامة، دين الحضارة، دين الانسانية؛ هذا دينكم الذي يحفظ للمواطن كرامته، وعقيدته، وماله، وعرضه، ويعطيه حقوقه، ويمنحه حرية الكلمة، ويشجعه على قول الحق والصدق.

 

هيَّا لنضع النقاط على الحروف بالتعريج المختصر عن أهم حقوق الإنسان في الإسلام وفاءً لعظمة الإسلام وكرامة للإنسان.

 

أولاً: حق الحياة: لقد كرم الله الإنسان على سائر مخلوقاته فقال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، وميزه على سائر مخلوقاته فسخر له السموات والأرض، قال -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [لقمان:20]، سخر ذلك وهيأه لقيام حياة كريمة للإنسان، تحفظ فيها حرمته وروحه، لا يعتدي على هذه الروح أحد بقتلها وإزهاقها؛ فحرم الإسلام القتل، واعتبره جريمة ضد الإنسانية كلها، وعدَّ إنقاذ النفس الإنسانية وحفظها من الهلاك والإزهاق نعمة على الإنسانية، فقال -تعالى-: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء:33]. وقال -سبحانه-: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:32]، ويعبر الرسول -ﷺ- عن ذلك المعنى أصدق تعبير، يقول: “لَزَوالُ الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم” رواه الترمذي بسند صحيح.

 

ومن حقوق الإنسان في الإسلام عدم الاعتداء عليه اعتداء معنويا، فيحرم تنقص الإنسان والوقوع في عرضه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُم﴾ [الحجرات:11].

 

ثانيا: حق الأمن: جاء الإسلام بالتأكيد على حقوق تكفل الحياة الكريمة والعيش في أمن وأمان، فلا يجوز التعرض له بالقتل، كما لا يجوز الاعتداء على جسده بالضرب، أو إتلاف جزء من أجزائه بالجرح أو القطع، كما حذر الإسلام من الاعتداء بأي شكل آخر من أشكال الاعتداء على المشاعر بالسب والشتم والاحتقار والتخويف والازدراء وظن السوء به ونحو ذلك، فأراد الإسلام للإنسان أن يمارس حقه في الحياة في أمن وطمأنينة؛ لذا قرر جملة من الأحكام والعقوبات التي تكفل للإنسان حماية من كل ضرر أو اعتداء عليه، ليتسنى له أن يمارس حقه في الحياة الحرة الآمنة، قال -تعالى-: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾[المائدة:45]، وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:178].

 

ثالثا: حق المسكن وحرمته: حفظ الإسلام للإنسان حق السكن، بل وكفل له الأمن في مسكنه؛ لأنه مأواه، ومكمن سره، ومكان راحته وطمأنينة نفسه.

 

فالسكن من الأمور الأساسية لضمان حياة كريمة، تبعده عن عوارض الكون، كحَرِّ الصيف وبرد الشتاء.

 

ضَمِن الإسلام هذا الحق لكل سكان الدولة الإسلامية من المسلمين وأهل الذمة، فكفل ذلك الحق لكل فرد من أهل الذمة، كما يكلفه تماماً لكل فرد من المسلمين.

 

فلا يجوز لأحد أن يدخل مسكناً إلا بإذن صاحبه، قال -تعالى-: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا…﴾ [النور:27]، وقال -ﷺ-: “إذا استأذن ثلاث مرات فإن أُذن له وإلَّا فليرجع” أخرجه البخاري، وقوله: “لو اطلع في بيتِكَ أحَدٌ ولم تأذن له فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك جناح” أخرجه البخاري.

 

رابعا: حق التعليم والتعلم: وقد كانت أولى آيات القرآن الكريم دعوة للقراءة والمعرفة، قال -تعالى-: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق:1-3]. كما قدر القرآن مكانة العلم والعلماء، قال -تعالى-: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:9].

 

وإننا لنرى في الإسلام منزلة الجهاد والمجاهدين، وكم حث الإسلام على الجهاد، إلا أنه جعل طلب العلم والتعليم مبرراً كافياً للتخلف عن الجهاد إذا لم يتعيّن، أي الجهاد، قال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:122]، فهو حق كفله الإسلام لأفراد الدولة، وحثهم على طلبه في شتى فروعه المختلفة، وعلومه المتنوعة، ما لم يكن ضاراً بالمجتمع، أو لم يترتب على اكتسابه مصلحة.

 

خامسا: حق العمل: كفل الإسلام الحق في العمل لكل فرد، وفي تولي الوظائف العامة في الدولة الإسلامية لجميع الأفراد الذين يعيشون في كنف هذه الدولة دونما تفرقة أو تمييز بينهم لأي اعتبار كان سوى اعتبار الكفاءة والاقتدار والنزاهة، ومؤدى ذلك أن لكل فرد الحق في العمل الذي يتفق مع قدراته وميوله.

 

ومن مظاهر حث الإسلام على العمل ما جاء في كتاب الله من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:15].

وقال -ﷺ-: “ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده” أخرجه البخاري.

وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام لم يكتف بكفالة حق العمل؛ بل حدد ووضع ضمانات لحماية هذا الحق، وتنظيم ممارسته وفقاً لمعايير عادلة وإنسانية.

 

ومن أمثلة هذه الضمانات: النهي عن اللجوء إلى السخرة وفرض العمل قسراً على أي فرد دون رغبة أو رضا، كما حث على إعطاء العامل أجره دون تأخر.

 

سادسا: حق التنقل وحرية السفر: التنقل حق للإنسان في داخل بلده، وكذلك السفر خارجه بحرية تامة دون عوائق تمنعه من هذا الحق، إلا إذا تعارض مع حق غيره أو حقوق الجماعة، فلا تقوم حياة إلا بالحركة، وهي وسيلة للعمل، والعمل وسيلة للكسب، والكسب وسيلةٌ للحياة، وقوام الحركة التنقل بالغدو والرواح.

 

فقد أقر الإسلام حرية التنقل مطلقة في المباحات، والسفر للتجارة والتكسب وغير ذلك؛ قال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:15]. وقد أوقع الإسلام أشد العقوبة بمن مس أمن وحرية الأفراد في التنقل بين أرجاء الدولة أو من دولة إلى أخرى، قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:33].

 

سابعا: حق التملك: عمد الإسلام إلى إقرار حق الفرد في التملك، والتملك يمثل النظام الذي قامت عليه حياة المجتمعات على تعدادها، واستقرت عليه نظمه الاقتصادية على اختلافها، فلا شبهة في تقرير هذا الحق الواضح الصريح في الإسلام، ولا شبهة كذلك في أنه قاعدة الحياة الإسلامية، قال -تعالى-: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) [النساء:32]. والإسلام لا يدع حق الملكية مطلقاً دون تقييد أو ضوابط؛ بل نظمه بطريقة تحقق مصلحة الفرد والجماعة، قال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:24-25]. كذلك أحاط الإسلام ملكية الفرد بسياج قوي من الحماية، وفرض عقوبات قاسية على كل معتد عليها أياً كانت صورة هذا الاعتداء.

 

ثامنا: الحق في حرية الاعتقاد: فالحق في حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية لكل أفراد المجتمع من الحقوق التي أقرها الإسلام، وتحقيقاً لهذا الحق رفع الإكراه عن الإنسان في عقيدته، قال -تعالى-: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة:256]. فالعقيدة الإسلامية سبيلها الأمثل الاقتناع، فهى لا تقبل الإكراه، والعقل هو الذي يقرر قبوله لها فترسخ في الفؤاد، وليس الإكراه من سبيل إليها، ولو كان الإسلام يعتمد العنف والقهر والإكراه لترسيخ عقيدته في النفوس فلن يكون هناك أقوى ولا أغلب ولا أقهر من الله -تعالى-، قال -تعالى-: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:99].

 

وعلى هذا المبدأ سار المسلمون في معاملتهم وحروبهم مع أهل الأديان الأخرى، فكانوا يبيحون لأهل البلد الذي يفتحونه أن يبقوا على دينهم مع أداء الجزية والطاعة للحكومة القائمة، وكانوا في مقابل ذلك يحمونهم ضد كل اعتداء، ويتركون عقائدهم وشعائرهم ومعابدهم، ففي حديث بريدة قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه فى خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: “اغزوا باسم الله، فى سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال -أو خلال-، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم” رواه مسلم.

 

تاسعا: حق التعبير عن الرأي: وهذا يدخل ضمن نطاق الحقوق والحريات الأساسية للإنسان في الإسلام الذي كان له فضل كبير في التأكيد على أهميتة، فلم تكتف الشريعة الإسلامية باعتبار إبداء الرأي والتعبير حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان، وإنما اعتبرته أيضاً أحد الواجبات الأساسية التي يتعين على الفرد المسلم الاطلاع بها، فالمسلم ملزم بذلك طالما اقتضى الأمر ذلك، فالساكت عن الحق -أي عن قول الحق- شيطان أخرس، كما حث الرسول -ﷺ- المسلمين على ممارسة حقهم في التعبير وفي إبداء الرأي وعدم التردد.

 

فقد أقر الإسلام هذا الحق في أوسع نطاق، لمنح كل فرد الحق في النظر والتفكير وإبداء رأيه بطرق سليمة وواضحة.

 

عاشرا: حق الضمان الاجتماعي: يقوم المجتمع الإسلامي أساساً على التضامن والإخاء، قال -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:2]، وقال -تعالى-: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:3]، وقال -ﷺ-: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” أخرجه البخاري.

 

ويتحقق الضمان الاجتماعي في شريعة الإسلام على كافة المستويات وشتى الصور، أولها تكافل الأسرة في النفقة والإرث والوصية.

قال -تعالى-: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:75، الأحزاب:6]، يأتي بعد هذا التعاون حق الجوار، قال -تعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُور﴾ [النساء:36]. وتتسع دائرة الضمان الاجتماعي إلى تعاون المجتمع بعضه مع بعض، وذلك عن طريق الصدقات الواجبة، قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:60]، وصدقات التطوع، قال -تعالى-: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:245].

 

الحادي عشر: حق التفكير في الظواهر العلمية (الكونية): فقد منح الإسلام الإنسان الحق في التفكير بحرية في ظواهر الكون من فلك وطبيعة وإنسان وحيوان ونبات، والأخذ بما يهديه إليه تفكيره، وما يقتنع بصحته من نظريات، فالإسلام لم يحاول مطلقاً أن يفرض نظرية علمية معينة بصدد أية ظاهرة من ظواهر الكون؛ بل حث على النظر في ظواهر الكون والتأمل فيها واستنباط قوانينها العامة؛ قال -تعالى-: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:17-20]، وقال -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:185].

 

الثاني عشر: الحق في احترام إنسانية الإنسان: وذلك فيما يتصل بالآداب الإنسانية في الحياة وبعد الممات، فقد روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: مرت جنازة فقام النبي -ﷺ-، وقمنا، فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال: “أوليست نفساً؟ إذا رأيتم الجنازة فقوموا”.

 

الثالث عشر: الحق في احترام العهود والمواثيق وعدم النكث بها: أوجب الإسلام على المسلمين أن يحترموا كل عهد وميثاق أبرموه مع أي طرف كان، وأن لا يعتدوا على قومٍ بينهم وبينهم ميثاق ما لم ينقضوا شيئاً منه أو يعينوا على المسلمين غيرهم، وقد ذكر الله ذلك في قوله -تعالى-: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:4]. ولقد ضرب خلفاء المسلمين وقادتهم أمثلة فريدة في الوفاء بالعهد تمتلئ بها كتب السير والتاريخ.

 

الرابع عشر:حق الجوار للمستجير: وحق الجوار للمستجير حفظه الإسلام وقرره، وإن كان المستجير كافراً؛ بل ومحارباً، فأوجب على المجير المؤمن التزامات قررها القرآن حيث قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:6]، فحق اللجوء الذي يعطى للمشرك إنما يعزز رسالة الأمة، ويظهر سماحة الدين، ويهيئ المناخ الصالح والفرص الملائمة لإبلاغه، وعليه؛ فهذه كلمات موجزة عن حقوق الإنسان في الإسلام، يظهر لنا من خلالها أن الإسلام هو أول من قرر المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان في أكمل صورة، وأوسع باب.

 

والإسلام حين أقر تلك الحقوق لم يغفل الجانب الغريزي في الإنسان من حب السيطرة والاستيلاء والاستزادة، فالناس جميعاً في نظر الإسلام أصحاب حقوق وحريات ما لم تصطدم بالخير، أو بحق الغير.

عِبَادَ اللَّهِ: قُلْتُ مَا قُلْتُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله الذي دبر الأنام بتدبيره القوي، وقدر الأحكام بتقديره الخفي، وهدى عباده إلى الرشاد، وأنطقهم بألسنة حداد، وجعل مصالح معاشهم بالعقول محوطة، ومناجح معادهم بالعلم منوطة، فضّل نبيه بالعلم تفضيلا، وأنزل عليه القرآن تنزيلا، صلى الله عليه وعلى آله كنوز الهدى، وعلى أصحابه بدور الدجى.

 

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل بدعة في النّار.

في الإسلام؛ الشريعة هي مصدر حقوق الإنسان، فالحقوق مأخوذة منها، سواء من نصوص خاصة أو من نصوص عامة أو من القواعد العامة للشريعة، فما تقرره فهو الحق، وما تنفيه فليس حقا وإن رآه الآدمي حقا.

 

فحقوق الإنسان عند بعض المجتمعات الوضعية نسبية تختلف من مكان ومكان، ومن زمان وزمان، فليست حقوقا ثابتة؛ بل متغيرة، بخلاف حقوق الإنسان في الإسلام.

 

بعض المجتمعات تستغل حقوق الإنسان لفرض ثقافتها على العالم، منتهكا خصوصية الدول التي ترجع لدين أو عرف أو غيره، وخصوصا ما يتعلق بالمرأة، فيريد أن يفرض نموذج المرأة عندهم على الدول تحت غطاء حقوق المرأة، بفرض الاختلاط، ونزع الحجاب، والحرية في المعاشرة مع من شاءت.

 

هرَبوا مِن الرِّقِّ الذي خُلِقُوا لَهُ *** وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ والشَّيْطانِ

لفظ المساواة لفظ يكثر سماعه، والأصل أن الآدميين يستوون في حقوق عامة أشرت إلى أهمها؛ لكنهم يختلفون بأعمالهم، فلذا لو سوي بينهم في كل شيء لحصل الظلم، فكيف يساوى العامل بالقاعد؟ كيف يساوى البر بالفاجر؟ كيف يساوى الذكر بالأنثى؟ فالصواب هو العدل بين الخلق، وليس المساواة، فيجب العدل، ويحرم الظلم، فيجازى الشخص على قدر عمله، وعلى قدر موافقته لربه.

 

وربنا يأمرنا بالعدل لا المساواة، فهذه قاعدة شرعية من أحكم الحاكمين:

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم:35-36]، ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة:100].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مشروع خطب الجمعة في إفريقيا
رقم الخطبة عنوان الخطبة معد الخطبة تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة المراجعة والنشر
254 تقسيم الميراث في الإسلام د. خالد سعد الشهري – جامعة الملك سعود  20/07/1447هـ  الموافق 09/01/2026م الأمانة العامة

 

الموضوع: “تقسيم الميراث في الإسلام”

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، تَوَلَّى قِسْمَةَ الْمَوَارِيثِ بِعِلْمِهِ، وَجَعَلَهَا مُحْكَمَةً بِحِكْمَتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، خَيْرُ مَنْ بَلَّغَ وَأَبَانَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ نَصَرَهُ وَآوَاهُ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ وَاتَّبَعَ هُدَاهُ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ – أَيُّهَا النَّاسُ- فَرَبُّكُمْ – جَلَّ وَعَلَا – أَحَقُّ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾[آلِ عِمْرَانَ: 102].

عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ شَرَعَ رَبُّكُمْ -جَلَّ وَعَلَا- أَحْكَامًا عَادِلَةً، تُزِيلُ أَسْبَابَ الظُّلْمِ وَالِاعْتِدَاءِ، وَتَحْفَظُ لِلْعِبَادِ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ، وَتُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَحْكَامِ وَآكَدِهَا، قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ، وَلِكَمَالِ عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ فَإِنَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- هُوَ الَّذِي تَوَلَّى قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَوْ تُرِكَ تَقْدِيرُ الْإِرْثِ إِلَى عُقُولِ النَّاسِ وَاخْتِيَارَاتِهِمْ، لَحَصَلَ مِنَ الضَّرَرِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ؛ وَذَلِكَ لِنَقْصِ الْعُقُولِ وَتَفَاوُتِهَا فِي تَقْدِيرِ الْأُمُورِ، فَقَدْ يَظُنُّ الْمَيِّتُ بِأَحَدِ وَرَثَتِهِ خَيْرًا؛ فَيُعْطِيهِ الْمَالَ كُلَّهُ، أَوْ يَظُنُّ بِهِ شَرًّا فَيَحْرِمُهُ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَالُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ﴾ [النِّسَاءِ: 11]، وَأَحْكَامُ الْمَوَارِيثِ لَيْسَتْ ظُلْمًا كَمَا يَظُنُّ الْجَاهِلُونَ، بَلْ هِيَ رَحْمَةٌ وَعَدْلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبٌ مَعْلُومٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ؛ وَحَدَّدَ اللَّهُ بِشَكْلٍ دَقِيقٍ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ مِنْ نَصِيبٍ، وَلَا يُسْمَحُ لِلْعَوَاطِفِ وَالْأَهْوَاءِ أَنْ تَتَدَخَّلَ فِي هَذَا الشَّأْنِ.

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَأَشْنَعِهِ، فِي مَسْأَلَةِ الْمِيرَاثِ، أَنْ تُحْرَمَ الْمَرْأَةُ مِنْ حَقِّهَا الَّذِي أَعْطَاهَا اللَّهُ وَبَيَّنَهُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ [النِّسَاءِ: 7]، وَمِنْ عَادَاتِ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يُوَرِّثُونَ الْبَنَاتِ وَيَجْحَدُونَ حُقُوقَهُنَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ مِنَ الْعَارِ أَنْ تُعْطَى الْمَرْأَةُ مِنْ أَرْضِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَإِذَا نُوقِشُوا فِي ذَلِكَ قَالُوا: نَخْشَى أَنْ تَذْهَبَ الْمَزَارِعُ وَنَحْوُهَا لِزَوْجِهَا وَأَبْنَائِهِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى!

وَهَذَا -وَلِلْأَسَفِ- لَازَالَ مَوْجُودًا عِنْدَ بَعْضِ الْقَبَائِلِ وَالْأَفْرَادِ، وَمِنَ الْعَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ مِنَ الْعَارِ أَنْ تُطَالِبَ الْمَرْأَةُ بِحَقِّهَا فِي الْمِيرَاثِ وَمَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُحْرَمُ مِنَ الصِّلَةِ وَالسَّلَامِ، وَتُقْطَعُ وَلَا تُزَارُ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الظُّلْمِ وَالْجَهْلِ الَّذِي جَاءَ الْإِسْلَامُ بِتَحْرِيمِهِ وَتَجْرِيمِهِ، وَهِيَ مِنْ عَادَاتِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَبَيَّنَ أَنَّ التَّقَالِيدَ سَبِيلُ الضَّلَالِ؛ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 104].

عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنَ الْأَخْطَاءِ الَّتِي تَحْصُلُ فِي هَذَا الزَّمَانِ هُوَ التَّأَخُّرُ فِي تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ، وَلَرُبَّمَا اسْتَمَرَّ الْأَمْرُ لِعِدَّةِ سَنَوَاتٍ، وَمِنَ الْأَسْبَابِ لِذَلِكَ -فِي مُعْظَمِ الْأَحْيَانِ- أَنَّ مِنَ الْوَرَثَةِ مَنْ يَسْعَى فِي تَأْخِيرِ الْقِسْمَةِ لِأَهْدَافِهِ وَمَصَالِحِهِ الْخَاصَّةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَقَدْ يَكُونُ هُوَ مُكْتَفِيًا

بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ، وَنَسِيَ أَنَّ مَعَهُ مِنَ الْوَرَثَةِ قُصَّرٌ أَوْ نِسَاءٌ لَا حَوْلَ لَهُنَّ وَلَا قُوَّةَ، وَفِي تَأَخُّرِ الْقِسْمَةِ إِلْحَاقُ ضَرَرٍ بِهَؤُلَاءِ، فَلْنَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءِ، وَلْيُعْطَ كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَلْنَحْذَرْ مِنْ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ؛ فَإِنَّ فِيهِ وَعِيدًا شَدِيدًا، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النِّسَاءِ: 10]، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ» حَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ، وَمَعْنَى «أُحَرِّجُ»؛ أَيْ: أُلْحِقُ الْحَرَجَ وَهُوَ الْإِثْمُ بِمَنْ ضَيَّعَ حَقَّهُمَا…فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مَنِ اسْتَوْلَى عَلَى مِيرَاثِ الْإِنَاثِ، وَأَغْرَاهُ ضَعْفُهُنَّ وَسُكُوتُهُنَّ، اتَّقِ اللَّهَ يَا مَنِ اسْتَوْلَى عَلَى مِيرَاثِ الْأَيَامَى وَالْيَتَامَى، وَغَرَّهُ صِغَرُهُمْ وَعَجْزُهُمْ وَانْقِطَاعُهُمْ، كَيْفَ طَابَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَسْتَوْلِيَ عَلَى الْمَالِ وَالْأَرْضِ وَالْعَقَارِ، وَتَتْرُكَ مَنْ مَعَكَ مِنْ أَهْلِ التَّرِكَةِ مِنْ إِخْوَانٍ وَأَخَوَاتٍ إِلَى الْفَقْرِ وَالْعَجْزِ وَالضَّيَاعِ؟!فَاحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ أَنْ تَبِيعَ دِيْنَكَ بِقِطْعَةِ أَرْضٍ أَوْ بِمَالٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْبَغْيِ، وَإِنَّ هَذَا مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَاسْمَعْ إِلَى مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

عِبَادَ اللَّهِ: قُلْتُ مَا قُلْتُ، إِنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَمِنْ نَفْسِي وَالشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، لَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَلِيلُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ﷺ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنَ التَّعَدِّي وَالظُّلْمِ وَمِنْ أَسْبَابِ النِّزَاعِ فِي مَسَائِلِ الْمِيرَاثِ أَنَّ بَعْضَ الْآبَاءِ يَهَبُ لِبَعْضِ أَبْنَائِهِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ يَهَبُ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَهَذَا ظُلْمٌ وَجَوْرٌ، وَأَمْرٌ لَا يَجُوزُ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: «أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ، قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَاتَّقُوا اللَّهَ -مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ- وَاحْذَرُوا أَنْ تُعْطُوا بَعْضَ الْأَبْنَاءِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنَّ هَذَا سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّشَاجُرِ وَالضَّغِينَةِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ، وَسَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ عُقُوقِ الْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ. هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَأَزْكَى الْبَشَرِيَّةِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمٍ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ الْآلِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ.اللَّهُمَّ انْصُرْ مَنْ نَصَرَ دِينَكَ، وَاحْفَظْ كُلَّ مَنْ

دَعَا إِلَى سُنَّةِ نَبِيِّكَ، وَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ أَنْعِمْ بِالْأَمْنِ وَالسَّلَامِ عَلَى جَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمَا لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمَا فِي رِضَاكَ، وَاجْعَلْهُمَا عِزًّا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ؛ ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 180 – 182].

 

مشاركة أعضاء اتحاد علماء إفريقيا في المؤتمر العالمي السابع عشر الذي ينظمه مجمع دار النعيم للعلوم الشرعية بنيجيريامشاركة أعضاء اتحاد علماء إفريقيا في المؤتمر العالمي السابع عشر  الذي ينظمه مجمع دار النعيم للعلوم الشرعية بنيجيريا

نظم مجمع دار النعيم للعلوم الشرعية بنيجيريا تحت رعاية داعية عصره الشيخ الدكتور عمران عبد المجيد إيليخا مؤتمره العالمي السابع عشر من نوعه ما بين المزيد…

مشاركة أعضاء اتحاد علماء إفريقيا في المؤتمر العالمي السابع عشر  الذي ينظمه مجمع دار النعيم للعلوم الشرعية بنيجيريا

نظم مجمع دار النعيم للعلوم الشرعية بنيجيريا تحت رعاية داعية عصره الشيخ الدكتور عمران عبد المجيد إيليخا مؤتمره العالمي السابع عشر من نوعه ما بين 31 ديسمبر 2025م إلى 2 يناير 2026م في فندق رادنسن، لاغوس، نيجيريا بعنوان: “فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة “.

وقد شارك في هذا المؤتمر العالمي عدد غفير من أعضاء اتحاد علماء إفريقيا في نيجيريا، وسائل العاج، وأغندا وغيرها…

 

ومن الأعضاء المشاركين البروفسور عبد الرزاق عبد المجيد ألارو، رئيس لجنة  البحوث والدراسات والترجمة ، والبروفيسور عبد الغني عبد الحميد أكوريدي، والبروفسور خضر عبد الباقي محمد، رئيس لجنة الإعلام والعلاقات العامة ، ونائب مفتي أوغندا، والدكتور سراج الدين بن بلال الأسرع، والدكتور أبوبكر ديالو من ساحل العاج، والدكتور نافع أحمد الجوهري مترجم موقع اللغة الإنجليزية لاتحاد علماء إفريقيا وغيرهم من الأكاديميين والوجهاء في المنطقة….

 

وقد تم المؤتمر بقراءة التوصيات التي ترمي إلى آراء تصلح وضع العقيدة الإسلامية في قارة إفريقيا.

 

إليكم لقطات من المؤتمر مع التحية والتقدير من مكتب الأمانة العامة، قسم الإعلام والمعلوماتية