مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

293

كُنُوزٌ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ

قسم المشاريع

07/04/1448هـ  الموافق 18/09/2026م

الأمانة العامة

 

 

الموضوع:  “كُنُوزٌ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ”

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ،

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُـحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا،

 ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

 

أَمَّا بَعْدُ:  عِبَادَ اللهِ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، فَفِيهَا الْعَوْنُ وَالنَّجَاحُ، وَالنَّجَاةُ وَالْفَلاَحُ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إنَّ الهَدَفَ الحَقِيْقِيَّ مِنْ هَذِهِ الحَيَاةِ هُوَ عِبَادَةُ اللهِ U، وَالاسْتِكْثَارُ مِنْ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالقُرُبَاتِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وَالـمُؤْمِنُ يَتَمَنَّى البَقَاءَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ حَتَّى يَزْدَادَ قُرْبةً مِنْ رَبِّ البَرِيَّاتِ سُبْحَانَهُ، غَيْرَ أَنَّ حَيَاةَ البَشَرِ قَصِيْرَةٌ نِسْبِيًّا، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: « أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوْزُ ذَلِكَ» رواه الترمذي وصححه الألباني.

فَإِذَا كَانَ العُمُرُ بِهَذَا القِصَرِ، وَالْوَقْتُ يا عِبادَ اللهِ أَثْمَنُ شَيْءٍ، وَقَدْ لَفَتَتِ الشَّرِيعَةُ أَنْظارَنا إِلَى قِيمَةِ الْوَقْتِ؛ فَقَدْ أَقْسَمَ رَبُّنا عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتابِهِ الْعَزِيزِ بِأَنْواعٍ مِنَ الْوَقْتِ “وَالْعَصْرِ” “وَالْفَجْرِ” “وَالضُّحَى” “وَاللَّيْلِ” “وَالشَّمْسِ” “وَالْقَمَرِ”.

فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَسْتَثْمِرَ هَذِهِ الحَيَاةَ، فَيَتَقَرَّبَ إِلَى رَبِّ البَرِيَّاتِ بِاﻷْعْمَالِ اليَسِيرَةِ ذَاتِ الأُجُورِ الكَبِيرَةِ، الَّتِي يُضَاعَفُ أَجْرُهَا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَأَكْثَرُ مَا يُقَرِّبُ إِلَى اللهِ Y هُوَ اسْتِثْمَارُ هَذِهِ اﻷَوْقَاتِ اليَوْمِيَّةِ، بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالـمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا وَإِحْسَانُ أَدَائِهَا، فَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بُنِ الحَارِثِ t قَالَ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ :«يَا رَسُوْلَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ» رواه الترمذي وصححه الألباني. فَالسَّعِيدُ مَنْ يُبَارِكُ اللهُ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَيُوَفِّقُهُ لِعَمَلِ الطَّاعَاتِ وَالقُرُبَاتِ.

قَالَ عَبْدُ اللهِ بُن مَسْعُودٍ t: (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَ كَنْزَهُ فِي السَّمَاءِ؛ حَيْثُ لاَ يَأْكُلُهُ السُّوسُ، وَلاَ يَنَالُهُ اللُّصُوصُ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ قَلْبَ الرَّجُلِ مَعَ كَنْزِهِ) الفوائد لابن القيم.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ أَجَلّ ِالْأَعْمالِ أَنْ يُوفِّقَ اللهُ الْعَبْدَ لِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ؛ فَهُوَ أَسَاسُ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَهُوَ الْهَدَفُ الْأَسْمَى فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَهُوَ حَقِيقَةُ دِينِ الإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا r، وَلَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى التَّوْحِيدَ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، فَقَالَ Y : ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163].

وَالتَّوْحِيدُ لَهُ فَضْلٌ كَبِيرٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، بَلْ هُوَ سَبَبُ نَجَاةِ الْعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» متفق عليه.

وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ: أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ العَبْدَ عَلَى التَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ الدُّعاءَ بَعْدَ كُلِّ عِبادَةٍ خاصَّةً الصَّلَاةَ؛ فَيَدْعُو الْعَبْدُ رَبَّهُ بِخُشُوْعٍ وَتَدَبُّرٍ وَحُضُورِ قَلْبٍ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «أَتُحِبُّونَ أَنْ تَجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؟ قُولُوا: اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى شُكْرِكَ، وذِكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبادَتِكَ» رواه الإمام احمد في المسند وصححه الألباني.

فَأَنْفَعُ الدُّعَاءِ: طَلَبُ الْعَونِ مِنَ اللهِ عَلَى مَرْضَاتِهِ، وَأَفْضَلُ الْـمَوَاهِبِ: اسْتِجَابَةُ اللهِ هَذَا الـْمَطْلُوبَ لِلْعَبْدِ، وَجَمِيعُ الْأَدْعِيَةِ الْـمَأْثُورَةِ مَدَارُهَا عَلَى هَذَا، وَعَلَى دَفْعِ مَا يُضَادُّهُ، وَعَلَى تَكْمِيلِهِ، وَتَيْسِيرِ أَسْبَابِهِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ: “تَأَمَّلْتُ أَنْفَعَ الدُّعَاءِ، فَإِذَا هُوَ سُؤَالُ الْعَوْنِ عَلَى مَرْضَاتِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي الْفَاتِحَةِ فِي: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].

 

 أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إنَّ هُنَاكَ أَعْمَالًا صَالِحَةً يَسِيرَةً إِذَا وَفَّقَ اللهُ العَبْدَ وَأَعَانَهُ عَلَيْهَا؛ حَازَ الأُجُورَ العَظِيمَةَ عَلَيْهَا، وَمِنْهَا:

حُسْنُ الخُلُقِ وَطِيبُ الـمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ: فَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُقَرِّبُ إَلَى اللهَ U حُسْنُ الـمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ، فَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ t قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ e عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟ فَقَالَ: «تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ» رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني.

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِe  يَقُوْلُ: « إِنَّ الُمؤْمِنَ لَيُدْركُ بِحُسنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ» رواه أبو داود وصححه الألباني.

قَالَ عَبْدُ اللهِ بُن الـمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ فِي حُسْنِ الخُلُقِ: “هُوَ بَسْطُ الوَجْهِ، وَبَذْلُ الـمَعْرُوفِ، وَكَفُّ الْأَذَى” أخرجه الترمذي.

وَقَالَ يَحْيَى بُن مُعَاذٍ رَحِمَهُ اللهُ: “لِيَكُنْ حَظُّ الـمُؤْمِنِ مِنْكَ ثَلَاثًا: ‏إِنْ لَمْ تَنْفَعْهُ فَلَا تَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ تُفْرِحْهُ فَلَا تَغُمَّهُ، وَإِنْ لَمْ تَمْدَحْهُ فَلَا تَذُمَّهُ”.

وَمِنْ أَجَلِّ الأَعْمَالِ وأفْضَلِهَا: مُحَافَظَةُ الـرَّجُلِ الـمُسْلِمِ عَلَى صَلَاةِ الجَمَاعَةِ مَعَ الـمُسلِمِينَ في الـمَسْجِدِ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بُن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ e قَالَ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» أخرجه البخاري. وَهَذَا فَضْلٌ عَظِيمٌ وَأَجْرٌ جَزِيلٌ لَا يُفَرِّطُ فِيهِ دُونَ عُذْرٍ إِلَّا مَنْ غَلَبَهُ هَوَاهُ.

 

وَمِنْ تِلْكَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: الـمُحَافَظَةُ عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ: لِأَنَّهَا مُكَمِّلَةٌ لِلْفَرِيضَةِ، فَهِيَ مُتَمِّمَةٌ لِمَا فِيهَا مِنَ النَّقْصِ وَغَيْرِهِ، فَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ t أَنَّ النَّبِيِّ e قَالَ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ كَانَ أَكْمَلَهَا كُتِبَتْ لَهُ كَامِلَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْمَلَهَا قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَأَكْمِلُوا بِهَا مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرِيضَتِهِ،..» أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.  وَإِذَا حَافَظْتَ عَلَى هَذِهِ النَّوَافِلِ بَنَى اللهُ لَكَ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، فَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي للهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلَّا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ» رواه مسلم.

 

أَيُّهَا المسْلِمُونَ: مَا أَجْمَلَ الِاسْتِقَامَةَ عَلَى الْعِبَادَةِ! وَمَا أَجْمَلَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الطَّاعَةِ! فَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ الَّتِي يُدَاوِمُ عَلَيْهَا الْعَبْدُ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [صححه الألباني]. فَاجْعَلُوا الِاسْتِقَامَةَ شِعَارَكُمْ، وَصَالِحَ الْأَعْمَالِ وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا غَايَتَكُمْ، يَكْتُب اللهُ لَكُمُ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ، وَيَفْتَحْ لَكُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ، إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ r: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى». قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ! وَمَنْ يَأْبَى؟ قالَ: «مَنْ أَطاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصانِي فَقَدْ أَبَى» أخرجه البخاري. وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ وَقُرْبَةٍ، وَبَارَكَ لِي وَلَكُمْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الآيَاتِ وَالْحِكْمَةِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأُصَلِّيْ وَأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهِ الدَّاعِيْ إِلَى رِضْوانِهِ.

 

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تَقوَاهُ، وَاسْتَكْثِرُوا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَشْتَهِي أَنْ يُؤَدِّيَ العِبَادَةَ، وَيَتَمَنَّى أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللهِ U بِسَائِرِ القُرُبَاتِ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ بِالتَّمَنِّي، فَمَا  الْعِلَاجُ؟ الْعَلَاجُ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. أَيْ: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا أَنْفُسَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِنَا لَنُوَفِّقَنَّهُمْ لِإِصَابَةِ الطَّرِيقِ الـمُسْتَقِيمِ، وَإِنَّ اللهَ مَعَ الـمُحْسِنِينَ بِالْعَوْنِ وَالنَّصْرِ وَالِهدَايَةِ.

 

فَأَعْظَمُ الجِهَادِ جِهَادُ النَّفْسِ عَلَى تَعَلُّمِ الهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، ثُمَّ تَأْتِي مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ وَالـمُدَاوَمَةُ عَلَى ذَلِكَ العَمَلِ، وَحَرِيٌّ بِالْـمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَاقِدًا العَزْمَ فِي أُمُورِ اﻵخِرَةِ، وَمَا يُقَرِّبُهُ إِلَى رَبِّه وَمَوْلَاهُ، كَمَا قَالَ اللهُ U: ﴿يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ﴾ [مريم: 12].

وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ: أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَحْمَتِهِ أَنْ هَيَّأَ لِعِبادِهِ مِنَ الْأَعْمالِ الصَّالِحَةِ مَا يَفُوقُ الْحَصْرَ، يَكُونُ بِها الْفَوْزُ وَالمغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ لَهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ؛ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمالِ مَا يَحْتاجُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى الصَّبْرِ وَالتَّحَمُّلِ؛ كَطَلَبِ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَتَعْلِيمِهِ، قالَ r: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» أخرجه البخاري، وَمِنَ الْأَعْمالِ الصَّالِحَةِ صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَداءُ الْأَمانَةِ، وَالْوَفاءُ بِالْعَهْدِ، وَبِرُّ الْوالِدَيْنِ، وَصِلَةُ الْأَرْحامِ، وَالْإِحْسانُ إِلَى الْجارِ وَالْأَجِيرِ وَالْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ، وَإِكْرامُ الضَّيْفِ، وَتَنْفِيسُ الْكَرْبِ عَنِ الْمَكْرُوبِ، وَالتَّيْسِيرُ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَسِتْرُ المسْلِمِ، وَإِعانَتُهُ، وَالْإِخْلاصُ للهِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، وَالْمَحَبَّةُ لَهُ وَلِرَسُولِهِ r، وَخَشْيَةُ اللهِ، وَرَجاءُ رَحْمَتِهِ، وَالتَّوْبَةُ وَالْإِنابَةُ إِلَيْهِ، وَالصَّبْرُ عَلَى حُكْمِهِ، وَالشُّكْرُ لِنِعَمِهِ، وَقِراءَةُ الْقُرْآنِ، وَالْأَمْرُ بِالمعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المنْكَرِ، وَأَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَالْعَدْلُ فِي جَمِيعِ تَعامُلاتِكَ، حَتَّى مَعَ الْكُفَّارِ، وَإِطْعامُ الطَّعامِ، وَإِفْشاءُ السَّلامِ، وَالصَّلاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيامُ، وَالنَّصِيحَةُ للهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِكِتابِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المسْلِمينَ، وَعامَّتِهِمْ، وَغَيرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْثالِ هَذِهِ الْأَعْمالِ الَّتِي بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ تَصِلُ الْعَبْدُ بِرَحِمة مَوْلاهُ، وَلا يَحْقِرَنَّ أَحَدٌ مِنْ أَعْمالِ الْخَيْرِ شَيْئًا؛ رَوَى أَبُو ذَرٍّ t أَنَّ النَّبِيَّ r قالَ: ‌«تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ» رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنَّا، وَيُقَرِّبُنَا إِلَيْكَ، وَأَكْرِمْنا رَبَّنا بِرِضْوانِكَ وَالدَّرَجاتِ الْعُلَى مِنْ جَنَّاتِكَ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالـمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالـمُشْرِكِينَ.

رَبَّنَا تَقَبلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَتُبْ عَلِينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ، وَاغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ الـمُسلِمِينَ وَالـمُسلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُم وَالأَمْواتِ إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ المسْتَعانُ، وَبِكَ المسْتَغاثُ، وَعَلَيْكَ التُّكْلانُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.

رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالمينَ، وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

اللَّهُمَّ ثَبِّتْنا عَلَى نَهْجِ الِاسْتِقامَةِ، وَأَعِذْنا مِنْ مُوجِباتِ النَّدامَةِ يَوْمَ الْقِيامَةِ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ الْلَّهِ: اذْكُرُوا الْلَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ عَلَىَ وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ الْلَّهِ أَكْبَرُ وَالْلَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ.

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *