مشروع خطب الجمعة في إفريقيا |
||||
رقم الخطبة |
عنوان الخطبة |
معد الخطبة |
تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة |
المراجعة والنشر |
255 |
حقوق الإنسان في الإسلام |
قسم المشاريع |
27/07/1447هـ الموافق 16/01/2026م |
الأمانة العامة |
الموضوع: “حقوق الإنسان في الإسلام”
الحمد لله الذي كرّم الإنسان بالتوحيد والإيمان، وعلمه البيان، ومَيّزه بالعقل على سائر المخلوقات، فجعله يعيش بهدف سامٍ، وجَعَله مُفكِّراً، يَسمو بِفكره، ويُعمِل عقله؛ لذا قال الله -سبحانه-: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:70].
هذا التكريم الرباني هو في الأصل للأصل، أي لِجنس النوع الإنساني، إلا أن الإنسان بِنفسه يسمو بالإيمان، أو يَنحطّ بانعدامه.
فمن مقتضى تكريم الله الإنسان تحريم إهانته وإذلاله بغير حق، بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه أو بلده، فهذا حق كفله الإسلام لبني آدم كلهم.
وقد جَعَل الله له اختياراً، وأعطاه عقلاً، وأوضح له السَّبيل، وأبَان له الطريق: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:3].
ومِن عدل الله وحِكمته أن أرسل الرُّسُل، وأنْزَل الكُتب، وأقام البيّنات، ونَصَب الأدلّـة على وحدانيته.
عباد الله: إن قضية “حقوق الإنسان”، أشغلت العالم اليوم بجميع أممه ودوله ولا تزال، وهي قضية كبرى، ومسألة عظمى، جديرة بالبحث والدراسة والعناية والرعاية من وجهة النظر الشرعية الإسلامية، ذلك أنّ تسلط العالم الغربي واستبداده، فرض هيمنته الفكرية والإعلامية على كثير من دول العالم، مع ماخالطه من ظلم وتهميش للمسلمين.
ومن جهة أخرى فإن مبادئ “حقوق الإنسان” السائدة في العالم، قد أعدَّها وصاغها ساسة العالم الغربي، فهي من نتاج ثقافته وأفكاره، التي تقوم على أساس الحرية المطلقة -غير المنضبطة- في جميع ميادين الحياة.
الممعن في النظر لعالمنا اليوم يرى أنه عالم غارق في أوحال المادية، والذي أصبح في حاجة ماسة إلى من يُسمعه صوت السماء، وينقذه من الضياع، ويشق له الطريق إلى السلام الآمن من غير خوف، ضمن أسرة دولية إنسانية واحدة، جعلهم الله -سبحانه وتعالى- شعوباً وقبائل؛ ليتعارفوا، وليتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، كما قال -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:2]؛ لأن التعاون على الإثم والعدوان يمحو كل كرامة للإنسان.
فالمقصود بحقوق الإنسان الحقيقية: (تلك المبادئ والقوانين العامة التي اتفقت عليها الأديان والقوانين الدولية فيما يتعلق باحترام الإنسان في مجال عقيدته، وحريته، وثقافته، وفي مجال حقوق المرأة والطفل، والقضايا السياسية، وحرية التفكير… وهي حقوق كفلتها الشريعة الإسلامية، وجميع الأديان، والقوانين الدولية)، ويخرج منها ما خالف الشرع.
عباد الله: إن الإسلام اعتبر المرأة النصف الآخر للإنسان، فبوأها مكانة سامية، وأكرمها بنتاً، وزوجةً، وأماً؛ فأعطاها حق الحياة كالرجل، والتصرف بالملكية، وحق العمل الشريف الذي يحفظ كرامتها، والعودة الصحيحة إلى الشرع الحنيف والاستفادة منه في بعض القضايا والمعضلات التي تخص المرأة.
أيها المسلمون: هذا هو دينكم العظيم، دين العدل، دين الحرية، دين الكرامة، دين الحضارة، دين الانسانية؛ هذا دينكم الذي يحفظ للمواطن كرامته، وعقيدته، وماله، وعرضه، ويعطيه حقوقه، ويمنحه حرية الكلمة، ويشجعه على قول الحق والصدق.
هيَّا لنضع النقاط على الحروف بالتعريج المختصر عن أهم حقوق الإنسان في الإسلام وفاءً لعظمة الإسلام وكرامة للإنسان.
أولاً: حق الحياة: لقد كرم الله الإنسان على سائر مخلوقاته فقال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، وميزه على سائر مخلوقاته فسخر له السموات والأرض، قال -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [لقمان:20]، سخر ذلك وهيأه لقيام حياة كريمة للإنسان، تحفظ فيها حرمته وروحه، لا يعتدي على هذه الروح أحد بقتلها وإزهاقها؛ فحرم الإسلام القتل، واعتبره جريمة ضد الإنسانية كلها، وعدَّ إنقاذ النفس الإنسانية وحفظها من الهلاك والإزهاق نعمة على الإنسانية، فقال -تعالى-: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء:33]. وقال -سبحانه-: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:32]، ويعبر الرسول -ﷺ- عن ذلك المعنى أصدق تعبير، يقول: “لَزَوالُ الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم” رواه الترمذي بسند صحيح.
ومن حقوق الإنسان في الإسلام عدم الاعتداء عليه اعتداء معنويا، فيحرم تنقص الإنسان والوقوع في عرضه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُم﴾ [الحجرات:11].
ثانيا: حق الأمن: جاء الإسلام بالتأكيد على حقوق تكفل الحياة الكريمة والعيش في أمن وأمان، فلا يجوز التعرض له بالقتل، كما لا يجوز الاعتداء على جسده بالضرب، أو إتلاف جزء من أجزائه بالجرح أو القطع، كما حذر الإسلام من الاعتداء بأي شكل آخر من أشكال الاعتداء على المشاعر بالسب والشتم والاحتقار والتخويف والازدراء وظن السوء به ونحو ذلك، فأراد الإسلام للإنسان أن يمارس حقه في الحياة في أمن وطمأنينة؛ لذا قرر جملة من الأحكام والعقوبات التي تكفل للإنسان حماية من كل ضرر أو اعتداء عليه، ليتسنى له أن يمارس حقه في الحياة الحرة الآمنة، قال -تعالى-: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾[المائدة:45]، وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:178].
ثالثا: حق المسكن وحرمته: حفظ الإسلام للإنسان حق السكن، بل وكفل له الأمن في مسكنه؛ لأنه مأواه، ومكمن سره، ومكان راحته وطمأنينة نفسه.
فالسكن من الأمور الأساسية لضمان حياة كريمة، تبعده عن عوارض الكون، كحَرِّ الصيف وبرد الشتاء.
ضَمِن الإسلام هذا الحق لكل سكان الدولة الإسلامية من المسلمين وأهل الذمة، فكفل ذلك الحق لكل فرد من أهل الذمة، كما يكلفه تماماً لكل فرد من المسلمين.
فلا يجوز لأحد أن يدخل مسكناً إلا بإذن صاحبه، قال -تعالى-: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا…﴾ [النور:27]، وقال -ﷺ-: “إذا استأذن ثلاث مرات فإن أُذن له وإلَّا فليرجع” أخرجه البخاري، وقوله: “لو اطلع في بيتِكَ أحَدٌ ولم تأذن له فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك جناح” أخرجه البخاري.
رابعا: حق التعليم والتعلم: وقد كانت أولى آيات القرآن الكريم دعوة للقراءة والمعرفة، قال -تعالى-: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق:1-3]. كما قدر القرآن مكانة العلم والعلماء، قال -تعالى-: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:9].
وإننا لنرى في الإسلام منزلة الجهاد والمجاهدين، وكم حث الإسلام على الجهاد، إلا أنه جعل طلب العلم والتعليم مبرراً كافياً للتخلف عن الجهاد إذا لم يتعيّن، أي الجهاد، قال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:122]، فهو حق كفله الإسلام لأفراد الدولة، وحثهم على طلبه في شتى فروعه المختلفة، وعلومه المتنوعة، ما لم يكن ضاراً بالمجتمع، أو لم يترتب على اكتسابه مصلحة.
خامسا: حق العمل: كفل الإسلام الحق في العمل لكل فرد، وفي تولي الوظائف العامة في الدولة الإسلامية لجميع الأفراد الذين يعيشون في كنف هذه الدولة دونما تفرقة أو تمييز بينهم لأي اعتبار كان سوى اعتبار الكفاءة والاقتدار والنزاهة، ومؤدى ذلك أن لكل فرد الحق في العمل الذي يتفق مع قدراته وميوله.
ومن مظاهر حث الإسلام على العمل ما جاء في كتاب الله من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:15].
وقال -ﷺ-: “ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده” أخرجه البخاري.
وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام لم يكتف بكفالة حق العمل؛ بل حدد ووضع ضمانات لحماية هذا الحق، وتنظيم ممارسته وفقاً لمعايير عادلة وإنسانية.
ومن أمثلة هذه الضمانات: النهي عن اللجوء إلى السخرة وفرض العمل قسراً على أي فرد دون رغبة أو رضا، كما حث على إعطاء العامل أجره دون تأخر.
سادسا: حق التنقل وحرية السفر: التنقل حق للإنسان في داخل بلده، وكذلك السفر خارجه بحرية تامة دون عوائق تمنعه من هذا الحق، إلا إذا تعارض مع حق غيره أو حقوق الجماعة، فلا تقوم حياة إلا بالحركة، وهي وسيلة للعمل، والعمل وسيلة للكسب، والكسب وسيلةٌ للحياة، وقوام الحركة التنقل بالغدو والرواح.
فقد أقر الإسلام حرية التنقل مطلقة في المباحات، والسفر للتجارة والتكسب وغير ذلك؛ قال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:15]. وقد أوقع الإسلام أشد العقوبة بمن مس أمن وحرية الأفراد في التنقل بين أرجاء الدولة أو من دولة إلى أخرى، قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:33].
سابعا: حق التملك: عمد الإسلام إلى إقرار حق الفرد في التملك، والتملك يمثل النظام الذي قامت عليه حياة المجتمعات على تعدادها، واستقرت عليه نظمه الاقتصادية على اختلافها، فلا شبهة في تقرير هذا الحق الواضح الصريح في الإسلام، ولا شبهة كذلك في أنه قاعدة الحياة الإسلامية، قال -تعالى-: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) [النساء:32]. والإسلام لا يدع حق الملكية مطلقاً دون تقييد أو ضوابط؛ بل نظمه بطريقة تحقق مصلحة الفرد والجماعة، قال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:24-25]. كذلك أحاط الإسلام ملكية الفرد بسياج قوي من الحماية، وفرض عقوبات قاسية على كل معتد عليها أياً كانت صورة هذا الاعتداء.
ثامنا: الحق في حرية الاعتقاد: فالحق في حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية لكل أفراد المجتمع من الحقوق التي أقرها الإسلام، وتحقيقاً لهذا الحق رفع الإكراه عن الإنسان في عقيدته، قال -تعالى-: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة:256]. فالعقيدة الإسلامية سبيلها الأمثل الاقتناع، فهى لا تقبل الإكراه، والعقل هو الذي يقرر قبوله لها فترسخ في الفؤاد، وليس الإكراه من سبيل إليها، ولو كان الإسلام يعتمد العنف والقهر والإكراه لترسيخ عقيدته في النفوس فلن يكون هناك أقوى ولا أغلب ولا أقهر من الله -تعالى-، قال -تعالى-: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:99].
وعلى هذا المبدأ سار المسلمون في معاملتهم وحروبهم مع أهل الأديان الأخرى، فكانوا يبيحون لأهل البلد الذي يفتحونه أن يبقوا على دينهم مع أداء الجزية والطاعة للحكومة القائمة، وكانوا في مقابل ذلك يحمونهم ضد كل اعتداء، ويتركون عقائدهم وشعائرهم ومعابدهم، ففي حديث بريدة قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه فى خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: “اغزوا باسم الله، فى سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال -أو خلال-، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم” رواه مسلم.
تاسعا: حق التعبير عن الرأي: وهذا يدخل ضمن نطاق الحقوق والحريات الأساسية للإنسان في الإسلام الذي كان له فضل كبير في التأكيد على أهميتة، فلم تكتف الشريعة الإسلامية باعتبار إبداء الرأي والتعبير حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان، وإنما اعتبرته أيضاً أحد الواجبات الأساسية التي يتعين على الفرد المسلم الاطلاع بها، فالمسلم ملزم بذلك طالما اقتضى الأمر ذلك، فالساكت عن الحق -أي عن قول الحق- شيطان أخرس، كما حث الرسول -ﷺ- المسلمين على ممارسة حقهم في التعبير وفي إبداء الرأي وعدم التردد.
فقد أقر الإسلام هذا الحق في أوسع نطاق، لمنح كل فرد الحق في النظر والتفكير وإبداء رأيه بطرق سليمة وواضحة.
عاشرا: حق الضمان الاجتماعي: يقوم المجتمع الإسلامي أساساً على التضامن والإخاء، قال -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:2]، وقال -تعالى-: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:3]، وقال -ﷺ-: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” أخرجه البخاري.
ويتحقق الضمان الاجتماعي في شريعة الإسلام على كافة المستويات وشتى الصور، أولها تكافل الأسرة في النفقة والإرث والوصية.
قال -تعالى-: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:75، الأحزاب:6]، يأتي بعد هذا التعاون حق الجوار، قال -تعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُور﴾ [النساء:36]. وتتسع دائرة الضمان الاجتماعي إلى تعاون المجتمع بعضه مع بعض، وذلك عن طريق الصدقات الواجبة، قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:60]، وصدقات التطوع، قال -تعالى-: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:245].
الحادي عشر: حق التفكير في الظواهر العلمية (الكونية): فقد منح الإسلام الإنسان الحق في التفكير بحرية في ظواهر الكون من فلك وطبيعة وإنسان وحيوان ونبات، والأخذ بما يهديه إليه تفكيره، وما يقتنع بصحته من نظريات، فالإسلام لم يحاول مطلقاً أن يفرض نظرية علمية معينة بصدد أية ظاهرة من ظواهر الكون؛ بل حث على النظر في ظواهر الكون والتأمل فيها واستنباط قوانينها العامة؛ قال -تعالى-: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:17-20]، وقال -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:185].
الثاني عشر: الحق في احترام إنسانية الإنسان: وذلك فيما يتصل بالآداب الإنسانية في الحياة وبعد الممات، فقد روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: مرت جنازة فقام النبي -ﷺ-، وقمنا، فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال: “أوليست نفساً؟ إذا رأيتم الجنازة فقوموا”.
الثالث عشر: الحق في احترام العهود والمواثيق وعدم النكث بها: أوجب الإسلام على المسلمين أن يحترموا كل عهد وميثاق أبرموه مع أي طرف كان، وأن لا يعتدوا على قومٍ بينهم وبينهم ميثاق ما لم ينقضوا شيئاً منه أو يعينوا على المسلمين غيرهم، وقد ذكر الله ذلك في قوله -تعالى-: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:4]. ولقد ضرب خلفاء المسلمين وقادتهم أمثلة فريدة في الوفاء بالعهد تمتلئ بها كتب السير والتاريخ.
الرابع عشر:حق الجوار للمستجير: وحق الجوار للمستجير حفظه الإسلام وقرره، وإن كان المستجير كافراً؛ بل ومحارباً، فأوجب على المجير المؤمن التزامات قررها القرآن حيث قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:6]، فحق اللجوء الذي يعطى للمشرك إنما يعزز رسالة الأمة، ويظهر سماحة الدين، ويهيئ المناخ الصالح والفرص الملائمة لإبلاغه، وعليه؛ فهذه كلمات موجزة عن حقوق الإنسان في الإسلام، يظهر لنا من خلالها أن الإسلام هو أول من قرر المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان في أكمل صورة، وأوسع باب.
والإسلام حين أقر تلك الحقوق لم يغفل الجانب الغريزي في الإنسان من حب السيطرة والاستيلاء والاستزادة، فالناس جميعاً في نظر الإسلام أصحاب حقوق وحريات ما لم تصطدم بالخير، أو بحق الغير.
عِبَادَ اللَّهِ: قُلْتُ مَا قُلْتُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي دبر الأنام بتدبيره القوي، وقدر الأحكام بتقديره الخفي، وهدى عباده إلى الرشاد، وأنطقهم بألسنة حداد، وجعل مصالح معاشهم بالعقول محوطة، ومناجح معادهم بالعلم منوطة، فضّل نبيه بالعلم تفضيلا، وأنزل عليه القرآن تنزيلا، صلى الله عليه وعلى آله كنوز الهدى، وعلى أصحابه بدور الدجى.
أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل بدعة في النّار.
في الإسلام؛ الشريعة هي مصدر حقوق الإنسان، فالحقوق مأخوذة منها، سواء من نصوص خاصة أو من نصوص عامة أو من القواعد العامة للشريعة، فما تقرره فهو الحق، وما تنفيه فليس حقا وإن رآه الآدمي حقا.
فحقوق الإنسان عند بعض المجتمعات الوضعية نسبية تختلف من مكان ومكان، ومن زمان وزمان، فليست حقوقا ثابتة؛ بل متغيرة، بخلاف حقوق الإنسان في الإسلام.
بعض المجتمعات تستغل حقوق الإنسان لفرض ثقافتها على العالم، منتهكا خصوصية الدول التي ترجع لدين أو عرف أو غيره، وخصوصا ما يتعلق بالمرأة، فيريد أن يفرض نموذج المرأة عندهم على الدول تحت غطاء حقوق المرأة، بفرض الاختلاط، ونزع الحجاب، والحرية في المعاشرة مع من شاءت.
هرَبوا مِن الرِّقِّ الذي خُلِقُوا لَهُ *** وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ والشَّيْطانِ
لفظ المساواة لفظ يكثر سماعه، والأصل أن الآدميين يستوون في حقوق عامة أشرت إلى أهمها؛ لكنهم يختلفون بأعمالهم، فلذا لو سوي بينهم في كل شيء لحصل الظلم، فكيف يساوى العامل بالقاعد؟ كيف يساوى البر بالفاجر؟ كيف يساوى الذكر بالأنثى؟ فالصواب هو العدل بين الخلق، وليس المساواة، فيجب العدل، ويحرم الظلم، فيجازى الشخص على قدر عمله، وعلى قدر موافقته لربه.
وربنا يأمرنا بالعدل لا المساواة، فهذه قاعدة شرعية من أحكم الحاكمين:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم:35-36]، ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة:100].
| مشروع خطب الجمعة في إفريقيا | ||||
| رقم الخطبة | عنوان الخطبة | معد الخطبة | تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة | المراجعة والنشر |
| 254 | تقسيم الميراث في الإسلام | د. خالد سعد الشهري – جامعة الملك سعود | 20/07/1447هـ الموافق 09/01/2026م | الأمانة العامة |
الموضوع: “تقسيم الميراث في الإسلام”
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، تَوَلَّى قِسْمَةَ الْمَوَارِيثِ بِعِلْمِهِ، وَجَعَلَهَا مُحْكَمَةً بِحِكْمَتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، خَيْرُ مَنْ بَلَّغَ وَأَبَانَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ نَصَرَهُ وَآوَاهُ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ وَاتَّبَعَ هُدَاهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ – أَيُّهَا النَّاسُ- فَرَبُّكُمْ – جَلَّ وَعَلَا – أَحَقُّ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾[آلِ عِمْرَانَ: 102].
عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ شَرَعَ رَبُّكُمْ -جَلَّ وَعَلَا- أَحْكَامًا عَادِلَةً، تُزِيلُ أَسْبَابَ الظُّلْمِ وَالِاعْتِدَاءِ، وَتَحْفَظُ لِلْعِبَادِ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ، وَتُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَحْكَامِ وَآكَدِهَا، قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ، وَلِكَمَالِ عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ فَإِنَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- هُوَ الَّذِي تَوَلَّى قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَوْ تُرِكَ تَقْدِيرُ الْإِرْثِ إِلَى عُقُولِ النَّاسِ وَاخْتِيَارَاتِهِمْ، لَحَصَلَ مِنَ الضَّرَرِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ؛ وَذَلِكَ لِنَقْصِ الْعُقُولِ وَتَفَاوُتِهَا فِي تَقْدِيرِ الْأُمُورِ، فَقَدْ يَظُنُّ الْمَيِّتُ بِأَحَدِ وَرَثَتِهِ خَيْرًا؛ فَيُعْطِيهِ الْمَالَ كُلَّهُ، أَوْ يَظُنُّ بِهِ شَرًّا فَيَحْرِمُهُ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَالُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ﴾ [النِّسَاءِ: 11]، وَأَحْكَامُ الْمَوَارِيثِ لَيْسَتْ ظُلْمًا كَمَا يَظُنُّ الْجَاهِلُونَ، بَلْ هِيَ رَحْمَةٌ وَعَدْلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبٌ مَعْلُومٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ؛ وَحَدَّدَ اللَّهُ بِشَكْلٍ دَقِيقٍ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ مِنْ نَصِيبٍ، وَلَا يُسْمَحُ لِلْعَوَاطِفِ وَالْأَهْوَاءِ أَنْ تَتَدَخَّلَ فِي هَذَا الشَّأْنِ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَأَشْنَعِهِ، فِي مَسْأَلَةِ الْمِيرَاثِ، أَنْ تُحْرَمَ الْمَرْأَةُ مِنْ حَقِّهَا الَّذِي أَعْطَاهَا اللَّهُ وَبَيَّنَهُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ [النِّسَاءِ: 7]، وَمِنْ عَادَاتِ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يُوَرِّثُونَ الْبَنَاتِ وَيَجْحَدُونَ حُقُوقَهُنَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ مِنَ الْعَارِ أَنْ تُعْطَى الْمَرْأَةُ مِنْ أَرْضِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَإِذَا نُوقِشُوا فِي ذَلِكَ قَالُوا: نَخْشَى أَنْ تَذْهَبَ الْمَزَارِعُ وَنَحْوُهَا لِزَوْجِهَا وَأَبْنَائِهِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى!
وَهَذَا -وَلِلْأَسَفِ- لَازَالَ مَوْجُودًا عِنْدَ بَعْضِ الْقَبَائِلِ وَالْأَفْرَادِ، وَمِنَ الْعَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ مِنَ الْعَارِ أَنْ تُطَالِبَ الْمَرْأَةُ بِحَقِّهَا فِي الْمِيرَاثِ وَمَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُحْرَمُ مِنَ الصِّلَةِ وَالسَّلَامِ، وَتُقْطَعُ وَلَا تُزَارُ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الظُّلْمِ وَالْجَهْلِ الَّذِي جَاءَ الْإِسْلَامُ بِتَحْرِيمِهِ وَتَجْرِيمِهِ، وَهِيَ مِنْ عَادَاتِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَبَيَّنَ أَنَّ التَّقَالِيدَ سَبِيلُ الضَّلَالِ؛ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 104].
عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنَ الْأَخْطَاءِ الَّتِي تَحْصُلُ فِي هَذَا الزَّمَانِ هُوَ التَّأَخُّرُ فِي تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ، وَلَرُبَّمَا اسْتَمَرَّ الْأَمْرُ لِعِدَّةِ سَنَوَاتٍ، وَمِنَ الْأَسْبَابِ لِذَلِكَ -فِي مُعْظَمِ الْأَحْيَانِ- أَنَّ مِنَ الْوَرَثَةِ مَنْ يَسْعَى فِي تَأْخِيرِ الْقِسْمَةِ لِأَهْدَافِهِ وَمَصَالِحِهِ الْخَاصَّةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَقَدْ يَكُونُ هُوَ مُكْتَفِيًا
بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ، وَنَسِيَ أَنَّ مَعَهُ مِنَ الْوَرَثَةِ قُصَّرٌ أَوْ نِسَاءٌ لَا حَوْلَ لَهُنَّ وَلَا قُوَّةَ، وَفِي تَأَخُّرِ الْقِسْمَةِ إِلْحَاقُ ضَرَرٍ بِهَؤُلَاءِ، فَلْنَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءِ، وَلْيُعْطَ كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَلْنَحْذَرْ مِنْ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ؛ فَإِنَّ فِيهِ وَعِيدًا شَدِيدًا، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النِّسَاءِ: 10]، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ» حَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ، وَمَعْنَى «أُحَرِّجُ»؛ أَيْ: أُلْحِقُ الْحَرَجَ وَهُوَ الْإِثْمُ بِمَنْ ضَيَّعَ حَقَّهُمَا…فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مَنِ اسْتَوْلَى عَلَى مِيرَاثِ الْإِنَاثِ، وَأَغْرَاهُ ضَعْفُهُنَّ وَسُكُوتُهُنَّ، اتَّقِ اللَّهَ يَا مَنِ اسْتَوْلَى عَلَى مِيرَاثِ الْأَيَامَى وَالْيَتَامَى، وَغَرَّهُ صِغَرُهُمْ وَعَجْزُهُمْ وَانْقِطَاعُهُمْ، كَيْفَ طَابَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَسْتَوْلِيَ عَلَى الْمَالِ وَالْأَرْضِ وَالْعَقَارِ، وَتَتْرُكَ مَنْ مَعَكَ مِنْ أَهْلِ التَّرِكَةِ مِنْ إِخْوَانٍ وَأَخَوَاتٍ إِلَى الْفَقْرِ وَالْعَجْزِ وَالضَّيَاعِ؟!فَاحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ أَنْ تَبِيعَ دِيْنَكَ بِقِطْعَةِ أَرْضٍ أَوْ بِمَالٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْبَغْيِ، وَإِنَّ هَذَا مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَاسْمَعْ إِلَى مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
عِبَادَ اللَّهِ: قُلْتُ مَا قُلْتُ، إِنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَمِنْ نَفْسِي وَالشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، لَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَلِيلُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ﷺ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنَ التَّعَدِّي وَالظُّلْمِ وَمِنْ أَسْبَابِ النِّزَاعِ فِي مَسَائِلِ الْمِيرَاثِ أَنَّ بَعْضَ الْآبَاءِ يَهَبُ لِبَعْضِ أَبْنَائِهِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ يَهَبُ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَهَذَا ظُلْمٌ وَجَوْرٌ، وَأَمْرٌ لَا يَجُوزُ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: «أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ، قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَاتَّقُوا اللَّهَ -مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ- وَاحْذَرُوا أَنْ تُعْطُوا بَعْضَ الْأَبْنَاءِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنَّ هَذَا سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّشَاجُرِ وَالضَّغِينَةِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ، وَسَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ عُقُوقِ الْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ. هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَأَزْكَى الْبَشَرِيَّةِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمٍ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ الْآلِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ.اللَّهُمَّ انْصُرْ مَنْ نَصَرَ دِينَكَ، وَاحْفَظْ كُلَّ مَنْ
دَعَا إِلَى سُنَّةِ نَبِيِّكَ، وَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ أَنْعِمْ بِالْأَمْنِ وَالسَّلَامِ عَلَى جَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمَا لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمَا فِي رِضَاكَ، وَاجْعَلْهُمَا عِزًّا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ؛ ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 180 – 182].
مشاركة أعضاء اتحاد علماء إفريقيا في المؤتمر العالمي السابع عشر الذي ينظمه مجمع دار النعيم للعلوم الشرعية بنيجيريا
نظم مجمع دار النعيم للعلوم الشرعية بنيجيريا تحت رعاية داعية عصره الشيخ الدكتور عمران عبد المجيد إيليخا مؤتمره العالمي السابع عشر من نوعه ما بين المزيد…
مشاركة أعضاء اتحاد علماء إفريقيا في المؤتمر العالمي السابع عشر الذي ينظمه مجمع دار النعيم للعلوم الشرعية بنيجيريا
نظم مجمع دار النعيم للعلوم الشرعية بنيجيريا تحت رعاية داعية عصره الشيخ الدكتور عمران عبد المجيد إيليخا مؤتمره العالمي السابع عشر من نوعه ما بين 31 ديسمبر 2025م إلى 2 يناير 2026م في فندق رادنسن، لاغوس، نيجيريا بعنوان: “فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة “.
وقد شارك في هذا المؤتمر العالمي عدد غفير من أعضاء اتحاد علماء إفريقيا في نيجيريا، وسائل العاج، وأغندا وغيرها…
ومن الأعضاء المشاركين البروفسور عبد الرزاق عبد المجيد ألارو، رئيس لجنة البحوث والدراسات والترجمة ، والبروفيسور عبد الغني عبد الحميد أكوريدي، والبروفسور خضر عبد الباقي محمد، رئيس لجنة الإعلام والعلاقات العامة ، ونائب مفتي أوغندا، والدكتور سراج الدين بن بلال الأسرع، والدكتور أبوبكر ديالو من ساحل العاج، والدكتور نافع أحمد الجوهري مترجم موقع اللغة الإنجليزية لاتحاد علماء إفريقيا وغيرهم من الأكاديميين والوجهاء في المنطقة….
وقد تم المؤتمر بقراءة التوصيات التي ترمي إلى آراء تصلح وضع العقيدة الإسلامية في قارة إفريقيا.
إليكم لقطات من المؤتمر مع التحية والتقدير من مكتب الأمانة العامة، قسم الإعلام والمعلوماتية
الأمين العام لاتحاد علماء إفريقيا يشارك في حفل تخريج الدفعة السابعة من الأئمة المتدربين في المغرب برئاسة معالي وزير الشؤون الدينية والعبادة والعادات في مالي.
شارك الأمين العام لاتحاد علماء إفريقيا الدكتور سعيد محمد بابا سيلا في حفل تخريج الدفعة السابعة من الأئمة والمرشدين الدينيين المتدربين في معهد الملك محمد السادس بالرباط، المملكة المغربية، وذلك في قاعة المؤتمرات بقصر مايفا المزيد…
الأمين العام لاتحاد علماء إفريقيا يشارك في حفل تخريج الدفعة السابعة من الأئمة المتدربين في المغرب برئاسة معالي وزير الشؤون الدينية والعبادة والعادات في مالي.
شارك الأمين العام لاتحاد علماء إفريقيا الدكتور سعيد محمد بابا سيلا في حفل تخريج الدفعة السابعة من الأئمة والمرشدين الدينيين المتدربين في معهد الملك محمد السادس بالرباط، المملكة المغربية، وذلك في قاعة المؤتمرات بقصر مايفا، وذلك يوم السبت الموافق 3 يناير 2026،
برئاسة معالي وزير الشؤون الدينية والعبادة والعادات في مالي الدكتور ماحامادو كوني.
وقد حضر هذا الحفل إلى جانب معالي الوزير والأمين العام، عدد كبير من الشخصيات الدينية والسياسية والتقليدية، منهم: السيد عثمان مدان حيدرا رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في مالي وسعادة سفير المملكة المغربية لدى مالي؛ ورئيس منظمة الماليين المتخرجين من معهد الملك محمد السادس؛ وممثل الوفد الخاص للبلدية الرابعة.
كما حضر بعض الأعضاء في بلد المقر.
واختُتم الحفل بتسليم الشهادات الرسمية للأئمة الخريجين.
كما مُنحت شهادات تقدير لكل من: الفريق أول أسيمي غويتا، رئيس المرحلة الانتقالية ورئيس الدولة، ورئيس الوزراء اللواء عبد الله مايغا، ووزير الشؤون الدينية؛ ومدير معهد الملك محمد السادس.
&n
مشروع خطب الجمعة في إفريقيا |
||||
رقم الخطبة |
عنوان الخطبة |
معد الخطبة |
تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة |
المراجعة والنشر |
253 |
الإخلاص أصل الدين وروح العمل |
الدكتور عثمان صالح تروري – عضو في مالي |
13/07/1447هـ الموافق 02/01/2026م |
الأمانة العامة |
الموضوع: الإخلاص أصل الدين وروح العمل
الحمد لله عالم الخفيات، المطلع على السرائر والنيات، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السموات ، أحمده سبحانه أن هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأسأله أن يجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث أسوة للمخلصين، وكان على أمته في شأن الرياء من الخائفين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً إلى يوم الوقوف بين يدي رب العالمين.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى ربكم ، وأخلصوا له أعمالكم وأقوالكم ونياتكم يبارك لكم فيها ويحميكم من تسلط الشيطان ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ الأنفال: 29
أيها المؤمنون: اعلموا إن غنى العبد بطاعة ربه والإقبال عليه، وإخلاص الأعمال لله تعالى أصل الدين وتاج العمل وهو عنوان الوقار وسمو الهمة ورجحان العقل وطريق السعادة، ولا يتم أمر ولا تحصل بركة إلا بصلاح القصد والنية، ولذا وذاك ققد أمر الله نبيه ﷺ بالإخلاص في أكثر من آية قال تعالى ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ الزمر: قال تعالى ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ الزمر: 14 قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ الأنعام: 162 – 163
فالإخلاص أيها المؤمنون: له شأن عظيم وهو مطلب نفيس في جميع ما يفعله المؤمن ومن طريقه يأتي الشيطان على الصالحين المحسنين فيبطل عليهم عملهم الجبار، فيصير جهدا مبعثرا وعملا مردودا وتعبا مهدرا؛ لأن الإخلاص لله هو القاعدة التي تبنى عليها العبادة وتكون حريةً بالقبول والنفع والمثوبة، فهو المعيار الدقيق لباطن الأعمال، ومقياسها الصادق الذي يميز طيبها من خبيثها، وصحيحها من فاسدها ، ومقبولها من مردودها، ونافعها من ضارها.
قال تعالى ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ النساء: 125.قال ابن القيم: إسلام الوجه إخلاص القصد والعمل لله والإحسان هو متابعة رسول الله ﷺ وسنته.(
فكم من جهودنا تذهب هباء منثورا لخلوها من الإخلاص ، لأن العبرة ليست بكثرة العمل وضخامته ، وإنما بإخلاصه ونقائه، فعن أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَالَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا شَيْءَ لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ) رواه النسائي وصححه الألباني.
وعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ t يَخْطُبُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) رواه البخاري.
وحقيقة الإخلاص أيها المؤمنون: هو إفراد الله تعالى بالقصد في الطاعة دون من سواه، بأن يقصد بها وجه الله تعالى متقرباً بها إليه رغبة ورهبة وخوفاً وطمعاً، فينقيها ويصفيها من قصد ثناء الناس ومحمدتهم، أو المنزلة في قلوبهم، أو تحصيل شيء مما في أيديهم من الحطام، أو اتقاء ما قد يوجهونه للشخص من المذمة والملام، قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) قال الفضيل بن عياض-رحمه الله- (العمل لأجل الناس شرك، وترك العمل لأجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما) .
فاتقوا عباد الله وأخلصوا لله تعالى، واقتدوا بسلفكم الصالح في إصلاح النيات، بارك الله لي ولكم في الوحيين، وحشرني وإياكم في زمرة المخلصين، إنه خير المسئول وهو رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه عل أشرف المرسلين
أيها المؤمنون: اعلموا أن الناس قد أحدثوا في رجب استنادا على الهوى وعلى بعض الأحاديث الضعيفة أعمالا كثيرة يحسبونها قربة، ولكن القربة ما شرعه الله ورسول الله ﷺ ومن جملة هذه الأعمال:
1/ صيام رجب كله: ويستندون في ذلك على حديث باطل وهو حديث: (صوم أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين، والثاني كفارة سنتين، ثم كلّ يوم شهراً)
انظر: كتاب فيض القدير للمناوي 4 / 210 طبعة المكتبة التجارية الكبرى لعام 1356هـ .
2/ صلاة الرغائب:
أولاً: صفتها: وردت صفتها في حديث موضوع عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من أحد يصوم يوم الخميس (أول خميس من رجب) ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة يعني ليلة الجمعة اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة و ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ثلاث مرات، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى عليّ سبعين، فيقول في سجوده سبعين مرة: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) ثم يرفع رأسه ويقول سبعين مرة: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت العزيز الأعظم، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى حاجته ، فإنها تقضى) .. قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده، ما من عبد ولا أَمَة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله له جميع ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر، وعدد الرمل، ووزن الجبال، وورق الأشجار، ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجب النار) إحياء علوم الدين / تبيين العجب .
ثانياً: كلام أهل العلم حولها:
قال النووي في فتاواه: (هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار، مشتملة على منكرات، فيتعين تركها والإعراض عنها، وإنكارها على فاعلها) فتاوى النووي 57 .
وقال ابن النحاس: (وهي بدعة، الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق المحدثين ) تنبيه الغافلين 496. وقال ابن تيمية: (وأما صلاة الرغائب: فلا أصل لها، بل هي محدثة، فلا تستحب، لا جماعة ولا فرادى؛ فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام أو يوم الجمعة بصيام، والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلاً) الفتاوى.
3/ الاحتفال بالليلة السابعة والعشرين من رجب بالزعم أن الإسراء والمعراج وقع فيها: يقول ابن رجب: (لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به) لطائف المعارف 233. وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري الخلاف في شهره أنه قيل فيه إنه: رجب وقيل: ربيع الآخر، وقيل رمضان، وقيل شوال.
ولو فرضنا على أنه ثبت تعيين ليلة الإسراء والمعراج لَما شرع لأحد تخصيصها بشيء؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته أو التابعين لهم بإحسان أنهم جعلوا لليلة الإسراء مزية عن غيرها، فضلاً عن أن يقيموا احتفالاً بذكراها.
4/ تخصيصه بالذبح: لا بأس في الذبح في رجب كبقية شهور السنة، وأما تخصيصه أو تخصيص يوم فيه بالذبح فلم يصح ذلك في هدي النبي ﷺ، ويزيد فعله قبحا ما يحوم حوله من اعتقادات وخرافات باطلة … وقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا فرعة ولا عتيرة) قال هشام في حديثه والفرعة أول النتاج والعتيرة الشاة يذبحها أهل البيت في رجب ( صحيح ) الإرواء 1180، الصحيح 2520 – 2521 ابن ماجه .
وبعد: أيها الأحبة في الله: فلا بأس في الاجتهاد خلال شهر رجب في الطاعات المطلقة بكل أنواعها قياما وصياما وصدقة، فتكون فاضلة بفضل الشهر لا غير، وورد حديث في النهي عن الصيام فيه وهو ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب وقد قال المحققون فيه إنه ضعيف جدا _ سلسلة الضعيفة 404. ولذا يبقى الأمر على أصله وهو مشروعية العبادة المطلقة في رجب، وبقاء رجب في إطار الفضل العام لكونه من أشهر الحرم.
هذا فصلوا وسلموا على النذير البشير الذي قال المولى في شأنه ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، اللهم أحل علينا الشهر بالأمن والأمان والصحة والبركة والتوفيق للعمل الصالح وزدنا فيه إيمانا وتقوى، واحفظنا فيه بما تحفظ به عبادك الصالحين
وآخر دعوانا عن الحمد لله ربّ العالمين.
مشروع خطب الجمعة في إفريقيا |
||||
رقم الخطبة |
عنوان الخطبة |
معد الخطبة |
تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة |
المراجعة والنشر |
252 |
شهر رجب بين الإتباع والابتداع |
د. عثمان صالح تروري ـــ عضو الاتحاد في مالي |
06/07/1447هـ الموافق 26/12/2025م |
الأمانة العامة |
مشروع خطب الجمعة في إفريقيا
رقم الخطبة عنوان الخطبة معد الخطبة تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة المراجعة والنشر
252 شهر رجب بين الإتباع والابتداع د. عثمان صالح تروري ـــ عضو الاتحاد في مالي 06/07/1447هـ الموافق 26/12/2025م الأمانة العامة
الموضوع: ” شهر رجب بين الإتباع والابتداع ”
الحمد لله مرسل النعم على العباد مدرارا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فضل أياما وشهورا، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله خير خلقه طرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم على الخير بإحسان إلى يوم تبعث الخلائق إلى مولاهم نشورا.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى ربكم أيها المؤمنون، فإن تقواه مكفرة للذنوب والآثام يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الأنفال 29
وبين لنا النبي ﷺ المراد بهذه الأربعة فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) البخاري.
ولقد فضل الله تعالى أياما وليالي من هذه الأشهر المفضلة، ففضل ليلة القدر في رمضان وفضل يوم عرفة والأيام العشرة في ذي الحجة، وفضل يوم عاشوراء في المحرم وخصص الله تعالى بعض هذه الأشهر بعبادات لحكمة يعلمها فجعل شهر رمضان شهر الصوم الواجب، وجعل شهر ذي الحجة شهر حج بيته الحرام وشرع الصوم في يوم عاشوراء شكرا لنعمته كما ثبت ذلك في نصوص السنة.
أيها المؤمنون: ولقد حل عليكم أحد الأشهر الحرم الأربعة وهو شهر رجب الذي بين جمادى وشعبان، ولقد علمنا أن له فضلا عاما لكونه واحدا من الأشهر الحرم الأربعة، ولنتساءل هل له فضل خاص ؟ وهل لبعض أيامه فضل خاص؟ وهل شرع لنا النبي صلى الله عليه وسلم عبادة خاصة فيه؟ فالجواب عن هذه التساؤلات كما يلي: لم يرد في هدي نبيكم لشهر رجب شيء من الفضائل الخاصة، ولم يثبت ليوم من أيامه فضل خاص ولم يشرع لكم نبيكم عبادة خاصة من صوم أو صلاة في يوم من أيامه أو في ليلة من لياليه يقول ابن حجر رحمه الله: (لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه .. حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ، رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه عن غيره). تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب، لابن حجر، ص6، وانظر: السنن والمبتدعات للشقيري، ص125.
وقال أيضاً: (وأما الأحاديث الواردة في فضل رجب أو في فضل صيامه، أو صيام شيء منه صريحة: فهي على قسمين: ضعيفة وموضوعة،…) المرجع نفسه، ومن الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي يستند إليها بعض الناس في تخصيص شهر رجب بفضائل ما يلي:
– (خمس ليال لا ترد فيهن الدعوة: أول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان، وليلة الجمعة وليلة الفطر وليلة النحر) قال فيه المحققون إنه:حديث موضوع. السلسلة.
– إن في الجنة نهرا يقال له: رجب (ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل) من صام من رجب يوما واحدا سقاه الله من ذلك النهر). قال فيه المحققون إنه : حديث باطل، السلسلة .
حديث: (اللهم بارك لنا في رجب و شعبان و بلغنا رمضان) رواه أحمد و الطبراني في الأوسط وقال عنه الهيثمي: رواه البزار وفيه زائدة بن أبي الرقاد قال البخاري منكر الحديث وجهله جماعة. انظر:كتاب مجمع الزوائد للهيثمي 2 / 165 طبعة دار الريان لعام 1407هـ و ضعفه النووي كما في الأذكار و الذهبي كما في الميزان 3 / 96 طبعة دار الكتب العلمية لعام 1995م.
– حديث: (فضل شهر رجب على الشهور كفضل القرآن على سائر الكلام) قال ابن حجر إنه موضوع انظر:كتاب كشف الخفاء 2 / 110 للعجلوني طبعة مؤسسة الرسالة لعام 1405هـ و كتاب المصنوع لعلي بن سلطان القاري 1 / 128 طبعة مكتبة الرشد لعام 1404هـ
– حديث: (رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) رواه الديلمي وغيره عن أنس مرفوعا لكن ذكره ابن الجوزي في الموضوعات بطرق عديدة وكذا الحافظ ابن حجر في كتاب تبيين العجب فيما ورد في رجب، انظر : كتاب فيض القدير للمناوي 4 / 162 و 166 طبعة المكتبة التجارية الكبرى لعام 1356هـ ،و كتاب كشف الخفاء للعجلوني 2 / 13 طبعة مؤسسة الرسالة لعام 1405هـ
أقول ما أصغيتم إليه وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من الذنوب والخطايا إنه بر رحيم كريم فاستغفروه وهو خير المسئول.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه عل أشرف المرسلين
أيها المؤمنون: اعلموا أن الناس قد أحدثوا في رجب استنادا على الهوى وعلى بعض الأحاديث الضعيفة أعمالا كثيرة يحسبونها قربة، ولكن القربة ما شرعه الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم ومن جملة هذه الأعمال:
1 / صيام رجب كله: ويستندون في ذلك على حديث باطل وهو حديث: (صوم أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين، والثاني كفارة سنتين، ثم كلّ يوم شهراً)
انظر: كتاب فيض القدير للمناوي 4 / 210 طبعة المكتبة التجارية الكبرى لعام 1356هـ .
2 / صلاة الرغائب:
أولاً: صفتها: وردت صفتها في حديث موضوع عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من أحد يصوم يوم الخميس (أول خميس من رجب) ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة يعني ليلة الجمعة اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة و إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ ثلاث مرات، و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى عليّ سبعين، فيقول في سجوده سبعين مرة: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) ثم يرفع رأسه ويقول سبعين مرة: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت العزيز الأعظم، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى حاجته ، فإنها تقضى) .. قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده، ما من عبد ولا أَمَة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله له جميع ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر، وعدد الرمل، ووزن الجبال، وورق الأشجار، ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجب النار) إحياء علوم الدين / تبيين العجب .
ثانياً: كلام أهل العلم حولها:
قال النووي في فتاواه: (هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار، مشتملة على منكرات، فيتعين تركها والإعراض عنها، وإنكارها على فاعلها) فتاوى النووي 57 . وقال ابن النحاس: (وهي بدعة، الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق المحدثين ) تنبيه الغافلين 496. وقال ابن تيمية: (وأما صلاة الرغائب: فلا أصل لها، بل هي محدثة، فلا تستحب، لا جماعة ولا فرادى؛ فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام أو يوم الجمعة بصيام، والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلاً) الفتاوى.
3 /الاحتفال بالليلة السابعة والعشرين من رجب بالزعم أن الإسراء والمعراج وقع فيها: يقول ابن رجب: (لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به) لطائف المعارف 233. وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري الخلاف في شهره أنه قيل فيه إنه: رجب وقيل: ربيع الآخر، وقيل رمضان، وقيل شوال.
ولو فرضنا على أنه ثبت تعيين ليلة الإسراء والمعراج لَما شرع لأحد تخصيصها بشيء؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته أو التابعين لهم بإحسان أنهم جعلوا لليلة الإسراء مزية عن غيرها، فضلاً عن أن يقيموا احتفالاً بذكراها.
4 / تخصيصه بالذبح: لا بأس في الذبح في رجب كبقية شهور السنة، وأما تخصيصه أو تخصيص يوم فيه بالذبح فلم يصح ذلك في هدي النبي ، ويزيد فعله قبحا ما يحوم حوله من اعتقادات وخرافات باطلة … وقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا فرعة ولا عتيرة) قال هشام في حديثه والفرعة أول النتاج والعتيرة الشاة يذبحها أهل البيت في رجب ( صحيح ) الإرواء1180،الصحيح 2520 – 2521 ابن ماجه .
وبعد: أيها الأحبة في الله: فلا بأس في الاجتهاد خلال شهر رجب في الطاعات المطلقة بكل أنواعها قياما وصياما وصدقة، فتكون فاضلة بفضل الشهر لا غير، وورد حديث في النهي عن الصيام فيه وهو ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب وقد قال المحققون فيه إنه ضعيف جدا _ سلسلة الضعيفة 404.
ولذا يبقى الأمر على أصله وهو مشروعية العبادة المطلقة في رجب، وبقاء رجب في إطار الفضل العام لكونه من أشهر الحرم.
ألا فاتقوا الله أيها المؤمنون، وتدبروا في مر الأيام وانصرام الليالي وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ…، اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
وصلوا وسلموا على النذير البشير الذي قال المولى في شأنه إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم, اللهم أحل علينا الشهر بالأمن والأمان والصحة والبركة والتوفيق للعمل الصالح وزدنا فيه إيمانا وتقوى، واحفظنا فيه بما تحفظ به عبادك الصالحين
مشروع خطب الجمعة في إفريقيا |
||||
رقم الخطبة |
عنوان الخطبة |
معد الخطبة |
تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة |
المراجعة والنشر |
251 |
منزلة الصحابة رضي الله عنهم في الكتاب والسنة |
فضيلة الشيخ أسامة بن عبد الله خياط |
28/06/1447هـ الموافق 18/12/2025م |
الأمانة العامة |
















































