مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم الخطبة

عنوان الخطبة

معد الخطبة

تاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

253

الإخلاص أصل الدين وروح العمل

الدكتور عثمان صالح تروري – عضو في مالي

13/07/1447هـ  الموافق 02/01/2026م

الأمانة العامة

الموضوع: الإخلاص أصل الدين وروح العمل

الحمد لله عالم الخفيات، المطلع على السرائر والنيات، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السموات ، أحمده سبحانه أن هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأسأله أن يجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له  ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث أسوة للمخلصين، وكان على أمته في شأن الرياء من الخائفين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً إلى يوم الوقوف بين يدي رب العالمين.

 

أما بعد:

فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى ربكم ، وأخلصوا له أعمالكم وأقوالكم ونياتكم يبارك لكم فيها ويحميكم من تسلط الشيطان  ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ  ﴾ الأنفال: 29

أيها المؤمنون: اعلموا إن غنى العبد بطاعة ربه والإقبال عليه، وإخلاص الأعمال لله تعالى أصل الدين وتاج العمل وهو عنوان الوقار وسمو الهمة ورجحان العقل وطريق السعادة، ولا يتم أمر ولا تحصل بركة إلا بصلاح القصد والنية، ولذا وذاك ققد أمر الله نبيه ﷺ بالإخلاص في أكثر من آية قال تعالى   ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ  ﴾ الزمر: قال تعالى   ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾  الزمر: 14  قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ الأنعام: 162 – 163

فالإخلاص أيها المؤمنون: له شأن عظيم وهو مطلب نفيس في جميع ما يفعله المؤمن ومن طريقه يأتي الشيطان على الصالحين المحسنين فيبطل عليهم عملهم الجبار، فيصير جهدا مبعثرا وعملا مردودا وتعبا مهدرا؛ لأن الإخلاص لله هو القاعدة التي تبنى عليها العبادة وتكون حريةً بالقبول والنفع والمثوبة، فهو المعيار الدقيق لباطن الأعمال، ومقياسها الصادق الذي يميز طيبها من خبيثها، وصحيحها من فاسدها ، ومقبولها من مردودها، ونافعها من ضارها.

قال تعالى ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ النساء: 125.قال ابن القيم: إسلام الوجه إخلاص القصد والعمل لله والإحسان هو متابعة رسول الله ﷺ وسنته.(

فكم من جهودنا تذهب هباء منثورا لخلوها من الإخلاص ، لأن العبرة ليست بكثرة العمل وضخامته ، وإنما بإخلاصه ونقائه، فعن أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَالَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا شَيْءَ لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ       لَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ) رواه النسائي وصححه الألباني.

وعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ t يَخْطُبُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) رواه البخاري.

وحقيقة الإخلاص أيها المؤمنون: هو إفراد الله تعالى بالقصد في الطاعة دون من سواه، بأن يقصد بها وجه الله تعالى متقرباً بها إليه رغبة ورهبة وخوفاً وطمعاً، فينقيها ويصفيها من قصد ثناء الناس ومحمدتهم، أو المنزلة في قلوبهم، أو تحصيل شيء مما في أيديهم من الحطام، أو اتقاء ما قد يوجهونه للشخص من المذمة والملام، قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) قال الفضيل بن عياض-رحمه الله- (العمل لأجل الناس شرك، وترك العمل لأجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما) .

فاتقوا عباد الله وأخلصوا لله تعالى، واقتدوا بسلفكم الصالح في إصلاح النيات، بارك الله لي ولكم في الوحيين، وحشرني وإياكم في زمرة المخلصين، إنه خير المسئول وهو رب العالمين.

                                    

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه عل أشرف المرسلين

أيها المؤمنون:  اعلموا أن الناس قد أحدثوا في رجب استنادا على الهوى وعلى بعض الأحاديث الضعيفة أعمالا كثيرة يحسبونها قربة، ولكن القربة ما شرعه الله ورسول الله ﷺ ومن جملة هذه الأعمال:

1/ صيام رجب كله: ويستندون في ذلك على حديث باطل وهو حديث: (صوم أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين، والثاني كفارة سنتين، ثم كلّ يوم شهراً)

انظر: كتاب فيض القدير للمناوي 4 / 210  طبعة المكتبة التجارية الكبرى لعام 1356هـ .

2/  صلاة الرغائب:

أولاً: صفتها:  وردت صفتها في حديث موضوع عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من أحد يصوم يوم الخميس (أول خميس من رجب) ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة يعني ليلة الجمعة اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة و ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ثلاث مرات، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى عليّ سبعين، فيقول في سجوده سبعين مرة: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) ثم يرفع رأسه ويقول سبعين مرة: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت العزيز الأعظم، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى حاجته ، فإنها تقضى) .. قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده، ما من عبد ولا أَمَة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله له جميع ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر، وعدد الرمل، ووزن الجبال، وورق الأشجار، ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجب النار) إحياء علوم الدين / تبيين العجب  .

ثانياً: كلام أهل العلم حولها:

قال النووي في فتاواه: (هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار، مشتملة على منكرات، فيتعين تركها والإعراض عنها، وإنكارها على فاعلها) فتاوى النووي 57  .

وقال ابن النحاس: (وهي بدعة، الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق المحدثين ) تنبيه الغافلين 496. وقال ابن تيمية: (وأما صلاة الرغائب: فلا أصل لها، بل هي محدثة، فلا تستحب، لا جماعة ولا فرادى؛ فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام أو يوم الجمعة بصيام، والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلاً) الفتاوى.

3/ الاحتفال بالليلة السابعة والعشرين من رجب بالزعم أن الإسراء والمعراج وقع فيها: يقول ابن رجب: (لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به) لطائف المعارف 233. وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري الخلاف في شهره أنه قيل فيه إنه: رجب وقيل: ربيع الآخر، وقيل رمضان، وقيل شوال.

ولو فرضنا على أنه ثبت تعيين ليلة الإسراء والمعراج لَما شرع لأحد تخصيصها بشيء؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته أو التابعين لهم بإحسان أنهم جعلوا لليلة الإسراء مزية عن غيرها، فضلاً عن أن يقيموا احتفالاً بذكراها.

4/ تخصيصه بالذبح: لا بأس في الذبح في رجب كبقية شهور السنة، وأما تخصيصه أو تخصيص يوم فيه بالذبح فلم يصح ذلك في هدي النبي  ﷺ،  ويزيد فعله قبحا ما يحوم حوله من اعتقادات وخرافات باطلة … وقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا فرعة ولا عتيرة) قال هشام في حديثه والفرعة أول النتاج والعتيرة الشاة يذبحها أهل البيت في رجب ( صحيح ) الإرواء 1180، الصحيح 2520 – 2521 ابن ماجه .

 

وبعد:  أيها الأحبة في الله: فلا بأس في الاجتهاد خلال شهر رجب في الطاعات المطلقة بكل أنواعها قياما وصياما وصدقة، فتكون فاضلة بفضل الشهر لا غير، وورد حديث في النهي عن الصيام فيه وهو ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب وقد قال المحققون فيه إنه ضعيف جدا _ سلسلة الضعيفة 404. ولذا يبقى الأمر على أصله وهو مشروعية العبادة المطلقة في رجب، وبقاء رجب في إطار الفضل العام لكونه من أشهر الحرم.

هذا فصلوا وسلموا على النذير البشير الذي قال المولى في شأنه ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾

 

اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، اللهم أحل علينا الشهر بالأمن والأمان والصحة والبركة والتوفيق للعمل الصالح وزدنا فيه إيمانا وتقوى، واحفظنا فيه بما تحفظ به عبادك الصالحين

وآخر دعوانا عن الحمد لله ربّ العالمين.

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *