مشروع خطب الجمعة في إفريقيا

رقم

عنوان الخطبة

معد الخطبة

التاريخ المقترح لإلقاء الخطبة

المراجعة والنشر

297

منهج السلف الصالح في طاعة ولي الأمر

مكتب الأمانة العامة / قسم المشاريع

05 /05 /1448هـ  الموافق 15 /10 /2026م

الأمانة العامة

 

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والعدوان، وجعل الاجتماع والألفة من أسباب قوة الأمة، والصلاة والسلام على نبينا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين.

 

أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى؛ فإن تقوى الله خير زاد، وهي وصية الله للأولين والآخرين، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

 

أيها المؤمنون، إن من الموضوعات المهمة التي يحتاج المسلمون إلى فهمها فهماً صحيحاً: منهج السلف الصالح في طاعة ولي الأمر؛ لأن هذا الموضوع يتعلق بالدين، ووحدة المجتمع، وحفظ الأمن، وإقامة العدل، وصيانة الدماء والأموال والأعراض.

 

وإن الكلام في هذا الباب ينبغي أن يقوم على العلم والعدل، والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفهم الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، بعيداً عن الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط.

 

 أولاً: وجوب طاعة ولي الأمر في المعروف

عباد الله، لقد أمر الله تعالى بطاعة أولي الأمر، فقال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. فهذه الآية أصل عظيم في بيان مكانة طاعة ولي الأمر، وما يترتب عليها من مصالح عامة، وانتظام شؤون الناس، وحماية المجتمع من الفوضى والاضطراب.

 

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الطاعة ليست مطلقة، وإنما تكون في المعروف، فقال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ». متفق عليه بمعناه، وأصل لفظه في الصحيحين. وقال صلى الله عليه وسلم: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». رواه البخاري ومسلم بمعناه.

 

فيا عباد الله، ليست طاعة ولي الأمر تملقاً للأشخاص، ولا تنازلاً عن أحكام الدين، وإنما هي طاعة منضبطة بشرع الله، فيما يحقق المصلحة المشروعة ويحفظ حقوق الناس.

 

فإذا أمر ولي الأمر بما فيه مصلحة عامة مشروعة، كتنظيم شؤون المجتمع، وحماية الطرق، وصيانة الممتلكات، وحفظ الأمن، وجب الالتزام بذلك في حدود الشرع. أما إذا أمر بمعصية، فلا يجوز للمسلم أن يطيعه فيها، مع التزام الحكمة والعدل وعدم التعدي على حقوق الآخرين.

 

 ثانياً: منهج السلف الصالح في هذا الباب

أيها المسلمون، إن السلف الصالح، من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، كانوا يعظّمون النصوص الشرعية، ويدركون أن استقرار المجتمع ووحدة الكلمة من المصالح العظيمة، وأن معالجة الأخطاء تحتاج إلى علم وحكمة وبصيرة.

 

ولم يكن منهجهم قائماً على طاعة البشر في كل شيء، ولا على جعل كل خطأ سبباً للفوضى والاقتتال، بل جمعوا بين أصول شرعية عظيمة، منها:

  • السمع والطاعة في المعروف.

  • تحريم الطاعة في المعصية.

  • النصح لولاة الأمور بالطرق المشروعة.

  • العدل في الحكم على الأخطاء، وعدم التسرع في التكفير أو التحريض.

  • مراعاة المصالح والمفاسد، وحفظ الأنفس والحقوق.

  • الرجوع إلى العلماء الراسخين في النوازل والقضايا العامة التي تشتبه أحكامها.

وقد دلّ على أصل النصيحة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قلنا: لمن؟ قال: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». رواه مسلم. فالنصيحة لولي الأمر باب من أبواب الدين، وليست خيانة، كما أن بيان الخطأ بالدليل والعدل ليس خروجاً بمجرده، وإنما العبرة بالوسيلة والضوابط الشرعية وما يترتب على الفعل من مصالح ومفاسد.

 

 ثالثاً: موقف السلف من الظلم والأخطاء

عباد الله، إن من الخطأ أن يفهم المسلم طاعة ولي الأمر على أنها إقرار لكل ظلم، أو سكوت عن كل خطأ، أو تعطيل لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

فالإسلام دين العدل، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]. فالعدل واجب على الحاكم والمحكوم، وعلى القوي والضعيف، ولا يجوز لأحد أن يتخذ الطاعة ذريعة لظلم الناس أو أكل أموالهم أو انتهاك حقوقهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه أو حسنه عدد من أهل العلم.

 

وهذا يدل على فضل كلمة الحق التي تقال بعلم وإخلاص وحكمة، بقصد الإصلاح وإقامة العدل، لا بقصد التشهير أو إثارة الفتنة.

فإذا وقع خطأ من ولي الأمر، فإن الواجب هو النظر في الخطأ بميزان الشرع، والنصح بما يحقق الإصلاح، والابتعاد عن الكذب والبهتان والظلم، وعدم تحويل الخلاف إلى عداوة بين أبناء المجتمع.

 

رابعاً: التحذير من الفتن وسفك الدماء

أيها المؤمنون، إن الفتن إذا اشتعلت لم تميز بين صغير وكبير، ولا بين عالم وجاهل، وقد تضيع بسببها النفوس والأموال، وتتفرق الأسر، وتتعطل مصالح الناس. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا…» رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة في أحاديث الفتن.

 

والمقصود أن المسلم يتجنب المشاركة في الفتن التي تجر إلى الظلم وسفك الدماء، ويتثبت من الأخبار، ولا ينقل الشائعات، ولا يعتدي على أحد بحجة الدفاع عن الدين أو الوطن أو الجماعة.

 

ومن أعظم واجبات المسلم في زمن الفتن: التثبت، والعدل، وكف الأذى، والسعي إلى الإصلاح، وحفظ حياة الأبرياء.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

فكم من شائعة أفسدت علاقة، وكم من كلمة أشعلت خصومة، وكم من خبر غير متثبت منه تسبب في ظلم بريء!

 

خامساً: واجب الرعية تجاه ولي الأمر

عباد الله، إن واجب المسلم تجاه ولي الأمر لا يقتصر على الطاعة في المعروف، بل يشمل جملة من المسؤوليات الشرعية والأخلاقية، ومنها:

  • الدعاء بالصلاح والتوفيق: أن يسأل المسلم الله أن يوفق ولي الأمر للعدل والرحمة، وأن يعينه على أداء الأمانة.

  • النصح والإرشاد: أن يكون النصح بالطرق المشروعة، وبالصدق والحكمة، مع مراعاة ما يحقق الإصلاح.

  • الالتزام بالنظام المشروع: احترام القوانين والتنظيمات التي لا تخالف شرع الله، وتحفظ المصالح والحقوق.

  • حفظ الأمن العام: عدم الاعتداء على الأنفس والأموال والممتلكات، وعدم إعانة المعتدين.

  • قول الحق والقيام بالعدل: ألا يحمل حب الحاكم أو كراهيته المسلم على الكذب أو شهادة الزور أو تضييع الحقوق.

  • التثبت من الأخبار: ألا يكون المسلم أداة لنشر الشائعات والتحريض، بل يكون مفتاحاً للخير والإصلاح.

واعلموا، رحمكم الله، أن صلاح المجتمع مسؤولية مشتركة، وأن الحاكم مسؤول عن رعيته، وأن كل فرد مسؤول عن أمانته وحقوق الآخرين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه.

فليتق الله الحاكم في رعيته، وليتق الله المحكوم في واجباته، وليكن الجميع دعاة عدل وإصلاح، لا دعاة ظلم وفساد.

عباد الله، إن منهج السلف الصالح في طاعة ولي الأمر يقوم على فهم النصوص الشرعية فهماً متوازناً: فلا طاعة في معصية الله، ولا تبرير للظلم، ولا اندفاع إلى الفتن بغير علم، ولا تفريط في حقوق الناس.

فلنحفظ ألسنتنا من الكذب، وأيدينا من الاعتداء، وقلوبنا من الحقد، ولنجعل الإصلاح مقصدنا، والعدل ميزاننا، والكتاب والسنة مرجعنا.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن من علامات الفقه في الدين أن يعرف المسلم كيف يجمع بين طاعة الله، والنصيحة، والعدل، وحفظ الجماعة، وصيانة حقوق الناس.

 

أيها المسلمون، إننا في أمسّ الحاجة إلى ترسيخ هذا المنهج في بيوتنا ومساجدنا ومدارسنا ومجتمعاتنا؛ لأن الأمة التي يسود فيها العدل والصدق والتعاون تكون أقدر على تجاوز الأزمات، والأمة التي تنتشر فيها الشائعات والظلم والعداوة تضعف روابطها وتضيع مصالحها.

 

فلنعلّم أبناءنا أن الطاعة ليست عبادة للأشخاص، وأن النصيحة ليست خيانة، وأن المطالبة بالعدل لا تبيح الاعتداء، وأن الاختلاف لا يبرر الكذب، وأن المحافظة على الأمن لا تعني السكوت عن الحقوق المشروعة. ولنحرص على جمع الكلمة على الحق، والتعاون على البر والتقوى، والإصلاح بين الناس، والدعاء بالصلاح للأمة وولاة أمورها. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

 

ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعدل والحق والرحمة، وأعنهم على أداء الأمانة، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفقهم لما فيه خير البلاد والعباد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *