مشروع خطب الجمعة في إفريقيا |
||||
رقم |
عنوان الخطبة |
معد الخطبة |
التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة |
المراجعة والنشر |
291 |
الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ |
قسم المشاريع |
22/03/1448هـ الموافق 04/09/2026م |
الأمانة العامة |
الموضوع: “الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ”
الحمدُ للهِ الْعَفُوِّ الْغَفُورِ، يَتوبُ عَلَى مَنْ اسْتَغْفَرَ وَتَابَ، ويَغفِرُ لِمَنْ صَدَقَ مَعَهُ وَأَنَابَ، نَحمَدُهُ حَمْدَ الْقَانِعِ الشَّكُورِ، ونَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الْكُفْرِ والْخِصَامِ وَالْفُجُورِ. وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَمَرَنَا بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ كَامِلُ الْأَخْلَاقِ وَالنُّورِ، أَدَّبَهُ رَبُّهُ وَزَكَّاهُ، وَجَعَلَ الْقُرْآنَ خُلُقَهُ وَهُدَاهُ، ﷺ وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ وَصَحَابَتِهِ الْغُرِّ المَيَامِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَإِيمانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّما الْحَياةُ الدُّنْيا مَتَاعٌ وَكَبَدٌ، وَأَنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ وَالْأَبَدِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ النساء: 100.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: الِاخْتِلَاطُ بِالنَّاسِ يَكْشِفُ مَعَادِنَ أَخْلَاقِنا، وَلَا بُدَّ مَعَهُ أَنْ تَنْشَأَ خِلَافَاتٌ بَيْنَهُمْ، فِي كُلِّ مَيَادِينِ الْحَيَاةِ، بَلْ فِي أَمَاكِنِ عِبَادَاتِهِمْ وَمَنَاسِكِهِمْ، وَلَقَدْ جُبِلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَحَبَّةِ ذَوَاتِهِم وَالِانْتِصَارِ لِأَنْفُسِهِمْ وَالمُشْكِلَةُ أَنَّ الْخِلافَاتِ تَتَطَوَّرُ، فتَكُونُ خِصَامًا، ويَحْصُلُ تَبَاعُدٌ وَتَنَافُرٌ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهِ مِنْ سُلْطانٍ، وَتَذْهَبُ الْأَيَّامُ بِهِمْ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَعْمَالُ لَا تُرْفَعُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. وَإِنَّ مِنْ سِمَاتِ المُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ هَيِّنًا لَيِّنًا لَا غِلَّ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ وَلَا حَسَدَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْحَيَاةَ أَرْخَصُ مِنْ أَنْ تُمْلَأَ بِالْعَدَاوَاتِ وَالْبَغْضَاءِ، وَالْأَحْقَادِ وَالْإِحَنِ، فَيَعِيشُ المُسْلِمُ سَلِيمَ الْقَلْبِ، مُرْتَاحَ الْبَالِ، قَوِيَّ الإيمانِ، مُطِيعًا لِربِّهِ، مُجانِبًا لِهَوَاهُ وَشَيْطَانِهِ. فإنَّ دِينَ الْإِسْلامِ قَدْ حَثَّ عَلَى الْعَفْوِ وَالتَّسامُحِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ وَالْإِحْسَانِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ آل عمران: 133-134.
وَقَالَ ﷺ: »مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا« رواه مسلم . بَلْ جَاءَتْ نُصُوصٌ تَأْمُرُ المسلِمَ بِحُسْنِ المُعَامَلَةِ وَعَدَمِ مُقَابَلَةِ الْإِسَاءَةِ بِالْإِسَاءَةِ، وَحَثِّهِ عَلَى الدَّفْعِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَتَرغِيبِهِ فِي الصَّفْحِ عَنِ الْأَذَى وَالْعَفْوِ عَنِ الْإِسَاءَةِ، وَالِاتِّصَافِ بِالْحِلْمِ وَتَرْكِ الْغَضَبِ، وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الِانْتِصَارِ لِلنَّفْسِ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تَستَوِي الحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَليٌّ حَمِيمٌ﴾ فصلت:34. وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذِ العَفوَ وَأْمُرْ بِالعُرفِ وَأَعرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ الأعراف: 199. (فَهَذِهِ الآيَةُ مِنْ ثَلاثِ جُملٍ، تَضَمَّنَتْ قَواعِدَ الشَّريعَةِ فِي المَأْمُورَاتِ والْمَنْهِيَّاتِ، وَفِيهَا ثَلاثُ مَسائِلَ، فَقَوْلُهُ: [خُذِ الْعَفْوَ] دَخَلَ فِيه صِلَةُ الْقَاطِعِينَ، وَالْعَفْوُ عَنِ المُذْنِبِينَ، وَالرِّفْقُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَخْلاقِ المُطِيعِينَ ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ [وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ]: صِلَةُ الْأَرْحامِ، وَتَقْوَى اللَّهِ فِي الْحَلالِ وَالْحَرامِ، وَغَضُّ الْأَبْصارِ، وَالِاسْتِعْدادُ لِدَارِ الْقَرارِ ، وَفِي قَوْلِهِ [وَأَعرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ]: الحَضُّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْعِلْمِ، وَالْإِعْراضِ عَنْ أَهْلِ الظُّلْمِ، وَالتَّنَزُّهِ عَنْ مُنازَعَةِ السُّفَهاءِ، وَمُساواةِ الْجَهَلَةِ الْأَغْبِياءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْلاقِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ) الجامع لأحكام القرآن 7 / 344. وَقَالَ جَعْفَرُ الصَّادِقُ رَحِمَهُ اللَّهُ: »أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَجْمَعُ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ«.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ لِلْعَفْوِ ثَمَراتٍ جَليلَةً مِنْهَا : أَنَّ مَنْ عَفَا عَنْ عِبادِ اللَّهِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ ﴿فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالمِينَ ﴾ الشورى:40. وَبِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ أَمَرَ اللهُ المُؤمِنِينَ، وَجَعَلَ نَتِيجَتَهُ مَغْفِرَةَ ذُنُوبِهِمْ وَرَحمَتَهُ إِيَّاهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَعفُوا وَلْيَصفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النور: 22. بَلْ حَضَّ دِينُنَا عَلَى الْعَفْوِ فِي بَيْعِ النَّاسِ وَشِرَاءِهِمْ وَمُدَايَنَاتِهمْ، فَفِي الصَّحِيْحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: »كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ« .
وَمِنْ تِلْكَ الثَّمَرَاتِ أَنَّ الْعَفْوَ إِحْسانٌ لِلنَّفْسِ وَإِحْسانٌ لِلْغَيْرِ، فَإِنَّ مِنْ صِفاتِ المُتَّقِينَ اَلَّذِينَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فَإِنَّ كَظْمَ الْغَيْظِ وَعَدَمَ إِظْهارِهِ، والصَّبْرَ عَلَى مُقابَلَةِ المُسيءِ إِلَيْهِمْ، فَلَا يَنْتَقِمونَ مِنْهُ، والْعَفْوَ عَنْ كُلِّ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَأَنْ يُحْسِنَ الْعَبْدُ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ هِيَ مِنْ صِفاتِ المُتَّقِينَ، وَهَذِهِ هِيَ التَّرْبِيَةُ الْقُرْآنِيَّةُ.
وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْعَفْوِ: حُصُولُ السَّعَادَةِ وَالسَّكِينَةِ، فَالَّذِي يَعْفُو عَنِ النَّاسِ، وَيَتَسَامَحُ مَعَ أَخْطَائِهِمْ يَنَامُ قَرِيرَ الْعَيْنِ مُرْتَاحَ الْبَالِ، اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ وَسَكَنَتْ نَفْسُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَامَلُ مَعَ اللهِ، وَلَا يَتَعَامَلُ مَعَ الْبَشَرِ.
وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْعَفْوِ: اجْتِمَاعُ الْكَلِمَةُ، وَوِحْدَةُ الصَّفِّ، وَقُوَّةُ الْأَمَّةِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ الأنفال: 46. وَكَانَ الْعَفوُ خُلُقَ نَبِيِّنَا ﷺ الأَعْظَمِ، فَلَمْ يَكُنْ ﷺ لِيَنْتَقِمَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كَانَ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَيَفْعَلُ الْخَيْرَ وَيُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيهِ، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: »مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تَعَالَى فَيَنْتَقِمُ للهِ تَعَالَى «رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَهَكَذَا رَبَّى النَّبِيُّ ﷺ الصَّحَابَةَ اﻷْجِلَّاءَ، عَلَى الْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ وَالصَّفْحِ وَالْمُسَامَحَةِ، لِيَبْقَى الصَّفَاءُ بَيْنَهُمْ. فَكَانَ هَذَا هُوَ دَيْدَنَهُمْ وَمَنْهَجَهُمْ. يَسْتَجِيبُونَ لِأَمْرِ اللهِ وَلِأَمْرِ رَسُولِهِ ﷺ.


















































أضف تعليقاً