مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

279

وداع العام الهجري 1447

قسم المشاريع

26/12/1447هـ  الموافق: 11/06/2026م

الأمانة العامة

 

 

الموضوع:وداع العام الهجري 1447

الْحَمْدُ لِلَّهِ مُسَيِّرِ الْأَزْمَانِ وَمُدَبِّرِ الْأَكْوَانِ، يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ وَكَرِّ الْعُصُورِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهِيَ خَيْرُ وَصِيَّةٍ لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ فاطر 5.  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران 102.

 

عباد الله: جمعتكم هذه هي آخِرُ جُمُعَةٍ من هذا العام الهجري فبعد أيام قلائل يرحل هذا العام، فها هو يطوي بساطة، ويقوض خيامه، ويَشُدُ رِحاله، عام كامل، تصرمت أيامه وتفرقت أوصاله، وقد حوى بين جنبيه حِكَماً وعبراً، وأحداثاً وعظات، فلا إله إلا الله، كم شَقِي فيه من أناس، وكم سَعُد فيه من آخرين، كم طفل قد تيتم، وكم من امرأة قد ترملت، ومريضُ قومٍ قد تعافى، وسليمُ قومٍ في التراب قد توارى، أهلُ بيتٍ يُشيعون ميتهم، وآخرون يزفون عروسهم، دارٌ تفرح بمولود، وأخرى تعزى بمفقود، فهنيئاً لمن أحسن فيه واستقام، وويل لمن أساء وارتكب الآثام، فهلم نتساءل عن هذا العام: كيف قضيناه وما أودعناه فيه؟ ولنُفتِش كتاب أعمالنا كيف أمليناه، فإن كان خيراً حمدنا الله وشكرناه. وإن كان شراً تبنا إلى الله واستغفرناه.

 

عِبَادَ اللَّه:  حَرِيٌّ بِنَا، وَنَحْنُ نَقِفُ عَلَى أَطْلَالِ عَامٍ مَضَى، وَمَشَارِفِ عَامٍ جَدِيدٍ أَتَى، أَنْ نَقِفَ مَعَ أَنْفُسِنَا، وَقَفَاتِ تَأَمُّلٍ وَمُحَاسَبَةٍ، عَنْ عَامِنَا كَيْفَ انْصَرَمَ، وَعَنْ أَيَّامِهِ وَلَيَالِيهِ كَيْفَ ذَهَبَتْ.

 

أَيُّهَا الْعُقَلَاءُ: نَحْنُ بِحَاجَةٍ لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِنَا قَبْلَ الْقُدُومِ عَلَى اللَّهِ وَوَاللَّهِ مَا خَفَّ الْحِسَابُ فِي الْآخِرَةِ، بَعْدَ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ، إِلَّا عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَمَا شَقَّ الْحِسَابُ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ، فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَأَمَّلُوا فِي حَالِ السَّلَفِ الصَّالِحِ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- أُولَئِكَ الَّذِينَ ضَرَبُوا أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي مُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ وَتَقْوِيمِهَا.

 

هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه – يَقُولُ: “حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا”. وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: كَانَ يَقُولُ: ” لَا يَكُونُ الرَّجُلُ تَقِيًّا حَتَّى يَكُونَ لِنَفْسِهِ أَشَدَّ مُحَاسَبَةً مِنَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَحَتَّى يَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ مَلْبَسُهُ وَمَطْعَمُهُ وَمَشْرَبُهُ”.

 

وَيَقُولُ الْحَسَنُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: “إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هِمَّتِهِ”. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ –رضي الله عنه -: “مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ نَدَمِي عَلَى يَوْمٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ نَقَصَ فِيهِ أَجَلِي، وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ عَمَلِي”.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُمْ مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الصَّلَاحِ وَالتُّقَى وَالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ فَمَاذَا نَقُولُ يَا تُرَى عَنْ أَيَّامِنَا وَفِيهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَا نُحْصِيهِ؛ عَلَيْنَا أَنْ نُحَاسِبَ أَنْفُسَنَا عَنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ الْعِظَامِ؛ عَنِ الصَّلَاةِ وَأَدَائِهَا، وَالزَّكَاةِ وَإِخْرَاجِهَا، وَحُقُوقِ الْخَلْقِ وَالسَّلَامَةِ مِنْهَا، وَعَنْ أَمْوَالِنَا مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ، وَكَيْفَ أَنْفَقْنَاهَا؟ وَعَنْ جَوَارِحِنَا وَمَاذَا عَمِلْنَا بِهَا، أَيْنَ مَشَتْ بِنَا الْأَقْدَامُ، وَبِمَاذَا تَكَلَّمَ اللِّسَانُ.. وَمَاذَا رَأَتْهُ الْعَيْنَانِ.. وَمَا الَّذِي تَسْمَعُهُ الْأُذُنَانِ؟ وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي يَطُولُ بِهَا الْمَقَامُ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ انْتَفَعَ بِعُمْرِهِ فَاسْتَقْبَلَ عَامَهُ بِمُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ عَلَى مَا مَضَى، وَالْعَاقِلُ مَنِ اتَّعَظَ بِأَمْسِهِ، وَاجْتَهَدَ فِي يَوْمِهِ وَاسْتَعَدَّ لِيَوْمِ رَحِيلِهِ.

 

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك،

اللهم اغفر لنا ما مضى وأصلح لنا ما بقي.

 

أَقولُ قَولي هَذا، وأَستغفرُ اللهَ لي ولكم فَاستغفروهُ إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيمُ.

 

 

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، لَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ..

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَلِيلُهُ وَمُصْطَفَاهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللَّهَ: عجيب حال هذا الغافل: يوقن بالموت ثم ينساه! ويتحقق من الضرر ثم يغشاه! يخشى الناسَ واللهُ أحقُ أن يخشاه! يغترَ بالصحةِ وينسى السقم! ويفرحُ بالعافيةِ ولا يتذكرُ الألم! يزهو بالشباب ويغفل عن الهرم! يحرصُ على العاجل، ولا يُفكِرُ في خُسران الآجل! يطول عمره ويزداد ذنبه! يبيضَ شعره ويسودّ قلبه! قلوب مريضة عز شفاؤها، وعيون تكحَّلت بالحرام فقل بكاؤها، وجوارح غرقت في الشهوات فحقّ عزاؤها.

 

سبحان الله! ألم يأن لأهل الغفلة أن يدركوا حقيقة هذه الدار؟! فهل رحِم الموت منَّا مريضًا لضعف حاله وأوصاله؟! هل تركَ كَاسِبًا لأجلِ أطفالِه؟! هل أمهَلَ ذا عِيال من أجلِ عِياله؟! أين من كانوا معَنا في الأعوام الماضية؟! أتَاهم هادِم اللذات وقاطع الشهوات ومفرّق الجماعات، فأخلى منهم المجالِسَ والمساجد، تراهُم في بطون الألحاد صرعَى، لا يجِدون لما هم فيه دَفعًا، ولا يملِكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا. فيا قوم: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ غافر 39.

 

وصلوا وسلموا رحمكم الله على الهادي النذير والسراج المنير…

أَسْأَلُ اللهَ لِي وَلَكُمُ النَّجَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَالْعِصْمَةَ مِنَ الْمَهَالِكِ وَالْمَعَاصِي، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ،

 اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمّ أَعَزّ الإسَلْام وَالْمُسْلِمَيْن، وَأَذَلّ الشِّرْك والمشركين، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، واجعل هَذَا الْبَلَد آمناً مطمئناً وَسَائِر بِلَاد الْمُسْلِمِين يَا رَبّ الْعَالَمِين، اللَّهُمّ آمِنًا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِح أَئِمَّتِنَا وَوُلَاة أُمُورِنَا، وَاِجْعَلْ وَلَايَتَناَ فِي مَنْ خَافَكَ وَاِتَّبَعَ رِضَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ،

اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنا وَبِلَادَنَا والإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ وَبِلاد الْمُسْلِمِينَ بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ فِي نَفْسِهِ وَرُدَّ كَيْدَهُ إِلَى نَحْرِهِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *